قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الثاني والخمسون) أحمد رباص كاتب (Ahmed Rabass)/الحوار المتمدن
قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الثاني والخمسون) أحمد رباص كاتب (Ahmed Rabass)/الحوار المتمدن
توسط عنوان "آلة التبريرات" الصفحة (482) وامتدت تفاصيله على (13) صفحة تخللتها عناوين فرعية. مهد الكاتب لهذه الصفحات باربع فقرات تتكون أخيرتها من سطر ونصف تقريبا.
بدأ الكاتب تمهيده بطرح سؤال مركزي: لماذا انهار الاتحاد الاشتراكي وتحول من حزب طليعي يهز الشارع إلى بوق مخزني ورقم عادي مثل الأحزاب الإدارية؟ ومن خلال الجواب، يتضح أنه ركز على سبب واحد فاصل حدده في شخص محمد اليازغي.
تعرف الكاتب على اليازغي سنة 1965 كمناضل متواضع ودائم الحضور. لكنه ما لبث حتى أحس بأنه عاجز عن إدراك كنه ابتسامته وما يخفي وراءها. في ما بعد عرف أنه ابن "مشاوري في دار المخزن". انطلاقا من وضعيته البسيطة، بحث عن "صمام أمان"، فوجده في الموالاة للمخزن". تزوج سعدى بنت أخ أحمد بلا فريج المتحدرة من أكبر العائلات المخزنية. فأصبح "سياسيا محترفا" يعرف ما يريد وكيف يحققه.
كان يرتدي جلبابا أبيض ويمشي راجلا في شوارع الرباط ليتظاهر بالتقوى أمام جماهير صناديق الاقتراع، تاركا لغيرة صلاحية الحديث عن الاشتراكية وانتقاد النظام. ووصف الكاتب اليازغي كصاحب قدرة خارقة على ابتداع المبررات لأي موقف يخدم أهدافه. مثلا، تحول على يده أوفقير من سفاك وجزار دار المقري وحوادث 23 مارس إلى رجل نزيه زلت به قدمه، وسرعان ما عاد إلى الصواب قبل انقلاب 16 غشت 1972.
وعندما فرض المخزن الجلباب والبلغة على النواب الـ15 بدل البدلة، راهنوا على صلابة الموقف، لكنهم في الأخير امتثلوا للأمر الواقع؛ الشيء الذي برره اليازغي بأنه إجراء شكلي تقتضيه البراغماتية. وعندما دعا الحزب إلى مقاطعة الانتخابات المزورة، قال: "وهل لدينا أعضاء يهاجمون مكاتب التصويت ويحرقونها؟".
وبعدما أعطت الداخلية للاتحاد 15 مقعدا بدل 80، قال: "المقاعد لا تهم، المهم هو الاتصال بالجماهير". وكأن الاتحاد لم يكن له علاقة بالجماهير قبل أن يفوز هو بمقعد القنيطرة.
في الأخير، أنهى الكاتب تمهيده بالقول إن اليازغي بورجوازي بلسان اشتراكي يحول الأسود إلى أبيض والهزيمة إلى نصر. كما كان يعتمد على قصر ذاكرة أعضاء الحزب، مؤملا النفس بنسيان عروضه عن الوضعية الراهنة التي لا تتغير لصالح الجماهير، بينما وضعيته لا تتوقف عن التحسن والطفرة بفضل العمل السياسي. وختم بقولة لنجيب محفوظ: "يعلمون أنهم كاذبون ويعلمون أننا نعلم أنهم كاذبون، ومع ذلك فهم يكذبون بأعلى صوت ويتصدرون القافلة".
بكلمات أقل، اعتبر سي باحدو اليازغي آلة لصنع التبريرات. تمثلت مهمته في تحويل كل تراجع وانبطاح إلى موقف استراتيجي. بهذه الآلة تحول الاتحاد من معارضة إلى مشاركة، ومن كرامة إلى جلباب أبيض، ومن 80 مقعد إلى 15 مقعدا، وقد قر في عرفه أن المقاعد لا تهم. لذلك، ففقد الحزب ثقة الجماهير وتشرذم وانشق.
تحت العنوان الفرعي الأول: "مدارس إدريس الثالث"، تكلم سي باحدو عن السلوكات الانتهازية وكيف أنها كانت محصورة في القيادة قديماً. لكن مع زمن السقوط والردة وغياب أي قضية عادلة، وصل الحزب إلى حالة إفلاس إيديولوجي فظيع.
فاليازغي "ملهوط"، وعبد الواحد الراضي "سليل الإقطاع"، أما اليوسفي فهو "تاجر سياسي باع الحزب بالجملة"، وقال عنه بنصالح إنه "غورباتشوف الحزب". وفي الأخير، صار كل شيء في يد إدريس لشكر.
توقف الكاتب عند الأخير ليحكي لنا سيرته التي انطلقت من البلطجة إلى اليازغي مرورا بوزارة الداخلية. ففي السبعينيات، كان لشگر شابا مغمورا محدود المواهب في التنظيم التلاميذي. أطره عز العرب الكاديلي ليخوض "معارك ضد اليسار في الجامعة" بسلاحه الذي لم يكن سوى "سلسلة حديدية في المحفظة وصراخ وسباب وبلطجة". كان يطوف على بيوت المناضلين باحثا عن خبر أو مقعد.
كانت انطلاقته "المباركة"من "مكاتب وزارة الداخلية حيث تدرب على "النضال الإداري" ودخل مديريات الأمن الوطني والشؤون الداخلية والجماعات الترابية. الكاتب يتساءل: "ألهذا الحد تظل (الداخلية) أم الوزارات؟"
أما مدرسة لشگر الثانية التي انتقل إليها فقد تجسدت في حضن شيخه محمد اليازغي داخل مكتبه للمحاماة. هنا تعلم "الدسائس والمكر والشقلبات و"التشلهيب" و"لخواض". وانتهى الأمر بلشگر إلى أن أصبح شريكاً لليازغي في المكتب بعد التدريب.
في إطار الشهادات المضادة، أورد الكاتب قول محمد بوبكري: "تم تدريب لشكر من جهات معينة على خلق مشاكل داخل الاتحاد وكان منخرطاً في تنفيذ الدسائس ضد الحزب".
ولم يفوت الكاتب الفرصة لعرض مشهد درامي حكاه له أحد أصدقائه الذي شاهد لشگر في مكتب المحاماة يسب اليازغي "بأقذع العبارات"، بينما اكتفى اليازغي بأن حاول تهدئة روعه. والمفارقة هي أن نفس لشكر يعتبر اليازغي حاليا أستاذه وقائده ويدعو له بطول العمر.
باختصار، حدد سي باحدو مدرستين صنعتا إدريس لشگر. المدرسة الأولى هي وزارة الداخلية التي تخرج منها "مناضلا إداريا"، فيما تعود المدرسة الثانية إلى اليازغي المحامي، وقد تخرج منها لشگر خبيرا في حبك الدسائس.
من شاب بسلسلة حديدية يعتدي بها على اليسار، إلى متدرب في الداخلية، إلى تلميذ اليازغي في المكر، أصبح هو من يقود الاتحاد الاشتراكي. وهكذا انتقل الاتحاد من "قضية" إلى بورصة لتبادل المصالح"، ومن حزب جماهيري إلى قيادة أنتجتها الداخلية ومكتب محاماة.
"صنيعة الهمة" هذا هو العنوان الفرعي الثاني الذي أطر ست فقرات. في أولاها قال الكاتب إن عبد الرحمن اليوسفى لم يغادر الحزب إلا بعد أن جعله رهينة لدى المخزن والوصوليبن والانتهازيين. أصبح لشگر نائبا برلمانيا خلال الولاية النيابية 1977-2002 في مكان عبد القادر باينة في سابقة غريبة عن الفريق الاتحادي. وعندما حل موعد المؤتمر الوطني للحزب سنة 2012، هيئت له الطريق بكل الوسائل بما فيها تدخل الإدارة الترابية لصالحه حتى أصبح كاتبا عاما.
وفي هذا السياق، استحضر سي باحدو التقرير الذي أعده الصحافي سليمان الريسوني عن الظروف التي مرت فيها فعاليات المؤتمر الوطني التاسع، والتي شابتها الدسائس الداخلية والتدخلات الخارجية لغاية واحدة وهي تنصيب لشگر أمينا عاما.
وذكر الريسوني في تقريره المساهمين في عملية التزوير التي قادت لشگر إلى الأمانة العامة. كما صور عبد الواحد الراضي كضارب الحزب في مقتل وماش في جنازته، خاصة عندما قال: "الاتحاد الاشتراكي يعيش حالة انتحار جماعية".
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق