. الحزب ليس منجزا تنظيميا جاهزا. بل بنية تتحرك مع التاريخ*الرفيق محمد السفريوي
الحزب ليس منجزا تنظيميا جاهزا. بل بنية تتحرك مع التاريخ*الرفيق محمد السفريوي
يبدو ان المسلمة الاكثر رسوخا داخل طيف من الحركة اليسارية الاعتقاد أن هناك نموذجا نهائيا ومكتملا للحزب الماركسي اللينيني، وأن هذا النموذج حصلنا عليه من لينين، و ما علينا سوى استنساخه .
بينما العودة الهادئة إلى نصوص لينين نفسها تقودنا إلى نتيجة أن هذا اعتقاد ساذج .
فمن يقرأ "ما العمل؟" (1902) و"خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء"(1904)، لا يجد وصفة تنظيمية ، بل يجد عقلا تنظيميا يراجع أدواته باستمرار استجابة لتحولات واقعه، متطلبات الحركة العمالية، وتغير ميزان القوى.
في "ما العمل؟" تبنى لينين تصورا يقوم على مستويين قياديين متكاملين: قيادة ذات وظيفة أيديولوجية وفكرية تتمحور حول الجريدة المركزية باعتبارها "منظما جماعيا"، وقيادة تنظيمية تتولى إدارة الحزب وعضويته ونضالاته الميداني، على أن يفرز المؤتمر الهيئتين معا، ويضمن بينهما آليات دورية للتنسيق والتكامل.
لكن بعد سنوات قليلة، وفي "خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء"، غير لينين في هذا البناء، ودافع عن لجنة مركزية واحدة تجمع بين القيادة السياسية و الايديولوجية والتنظيمية. و هذا ليس تراجعا عن مبدأ، بل تعديلا فرضته تجربة سياق آخر
هذه المراجعة وحدها تكفي لإسقاط فكرة أن لينين ترك للأجيال "دستورا تنظيميا" صالحا لكل زمان ومكان.
و الأهم ان القراءة الجادة للتجربة اللينينية تفرض حذرا خاصا من الخلط بين التصور اللينيني وما أصبح عليه الحزب السوفييتي بعد ثورة أكتوبر، وبشكل خاص خلال المرحلة الستالينية. فالكثير مما نعتبره اليوم "النموذج اللينيني" هو، في الحقيقة نتيجة اتطورات لاحقة ارتبطت بقيادة دولة تواجه حربا أهلية وحصارا خارجيا ثم الحاجة لجهاز بيروقراطي متضخم، أكثر مما يعكس النقاشات التنظيمية المفتوحة التي خاضها لينين قبل الثورة.
إن اختزال اللينينية في شكل تنظيمي جامد لا يخدم لينين، بقدر ما يحول الماركسية نفسها إلى عقيدة مغلقة، و هي التي تأسست على تحليل الواقع الملموس وتغيير الأدوات كلما تغيرت شروط النضال.
الحزب ليس وصفة مكتملة تستدعى عند الحاجة. إنه كائن سياسي حي، يولد من شروط عصره، ويتغير بتغيرها، ويقاس نجاحه بقدرته على استيعاب الحركة الحقيقية للمجتمع، لا بمدى وفائه الحرفي لنموذج صيغ قبل أكثر من قرن.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق