... لكن هل تخجل الولايات المتحدة من الإشادة باستقلالها !؟ *خاطرة على هامش إعلان الولايات المتحدة الأمريكية ذكرى استقلالها...!عمران حاضري
... لكن هل تخجل الولايات المتحدة من الإشادة باستقلالها !؟
*خاطرة على هامش إعلان الولايات المتحدة الأمريكية ذكرى استقلالها...!
.
ليس السؤال الحقيقي ، لماذا تحتفل الولايات المتحدة بعيد استقلالها ؟ بل، أيُّ استقلالٍ ذاك الذي يُشاد به، إذا كان قد وُلد من رحم الاستيطان، ونما على أنقاض الشعوب الأصلية صاحبة الأرض و الثقافة و الهوية،،، ثم تحول، مع مرور الزمن، إلى منظومةٍ عالمية لإعادة إنتاج الهيمنة ؟
فالاستقلال، في جوهره الفلسفي، ليس انفصال مستعمرةٍ عن إمبراطورية، بل تحرر الإنسان من كل أشكال السيطرة والاستغلال والاغتصاب... أما حين يتحول الاستقلال إلى لحظة تأسيسٍ لك-يانٍ استي-طاني توسعي، فإن السؤال الأخلاقي يظل معلقًا فوق التاريخ، مهما تعاظمت القوة، ومهما تراكمت الأساطير المؤسسة للدولة...!
لقد خرجت الولايات المتحدة من عباءة الإمبراطورية البريطانية، لكنها لم تلبث أن أعادت إنتاج منطق الإمبراطوريات ذاتها... فمن ثلاث عشرة مستوطنة إلى خمسين ولاية، لم يكن التوسع مجرد امتدادٍ إداري، بل كان، في الأساس ، مسارًا است-يطانيًا قام على اقتلاع السكان الأصليين، وإخضاع الأرض لمنطق القوة، حتى غدا الاستي-طان جزءًا من سردية الدولة الرسمية نفسها، لا مجرد فصلٍ عابر من التاريخ...!
ومع صعود الرأسمالية الأمريكية إلى مركز النظام العالمي، لم تعد الهيمنة تُمارَس بالبندقية وحدها، بل بالدولار، والمؤسسات المالية، والإعلام، والثقافة، والقواعد العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، وإعادة تشكيل الوعي العالمي بما يخدم مصالح المركز الإمبريالي... وهكذا أصبح مفهوم «الحرية» ذاته، في كثير من الأحيان، أداةً أيديولوجية تُمنح لمن يخضع، وتُحجب عمّن يقاوم الهيمنة و الإستعمار و التبعية...!
ومن هنا، لا يمكن فهم السياسة الأمريكية في المشرق العربي مثلاً ، بمعزل عن التحالف البنيوي مع الك-يان الصه-يوني، ذلك التحالف الذي لم يعد مجرد تقاطع مصالح ظرفي، بل أصبح ركيزةً ثابتة في الاستراتيجية الأمريكية... حيث أصبحت الص-هي-ونية عقيدة الدولة ...!
غير أن هذه السياسات لا تُفسَّر بعاملٍ واحد، بل هي نتاج تداخل المصالح الجيوسياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والأيديولوجية، في إطار مشروع يسعى إلى الحفاظ على ميزان قوة يضمن استمرار النفوذ الص&يو/أمريكي في المنطقة...!
وفي الداخل الأمريكي نفسه، تكشف التناقضات الاجتماعية حدود الخطاب النيولبرالي السمج ؛ فبينما تُرفع شعارات "الديمقراطية" و"الفرص المتكافئة"، تتعمق الفوارق الطبقية و العنصرية، وتتراكم الثروة في أيدي أقلية مالية، وتتزايد قدرة رأس المال على التأثير في القرار السياسي، بما يجعل هكذا ديمقراطية مزعومة، رهينةً لموازين القوة الاقتصادية أكثر منها تعبيرًا عن الإرادة الشعبية الحرة...!
إن الحرية التي تُبنى على نفي حرية الآخرين ليست حرية، والاستقلال الذي يستمد استمراره من إخضاع الشعوب الأخرى ليس استقلالًا ذي معنى، بل امتيازًا تاريخيًا تفرضه موازين القوة ليس إلا...!
ولذلك، فإن نقد الولايات المتحدة لا ينبغي أن يكون عداءً لشعبها، الذي يضم بدوره قوىً تقدمية وحركاتٍ مناهضةً للاستعمار والعنصرية والحروب، وإنما نقدًا للدولة الإمبريالية و للبنية الإمبريالية بصفة عامة، التي جعلت من القوة معيارًا للحق، ومن الهيمنة مرادفًا للنظام الدولي...!
لقد كتب فرانتز فانون أن الاستعمار لا يحتل الأرض فحسب، بل يحتل الوعي أيضًا...!
وربما تكون المأساة الكبرى في عصرنا أن الإمبراطورية لم تعد بحاجة دائمًا إلى الجيوش كي تنتصر؛ يكفيها أن تجعل هيمنتها تبدو طبيعية، وأن تجعل ضحاياها يروون حكايتها بلغتها و هذا ما نلاحظه لدى الكيانات التبعية الحاكمة و بعض النخب السائرة في ركابها...!
ولهذا، فإن الاستقلال الحقيقي ليس عيدًا وطنيًا يُحتفل به كل عام، بل مشروعٌ تحرري إنساني دائم، لا يكتمل إلا عندما تصبح حرية الشعوب جميعًا غير قابلة للتجزئة و الانتهاك،،، وعندما يُصبح حق الفل+سط+يني، وحق السكان الأصليين أصحاب الأرض ، وحق كل شعبٍ في تقرير مصيره، مساويًا تمامًا لحق أي أمة أخرى، دون استثناء، ودون ازدواجية في المعايير...فالعدالة لا تُقاس برايات الدول، بل بقدرتها على الاعتراف بإنسانية الآخرين و حقوقهم المشروعة في الاستقلال و التحرر من التبعية و تقرير المصير...!
عمران حاضري
6/7/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق