* الفئات الشعبية التونسية بين مطرقة الخصخصة وسندان حرارة الصيف والانقطاع اليومي للكهرباء...!عمران حاضري
* الفئات الشعبية التونسية بين مطرقة الخصخصة وسندان حرارة الصيف والانقطاع اليومي للكهرباء...!عمران حاضري
ليس انقطاع الماء والكهرباء في ذروة الصيف مجرد عطب تقني عابر، ولا مجرد خلل ظرفي تفرضه موجات الحرارة الاستثنائية... إنه، في أحد أبعاده، مرآة تعكس طبيعة الخيارات الاقتصادية والسياسية التبعية التي تحدد موقع الدولة و وظيفتها من المجتمع،،، هل هي راعية للحق في الخدمات الأساسية، أم مجرد وسيط يهيئ الأرضية لتحويلها إلى سلعة خاضعة لمنطق السوق والربح؟!
حين تصبح الكهرباء و الطاقة عامة، وهي شرط الحياة والإنتاج والكرامة، عاجزة عن بلوغ المواطن بانتظام و إستمرار ، لا يعود السؤال تقنياً حول المحولات و محطات التوليد و الشبكات فقط، بل يصبح سؤالاً سيادياً حول نموذج التنمية ذاته بما فيها السيادة الطاقية...! فكل بنية تحتية تُترك للاستنزاف و عدم التعهد بالصيانة الضرورية فضلا عن غياب أو التلكؤ في تكثيف إنتاج الطاقة بما يتناسب مع المتطلبات اللازمة و رسم و تفعيل استراتيجية الطاقة البديلة و النظيفة،،، وكل مؤسسة عمومية تُدفع تدريجياً نحو العجز المالي والاستثماري بحكم اعتماد منوال تبعي خدمي بنكي ريعي و التعويل على القطاعات الهشة بدلا من اعتماد منوال تنموي منتج فلاحة و صناعة قادر على إنتاج الثروة و القيمة المضافة ، من الطبيعي أن تقترب هكذا مؤسسة، أكثر من لحظة يُقدَّم فيها التفويت أو الخصخصة باعتبارهما "الحل الأمثل"...!!!
وهنا تكمن المفارقة ، فالأزمات قد تكون أحياناً نتيجة بعض التراكمات الموضوعية، لكنها قد تتحول أيضاً إلى ذريعة سياسية لإعادة تشكيل دور الدولة وحدود الملكية العامة...!
إن الجدل الذي شهدته الساحة السياسية مؤخراً حول قطاع الطاقة والخصخصة يعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً وهو، هل يجري إصلاح المؤسسات العمومية بتمكينها من الاستثمار والحوكمة العقلانية الوطنية الناهضة، أم يجري إضعافها و انهاكها تدريجياً حتى تبدو غير قابلة للإستمرار !؟ ذلك سؤال مشروع في ضوء ما عرفته قطاعات استراتيجية أخرى، مثل قطاع المياه و الفوسفاط والنقل البري و الجوي، من أزمات عميقة أضعفت مساهمتها في الاقتصاد الوطني وأثارت نقاشاً واسعاً حول حاضرها و مستقبلها...!
وفي هذا السياق، تطفو حزمة الشروط المتواصلة من المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي كآلية للاستعمار الجديد، باعتبارها تدفع نحو تقليص دور الدولة وتوسيع مجال القطاع الخاص، وهو ما يتقاطع مع نقاشات أوسع عرفتها تونس حول اتفاقيات الشراكة الاقتصادية، ومنها مشروع اتفاقية الشراكة المعمقة مع الإتحاد الأوروبي "الأليكا" (ALECA)، وما أثارته من مخاوف تتعلق بالسيادة الاقتصادية و السياسية والقدرة التنافسية وحماية المرفق العام و مزيد ارتهان البلاد ...!!! وبينما تسوق لها منظومة الحكومات المتعاقبة و مؤيدوها ، أنها "تساهم في معالجة الاختلالات المالية وجذب الاستثمار الأجنبي" ، في حين يقول المنطق و الواقع أنها ، تفضي إلى مزيد من هشاشة الخدمات العمومية واتساع الفوارق الاجتماعية...!
* السيادة ليست شعاراً هلاميا ، يُرفع في الخطب الفوسفورية ، بل في قدرة المجتمع على التحكم في موارده الاستراتيجية، وعلى ضمان الماء والكهرباء والتعليم والصحة و الدواء،،، باعتبارها حقوقاً لا امتيازات...!
فلا معنى لسيادة سياسية تُرفع رايتها خطابيا ، في ظل التبعية، بينما تُترك المقومات الاجتماعية والاقتصادية و الطاقية التي تمنحها مضمونها الأساس ، للتآكل و المديونية الخارجية او الارتهان...!
* أما الفئات الشعبية، فهي أول من يدفع الثمن...! فهي لا تملك مولدات كهربائية خاصة ولا ألواحاً شمسية ولا مساكن معزولة عن الحر... إنها تواجه حرارة الطبيعة وحرارة السياسات في آن واحد؛ تكتوي بالشمس نهاراً، وبالعتمة ليلاً، بينما يتراجع الأمل في خدمات عمومية مستقرة تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية...!
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل التراجع اللافت و الفاضح في حضور الحركة النقابية، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، في قيادة المعارك الاجتماعية والدفاع عن المرفق العمومي والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مقارنة بأدوار مقبولة نسبياً ، لعبها في محطات تاريخية سابقة...! ومهما اختلفت التقييمات لأسباب هذا التراجع، فإن تهميش و غياب قوة اجتماعية منظمة قادرة على تأطير الاحتجاج والدفاع عن السياسات العمومية يترك الفئات الشعبية أكثر عزلة في مواجهة الأزمات و في مقدمتها تفاقم البطالة و التهميش و غلاء المعيشة و هشاشة الخدمات ...!! وإلى ذلك "تلبرل" جل الأطياف اليسارية و انحسارها في الجانب السياسي على أهميته و ضرورته طبعا، و إهمال الجانب الاقتصادي والاجتماعي المدخل الرئيسي للفئات الشعبية الذي يتيح تلمس درجة وعيها و انشغالها و انضغاطها و بالتالي التعلم من تجاربها و الإسهام في الارتقاء بوعيها ... و يتحتم الربط السليم بين النضال الإقتصادي و النضال السياسي و حيث يكون النضال من أجل الحرية جنبا إلى جنب مع النضال من أجل توفير شرطها الاجتماعي...!
بالمحصلة ، إن معركة الكهرباء ليست معركة أسلاك ومحطات فقط، بل هي معركة حول طبيعة الدولة نفسها و خياراتها الكبرى ، هل تبقى الدولة حارساً للمصلحة العامة، أم تتحول إلى مدير لانسحابها التدريجي من القطاعات الحيوية ؟ وهل يُقاس نجاح السياسات الاقتصادية برضا المؤسسات المالية الدولية النهابة المدمرة للاوطان و الشعوب ، أم بقدرة المواطن على أن يعيش بكرامة في وطنه و يفرض سيادته الطاقية و على ثرواته الطبيعية؟
* إن التاريخ يعلمنا أن الأمم تفقد سيادتها تدريجياً ، كلما تحولت الحقوق إلى سلع، والمواطن إلى زبون، والدولة إلى وسيط بين المجتمع والأسواق الحرة و المعولمة...! لذلك، فإن الدفاع عن المؤسسات العمومية ليس دفاعاً عن "البيروقراطية أو عن سوء الإدارة" كما يسوق أنصار اقتصاد السوق، بل هو دفاع عن فكرة أن بعض القطاعات، وفي مقدمتها الماء والطاقة والصحة والتعليم، يجب أن تبقى خارج منطق المضاربة والربح و الزبونية، لأنها تمثل البنية الأخلاقية والسيادية لأي دولة تريد أن تبقى دولة لجميع مواطنيها، لا مجرد فضاء مفتوح لتنازع المصالح ورأس المال في سياق هيمنة النمط الكمبرادوري التبعي الرث ...!
* بالتالي ليست معركة الكهرباء معركة ضد انقطاع التيار ، بل معركة ضد انقطاع الإرادة الوطنية في فك الارتباط مع التبعية و شروط المؤسسات المالية العالمية التقشفية و الكارثية ... وليست معركة الماء معركة ضد العطش، بل ضد عطش رأس المال إلى ما تبقى من الملك العام...! ففي اللحظة التي تتحول فيها المرافق العمومية إلى غنائم ، تتحول الدولة إلى وسيط بين الشعب والسوق، و عندها يصبح الدفاع عن القطاع العمومي فعلاً من أفعال المقاومة الوطنية، لا مجرد مطلب اجتماعي...!
* الاوطان لا تصان بالشعارات، بل بإرادة الشعوب و صيانة حقوقها و كرامتها...!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق