المقاوم محمد بنحمو الكاملي
المقاوم محمد بنحمو الكاملي هو أحد الوجوه الفدائية البارزة التي طبعت تاريخ المقاومة المغربية بالدار البيضاء، وهو يمثل جيل "الفدائيين الشرسين" الذين لم ينتهِ نضالهم بالحصول على الاستقلال عام 1956، بل امتدت حياتهم لتشهد فصولاً درامية من الصراع السياسي الحاد في مغرب ما بعد الاستقلال (ما يُعرف تاريخياً بـ "سنوات الرصاص").
إليك تفاصيل سيرة ومسار هذا المقاوم الاستثنائي من واقع مذكراته وشهادات رفاقه:
1. النشأة والبيئة المتمردة
الأصول: ينتمي محمد بنحمو الكاملي إلى منطقة الشاوية (قبائل أولاد سعيد/ نواحي سطات)، وهي المنطقة التي رفدت الدار البيضاء بخزان بشرى هائل من المقاومين.
الانتقال إلى الدار البيضاء: استقر في شباب بـ "كاريان سنترال" (الحي المحمدي) بالدار البيضاء، وهو الحي الذي كان معقلاً للحركة العمالية والوطنية والفدائية ضد الحماية الفرنسية.
2. العمل الفدائي السري (1953 - 1955)
بعد نفي السلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس) في 20 غشت 1953، انخرط الكاملي في العمل المسلح السري، وأصبح عضواً قيادياً في خلايا فدائية بالبيضاء:
منظمة "اليد السوداء" و"أسود التحرير": اشتغل الكاملي تحت إشراف قيادات وطنية وازنة مثل الفقيه محمد البصري، وكان رفيقاً للمقاوم الشهير محمد الزرقطوني.
العمليات الميدانية: تخصص في تنفيذ الهجمات المسلحة وإلقاء القنابل ضد مصالح المعمرين الفرنسيين، وضد "الخونة" والمتعاونين مع سلطات الحماية. عُرف بشجاعته الميدانية الكبيرة وقدرته على التخفي.
3. الصدام بعد الاستقلال (أزمة إكس ليبان)
نقطة التحول في حياة بنحمو الكاملي بدأت مع توقيع اتفاقيات "إكس ليبان" للاستقلال عام 1955:
رفض الاستقلال المبتور: كان الكاملي (برفقة تيار واسع من المقاومين والفدائيين) يرى أن الاستقلال الذي تم التوقيع عليه كان مجرد استقلال "عرجاء" يحفظ مصالح فرنسا، وكان يطالب باستمرار الكفاح المسلح حتى تصفية الاستعمار كاملاً في المغرب والجزائر وتأسيس نظام شعبي.
الانتماء السياسي: انحاز الكاملي جهاراً إلى الجناح الراديكالي في الحركة الوطنية، والذي انشق لاحقاً عن حزب الاستقلال ليؤسس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بقيادة المهدي بن بركة والفقيه البصري وعبد الله إبراهيم.
4. المحاكمة، السجن لـ 14 سنة، وحكم الإعدام
دخل المغرب بعد الاستقلال في صراع مرير على السلطة بين القصر الملكي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكان بنحمو الكاملي في قلب العاصفة:
الاعتقال الشرس: طورد الكاملي من طرف الأجهزة الأمنية (التي كان يقودها آنذاك الغزاوي ومحمد أوفقير). وخلال محاولة توقيفه، أبدى مقاومة مسلحة عنيفة وتلقى رصاصات في جسده، لكنه نجا وتم اعتقاله.
حكم الإعدام: وُجهت له تهم ثقيلة تتعلق بمحاولة قلب نظام الحكم، وتشكيل تنظيم سري مسلح، والمشاركة في ما عُرف بـ "مؤامرة 1963" (التي اعتُقل فيها المئات من أطر الاتحاد الوطني). وصدر في حقه حكم بالإعدام.
المحنة في السجن (قرابة 14 سنة): قضى الكاملي قرابة 14 عاماً خلف الأسوار في ظروف قاسية جداً (بين السجن المركزي بالقنيطرة وسجون أخرى)، متنقلاً بين زنازين الموت، وعاش على أعصابه ينتظر تنفيذ الإعدام في أي لحظة، خاصة بعد تنفيذ الإعدام في حق رفاق له (مثل المقاوم الفاخري، وأطر أحداث 1973 لاحقاً).
5. الإفراج والسنوات الأخيرة
العفو والمسيرة الخضراء: في منتصف السبعينيات (قرابة عام 1975)، ومع بداية "الإنفراج السياسي الأول" وتعبئة الملك الحسن الثاني للمغاربة من أجل المسيرة الخضراء، أُطلق سراح محمد بنحمو الكاملي ضمن مجموعة من المقاومين السياسيين، لكنه ظل تحت المراقبة وبدون حقوق كاملة لفترة طويلة.
الإنصاف والرد الاعتباري: مع تولي الملك محمد السادس العرش وبداية تجربة "هيئة الإنصاف والمصالحة" لتسوية ملفات سنوات الرصاص، حصل الكاملي على عفو ملكي شامل ورد اعتبار، وحظي بتقدير متأخر كأحد الرموز الفدائية التي ظلمها الصراع السياسي.
الوفاة: وافت المنية المقاوم محمد بنحمو الكاملي في أكتوبر 2019 بالدار البيضاء، وشُيع جثمانه في جنازة مهيبة حضرها رفاقه من الحركة الوطنية والمقاومة وعائلته، تاركاً وراءه سيرة تختزل مأساة "جيل المقاومة" الذي وجد نفسه غداة الاستقلال في مواجهة الدولة التي حارب من أجل تحريرها.
تقديم كتاب المقاوم محمد بن حمو الكاملي-1-
تقديم كتاب المقاوم محمد بن حمو الكاملي-2-
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق