جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

* كلّ يدّعي وصلاً بالثورة... والثورة لا تُقرّ له بذلك...! عمران حاضري

 * كلّ يدّعي وصلاً بالثورة... والثورة لا تُقرّ له بذلك...! 

*  منذ سقوط راس النظام إلى الآن و حكام المصادفات المزعجة يذبحون الثورة و احلام الشعب بالحديث عن الثورة و بث اوهام عدم التعارض معها...!

* بعض ملامح تيار الثورة المضادّة في تونس...!

ليست الثورة المضادّة حزباً بالضرورة، ولا جماعةً محدّدة، ولا مؤامرةً تُدار دائماً من غرفة سرّية. إنها، في معناها التاريخي والمادي، عملية اجتماعية وسياسية لإعادة إنتاج علاقات الهيمنة التي هزّتها الثورة، وإعادة توجيه طاقتها التحرّرية نحو ترميم المنظومة التبعية الريعية القديمة  بأدوات جديدة.

ومن هنا، فإن أخطر وجوه الثورة المضادّة ليست تلك التي تعادي الثورة جهاراً، بل تلك التي تدّعي وصلاً بها، وتستعير قاموسها، وترفع شعاراتها، ثم تعمل في الممارسة على إفراغها من مضمونها الطبقي والاجتماعي والتحرّري... و ينحر الشعب و الوطن على مذبح صراعات الحكم بين مختلف مكونات أجنحة المنظومة التبعية...! 

الثورة، في المنظور التاريخي التحرري ، ليست مجرّد لحظة سقوط حاكم أو تبدّل حكومة؛ إنها انفجار مجتمعي للتناقضات المتراكمة داخل بنية اجتماعية واقتصادية وسياسية و ثقافية... لذلك فإن إسقاط رأس السلطة لا يعني بالضرورة إسقاط النظام الاجتماعي الذي أنتجه...!  قد يتقلص الاستبداد السياسي مباشرة بعد سقوط رأس النظام ، بينما تبقى علاقات الإنتاج والتبعية والملكية والامتياز والريع، فتجد القوى القديمة و الوافدة على المشهد طريقها إلى إعادة البناء والتشكل.

وهنا تحديداً يبدأ عمل الثورة المضادّة...!

في تونس، لم تكن الثورة حدثاً مسقطا عن المشهد السياسي و معزولاً عن البنية الاقتصادية والاجتماعية. لقد انفجرت في فضاء تحكمه برجوازية تبعية ذات نزوع كمبرادوري مؤكد، وشبكات ريعية، ومصالح مرتبطة بالمراكز الرأسمالية العالمية، وفئات وسيطة تستفيد بدرجات متفاوتة من استمرار علاقات التبعية... ولذلك لم يكن الصراع بعد 2011 بين «الثورة» و«النظام القديم» فقط؛ بل كان أيضاً صراعاً مع قوى أخرى تريد السطو على المشهد خاصة الإسلام السياسي بمختلف ثمثلاته و بعض الأطياف الليبرالية ... صراعاً على معنى الدولة، وعلى اتجاه الاقتصاد، وعلى من يمتلك القرار، وعلى من يدفع كلفة الأزمة، وعلى من يملك حق تعريف المستقبل...!

الثورة المضادّة لا تحتاج دائماً إلى إعادة إنتاج الماضي كما كان. يكفيها أن تعيد إنتاج منطقه...!!!

قد تستبدل الخطاب السلطوي بخطاب  مرن ديمقراطيا، والاحتكار السياسي بالتعددية الشكلية التي هي بضاعة قديمة متجددة ، والولاء الشخصي بمنصات إلكترونية و بشبكات انتخابية وإعلامية ومالية؛ لكنها، إذا أبقت على جوهر علاقات التبعية والريع وتوزيع الثروة والامتياز، تكون قد نقلت الثورة من سؤال تغيير المجتمع إلى سؤال تغيير واجهة الحكم...!!! 

ومن هنا ينبغي تقييم هشاشة البديل الديموقراطي الثوري و فهم التحالفات الاجتماعية للثورة المضادّة كما حصل ذلك بين حركتي "النهضة و النداء" و بعض الأطياف الدائرة في فلكهما،،،فهي لا تقوم فقط على البرجوازية الكمبرادورية والشرائح المستفيدة مباشرة من الاقتصاد الريعي، بل تتسع لتشمل فئات بيروقراطية، ومالية، وإعلامية، وسياسية، ومهنية، ووسطى، بل وحتى شرائح شعبية يمكن استقطابها عبر الخوف، أو المحافظة الاجتماعية، أو الزبونية، أو الوعد بالأمن والاستقرار...

فالطبقة المهيمنة لا تحكم بالاقتصاد وحده؛ إنها تحتاج إلى جهاز سياسي، وخطاب ثقافي، وآليات رمزية لإنتاج القبول.

وهنا تأتي قيمة الثورة الثقافية حيث يصبح الصراع الثقافي جزءاً عضوياً من الصراع الطبقي...! 

فالثورة المضادّة لا تكتفي بإعادة توزيع السلطة؛ إنها تعمل على إعادة كتابة ذاكرة الثورة نفسها حيث تفصل الاجتماعي عن السياسي، والاقتصادي عن الديمقراطي، والحرية عن العدالة، وتحوّل المواطن من فاعل تاريخي إلى ناخب موسمي، ومن صاحب حق إلى مستهلك للخدمات، ومن طبقة اجتماعية ذات مصالح متناقضة إلى «شعب» مجرّد من التناقضات...!

وحين تُختزل الثورة في الانتخابات، أو في تداول نخب الثورة المضادة، أو في تغيير الأشخاص، يصبح السؤال المركزي غائباً:

من يملك؟ ومن ينتج؟ ومن يراكم؟ ومن يقرر؟ ومن يدفع ثمن الأزمة؟

إن الثورة التي لا تغيّر ميزان القوة الاجتماعي والاقتصادي تظل قابلة للاختطاف و التنكيل بها...! 

لهذا فإن الثورة المضادّة ليست بالضرورة ضد الديمقراطية في صورتها الشكلية التي لا تهددها بل تدعم استمرارها ؛ قد تكون، في لحظة تاريخية معينة، أكثر احتياجاً إلى الديمقراطية الشكلية ، لأنها تستطيع من خلالها إعادة شرعنة المصالح القديمة عبر آليات جديدة. فالانتخابات، حين تنفصل عن العدالة الاجتماعية والسيادة الاقتصادية، يمكن أن تتحول من أداة للتحرر إلى آلية لإعادة إنتاج الهيمنة...! 

والأخطر أن الثورة المضادّة تتقن صناعة الأقنعة و فنون الخداع :

تارةً تتكلم باسم الدولة و هيبتها ، وتارة باسم الدين و ضرورة صيانته من الحداثيين و العلمانيين ، وتارة باسم الحداثة الشكلانية التلفيقية بوجه التيارات الإسلامية و الظلامية ، وتارة باسم الشعب و الشعب يريد ، وتارة باسم الثورة نفسها و تحويل شعاراتها من دليل شرف إلى دليل اهانة في ظل اختلال موازين القوى و هشاشة البديل الحداثي الديموقراطي المنحاز إلى الثورة و مطالبها...! 

لكن معيارها الحقيقي ليس ما تقوله عن الثورة، وإنما ما تفعله تجاه مصالح الطبقات الشعبية، وتجاه استقلال القرار الوطني، وتجاه توزيع الثروة، وتجاه الحقوق والحريات، وتجاه علاقة تونس بالمراكز الاقتصادية والسياسية و المالية الدولية...! 

فالثورة لا تُقاس بكثافة الأعلام التي تُرفع باسمها، بل بعمق التحولات التي تنجزها...! 

ومن هنا يمكن القول بأن تيار الثورة المضادّة هو مجموع القوى والآليات والعمليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تعمل على احتواء الديناميات الثورية وإعادة دمجها داخل البنية القائمة، بما يحافظ على جوهر علاقات الهيمنة الطبقية و التمييز الاجتماعي والتبعية والريع، ولو عبر تغيير أشكال الحكم والخطاب والفاعلين...! 

وبهذا المعنى، فإن الثورة المضادّة ليست نقيض الثورة في الخطاب فحسب؛ إنها نقيضها في الاتجاه التحرري التاريخي...! 

الثورة تفتح إمكاناً جديداً للمجتمع؛

الثورة المضادّة تغلق هذا الإمكان.

الثورة تسعى الى كيفية تحرر الإنسان؟

الثورة المضادّة تسعى إلى كيفية  إستمرار النظام بأقل قدر من الكلفة؟

الثورة تنقل الجماهير من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل؛

والثورة المضادّة تعيدها إلى موقع المتلقي...

أما في تونس، فإن معركة الثورة لم تنتهِ بسقوط بن علي، كما أن الثورة المضادّة لم تنتصر بمجرد تمكن بعض مكونات المنظومة التبعية الريعية من الحكم من قطب بقايا النظام القديم أو قطب الاسلام السياسي أو قطب الشعبوية المحافظة...  التاريخ لم يُحسم بعد؛ لأن التناقضات التي فجّرت الثورة ما تزال حاضرة، ولأن جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لم تُقتلع. واهم من يعتقد أن الثورة انتهت طالما أسباب اندلاعها تتفاقم كل يوم... و التي لا يمكن أن يبتلعها الصندوق أو الشعارات الخاوية من المضامين أو الخطب الهلامية الفسفورية...!

الجماهير التي نزلت إلى الشوارع لم تكن في نزهة وهي لا تملك ترف النزول إلى الشارع، بكل حركتها الأزمة المعيشية و السياسية و أوضاعها، التي لم تعد تحتمل التعايش معها... ولن تهدأ هذه الجماهير إلا بتحقيق مطالبها في الشغل و الحرية و الكرامة الوطنية إن عاجلاً أو آجلا مهما طال الإنتظار و تعثر المشوار...!

ولهذا فإن السؤال ليس: من يدّعي أنه ابن الثورة؟

بل:

من يحمل مضمونها الاجتماعي؟

من يدافع عن استقلال قرارها؟

من ينحاز إلى الفئات التي صنعتها؟

ومن يعمل على تفكيك علاقات التبعية والريع والامتياز؟

فالثورة، في النهاية، ليست شهادة نسب تُوزَّع على المتنافسين...!

كلّ يدّعي وصلاً بالثورة... والثورة لا تُقرّ له بذلك.

لأن الثورة لا تشهد لمن يرفع اسمها، بل لمن يواصل تاريخها التحرّري...!!!

 و في راهن الحال و أمام تغول تيار الثورة المضادة و صراع الأجنحة لنفس المنظومة التبعية، ليكف اليسار الوطني التقدمي الناهض و اليسار الديموقراطي الثوري عن اختزال نفسه في المعجم الحقوقي على أهميته طبعا و الحرص على الانغراس في الفئات الشعبية و تكوين قاعدة قادرة على مبارزة الخصوم الطبقتين... و الكف كذلك عن لعب دور الكومبارس و أن يكون حطبا للثورة و الثورة المضادة ...! و أن يتجاوز حالة الانتظارية والتشتت و العفوية و الخمول الذهني و الخواء الاستراتيجي و يحرص على بلورة رؤية استراتيجية وطنية تقطع مع الخيارات التبعية صوب تشييد قطب ديموقراطي شعبي تحرري على نفس المسافة من قطب بقايا النظام القديم و قطب الاسلام السياسي و قطب الشعبوية المحافظة...

الثورة لا تشهد  لمن يتكلم باسمها و يرفع أعلامها، بل لمن يواصل تاريخها التحرري بصفتها معركة تحرر مستمرة و فعل عقلاني قصدي في التاريخ...!

                         عمران حاضري 

16/8/2026



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *