على هامش اعتصام الأخ يوسف فرحات أمام جماعة قلعة السراغنة*حميد مجدي
على هامش اعتصام الأخ يوسف فرحات أمام جماعة قلعة السراغنة
لعل أقسى ما يمكن أن يواجهه المواطن هو أن يشعر بأنه غير مرئي، وأن صوته لا يعني أحدًا، وأن اعتصامه، وألمه، ورسائله، وكرامته، كلها لا تستحق حتى جوابًا.. هذا هو السؤال الحقيقي الذي يطرحه اليوم اعتصام الأخ يوسف فرحات أمام جماعة قلعة السراغنة منذ 29 ماي 2026، احتجاجاً على ما يعتبره حرماناً من حقه في الشغل والعيش الكريم له ولأسرته.. إنه لا يطلب المستحيل. لا يطالب بامتيازات، ولا يبحث عن نفوذ، ولا ينافس أحدًا على سلطة أو منصب أو مقعد انتخابي. إنه يطالب فقط بحقه في الشغل، وبحق أسرته في حياة تحفظ كرامتها.
غير أن ما يثير القلق، هو ذلك الشعور المتزايد لديه ولدى كثير من المواطنين، بأن التواصل أو الحوار لا يسير دائمًا في الاتجاه نفسه، وأن أبوابه تبدو أوسع مع بعض الوجوه، وأضيق مع أخرى. وكأن هناك من يُطلب منه أن يتكلم، وهناك من يُطلب منه أن يصمت. هناك من يعرف كيف يقول ما يرغب المسؤول في سماعه، فيُستقبل ويُحتفى به وتُفتح أمامه الأبواب. وهناك من يختار أن يقول الحقيقة كما يراها، وأن يعبر عن غضبه، وأن يحتج حين يشعر بالظلم، فيصبح حضوره ثقيلاً، وصوته مزعجًا، ومطالبه مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
يوسف فرحات لم يختر طريق الصمت، ولم يبع كرامته مقابل لحظة رضا، ولم يقرر أن يحول معاناته إلى همس داخل الجدران. خرج إلى الفضاء العام، واحتج، واعتصم، وقال إن له حقًا يطالب به.
قد يختلف الناس مع طريقته في التعبير، وقد يختلف المسؤولون مع طريقته في الاحتجاج، لكن لا ينبغي أن يختلف اثنان حول حقيقة وضعه، ومشروعية مطلبه، وحقه في أن يُستمع إليه باحترام. الإنصات ليس مكافأة على حسن السلوك، وليس جائزة تُمنح لمن يجيد لغة الكلام والمجاملة، بل هو حق لكل مواطن، مهما كان رأيه، ومهما كانت درجة اتفاق السلطة معه.
أعتقد أن التجاهل لا يطفئ الاحتجاج، ولا يحل الأزمات، بل إنه يصنعها، ويمنح أسبابًا جديدة للتصعيد والتطرف.. والسلطة التي لا تسمع إلا الأصوات المريحة، تخاطر بأن تفقد القدرة على معرفة ما يجري، وما يستتبع ذلك من مخاطر في الآفاق. والإدارة التي تشرع أبوابها للوجوه التي تقول دائمًا ما يُرضي المسؤول، وتحيط نفسها فقط بمن يقولون "نعم.. نعم، وكل شيء بخير"، قد تكتشف، بعد فوات الأوان، أن الزمن تجاوزها، والمشاكل تراكمت، إلى حد لا يمكن استدراكه..
قلعة السراغنة اليوم ليست بحاجة إلى المزيد من البروتوكول، ولا إلى المزيد من الصور واللقاءات الرسمية، بقدر حاجتها إلى الإنصات "غير المزيف" لنبض الشارع، ولأبنائها الذين يعانون حتى وإن لم تكن معجبة بهم واختلفت معهم.
فالأوطان تُبنى عندما يشعر أبسط مواطن بأن كرامته لا تقل قيمة عن كرامة أي مسؤول، وأن حقه في أن يُسمع صوته والتفاعل الإيجابي معه، لا يخضع لمعيار الولاء، ولا للمجاملة، ولا للموقع، بل يستند إلى مبدأ واحد لا غير: أن جميع المواطنين متساوون في الكرامة، ومتساوون في الحق في الإنصات، ومتساوون أمام مؤسسات يفترض أنها وُجدت لخدمتهم جميعًا، لا للتمييز والتفريق بينهم.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق