قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء السابع والخمسون) أحمد رباص كاتب (Ahmed Rabass)/الحوار المتمدن
قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء السابع والخمسون) أحمد رباص كاتب (Ahmed Rabass)/الحوار المتمدن
يتوسط الصفحة (497) هذا العنوان "حزب اشتراكي بلبوس يمينية"، الذي تحدث المؤلف عبر فقراته عن تحول حزب الاتحاد الاشتراكي إلى حزب يميني مخزني وانفصاله عن الجماهير بعدما كان يوحي بأنه حزب ديمقراطي اجتماعي. وهكذا أصبح الاشتراكيون في الحزب يعيشون في عزلة عن الجماهير، لا يظهرون المعارضة إلا بشكل موسمي.
لقاءاتهم الحقيقية تنعقد من أجل مصالح شخصية، صفقات، وخدمات، مع ازدياد ثروات قيادات الحزب. فقد الحزب بالتالي ضميره الأخلاقي، وأصبح لا يشعر بأي تأنيب ضمير تجاه ممارساته الانتهازية.
وكلما أراد الحزب أن يرد على الانتقادات الموجهة إليه، إلا وتراه يشكو من حملة تشهير شرسة يدعي أنها تستهدفه لغاية إضعافه، متجاهلا قول المتنبي: "من يهن يسهل الهوان عليه *** ما لجرح بميت إيلام
ورأى الكاتب أن من عواقب الأكل في مائدة المخزن فقدان مصداقيته السياسية والفكرية والأخلاقية منذ زمان.
إنصافا للكاتب، ينبغي الاعتراف بأنه تفوق في الخلوص من تلك الفقرات عندما ختم، في بداية الصفحة الموالية، بقولة للينين يخاطب فيها رفاقه مؤكدا أنهم لا يناضلون إلى جانب الشعب، بل يسعون إلى استعمال الجماهير الشعبية الثورية لكي يتسللوا إلى السلطة.
بعد ذلك، انتقل بنا سي باحدو إلى عنوان آخر: "السقوط في هاويه غزة"؛ وذلك من أجل تناول موقف لشكر من المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في ظل ما يتعرض له من قصف ودمار.،
ضمن موقفه ذاك، اتهم المقاومة الفلسطينية بالمسؤولية عن أحداث 7 أكتوبر 202، واصفا المقاومة بـ"النكسة الخطيرة"، متبنياً موقف حكومة الاحتلال الإسرائيلي.
وهكذا تجاهل لشكر تاريخ العدوان الإسرائيلي المستمر على الفلسطينيين منذ 70 سنة، ومجازر نكبة 1948 وما بعدها. لقد وضع على قدم المساواة من قاوم الاحتلال ومن مارس العدوان، وهذا الموقف يُعتبر سقوطاً أخلاقياً وخيانة لتاريخ الاتحاد.
من ذلك، استنتج الكاتب أن موقف لشكر يتماشى مع دعاة تصفية القضية الفلسطينية باسم دفاع الكيان الصهيوني عن نفسه. وحتى الدولة المغربية التي طبعت مع إسرائيل لم تتبن موقفا مماثلا فيه نوع من التحامل على المقاومة الفلسطينية.
ولغاية استكمال تحليله، استعان الكاتب بمصطفى الرميد، عضو قيادي سابق في حزب العدالة والتنمية، الذي اعتبر أن موقف لشكر مع إسرائيل وخيانة القضية الفلسطينية هو بمثابة سقوط أخلاقي.
أجمالا، انتقد الكاتب بشدة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وخصوصاً قيادته التي حولت تنظيمها من حزب ديمقراطي اجتماعي إلى حزب يميني مخزني منفصل عن الجماهير، يلهث المنتسبون إليه وراء مصالحه الشخصية على حساب الشعب. كما ندد بموقف لشكر من المقاومة الفلسطينية في غزة؛ لأنه اتهم المقاومة بالمسؤولية عن الأحداث، وتبنى بالتالي موقف الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يُعتبر خيانة لتاريخ الحزب وللقضية الفلسطينية. وفي المقابل، يقارن المؤلف موقف لشكر بموقف الدولة المغربية الداعم للحق الفلسطيني رغم التطبيع مع إسرائيل.
خصص الكاتب الصفحة (499) بأكملها لعرض تفاصيل موضوع يلخصه هذا العنوان: "أصداء على هامش المؤتمر"، والمقصود هو المؤتمر الوطني الثاني عشر للاتحاد الاشتراكي (أكتوبر 2025).
في المقدمة، تمت الإشارة إلى أنه عقب المؤتمر صدرت عدة مقالات وتحليلات تناولت نتائج ومخرجات المؤتمر. أجمعت هذه المقالات على أن المؤتمر أثار خيبة أمل لكنها (المقالات) في الوقت نفسه طرحت تساؤلات عميقة حول مسيرة الحزب السياسي الذي كانت له بصمة في الحياة السياسية المغربية لعقود، خاصة في مجالات الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية.
وتمخضت الأزمة السياسية والفكرية في الحزب عن إفلاس سياسي وفكري. في هذا السياق، وصف المناضل الاتحادي عبد الرحمان الغندور الوضع داخل الحزب بأنه مأساوي، معتبرا تتويج لشكر ملكاً على عرش الاتحاد وانتظار التوريث جريمة في حق المغرب والمغاربة والتاريخ.
ورأى الغندور أن هذا التتويج يعبر عن خنق أصوات الماضي وتناقضات داخل الحزب، مما أدى إلى تآكل الواقع السياسي الحزبي وتحوله إلى مشهد مأساوي يشير إلى موت فعلي للحزب.
وبخصوص تمديد الولاية الرابعة للشكر ككاتب عام الحزب، اعتبر الكاتب هذا السلوك علامة فارقة على طريق الانهيار، وإعلانا صريحا عن إفلاس سياسي وفكري.
واعتبر الكانب أن التمديد لم يكن تعبيراً عن حكمة جماعية، ولم ينتج عن إرادة قاعدية عريضة، بل هو نتيجة لاستحواذ نخبة ضيقة على قرار الحزب، تتصرف وكأنها مالكته ووريثته، لا خادمة لمبادئه أو وفية لتاريخه.
إن العقل النقدي الذي كان وقود الحركة الاتحادية سابقاً استبدل بخطاب تبريري أجوف، يبرر البقاء بدلاً من البحث عن أسباب التجدد، كما قال سي باحدو. وفي نظره، يعكس التمسك المرضي بالكرسي انعدام الثقة في القدرة على المنافسة في سوق الأفكار، ويظهر عدم قدرة النخبة على تقديم نفسها ككفاءات قادرة على الفوز بثقة المنخرطين في ظل منافسة شريفة.
يضاف إلى ذلك الابتعاد الصارخ عن المبادئ الديمقراطية التي طالما نادى بها الحزب، والتي من المفترض أن تكون جوهر وجوده.
ورأى الكاتب أن ذلك الابتعاد يعد من أبرز مظاهر الأزمة، مؤكدا أن التجديد ليس شكلياً بل ضرورة حياتية لاستمرار أي كيان سياسي. كما اعتبر أن التشبيب ليس حصة تمنح بل هو حق للأجيال الصاعدة وضمانة لاستمرارية المشروع. والتداول على المسؤوليات ليس مجرد إجراء بل هو روح الديمقراطية التي تمنع تحول القيادة إلى ملكية فردية أو عائلية.
وفي الخلاصة، كشف المؤتمر الثاني عشر للاتحاد الاشتراكي عن أزمة عميقة تنخر مفاصله، وتتمثل في إفلاس سياسي وفكري، في استحواذ نخبة ضيقة على القرار، في غياب العقل النقدي، وفي التمسك المرضي بالسلطة، مع ابتعاد واضح عن المبادئ الديمقراطية التي كانت تشكل جوهر الحزب.
هذه الأزمة هددت مستقبل الحزب ووضعته أمام تحديات كبيرة تتطلب تجديداً حقيقياً وممارسة ديمقراطية حقيقية لضمان استمراريته وفعاليته في الحياة السياسية المغربية.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق