الرباط: تيار اليسار الجديد والمتجدد ينظم ندوة سياسية حول سؤال اليسار (الجزء الخامس) أحمد رباص
الرباط: تيار اليسار الجديد والمتجدد ينظم ندوة سياسية حول سؤال اليسار (الجزء الخامس) أحمد رباص
هناك شاب آخر ظهر من بين المشاركين في الندوة الفكرية السياسية التي سهر على تنظيمها تيار اليسار الجديد والمتجدد بالرباط يوم فاتح غشت الحالي. يتعلق الأمر بيونس بلعايدي الذي ألقى بهذه المناسبة مداخلة تحت عنوان في لبوس سؤال: "عماذا يبحث الشباب"، مضمنا إياها تحليلا للواقع الاجتماعي والسياسي الراهن.
في هذه المداخلة المؤثرة والعميقة، أماط يونس اللثام عن الواقع المرير الذي تعيشه الأجيال الصاعدة في المغرب، وخاصة "الجيل زد"، في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية المتسارعة.
لامس المتحدث مأساة الهجرة السرية من خلال تجربة شخصية مؤلمة تمثلت في هجرة شقيقه نحو سبتة، حيث استعرض فقدان الأمل لدى الشباب في الأحياء الشعبية، وتحول الهجرة إلى خيار وحيد للهروب من واقع منغلق.
كما تطرق لأزمة الثقة في العمل السياسي، موجها نقدا لاذعا إلى المشهد الانتخابي والسياسي، واصفا إياه بـ"المسرحية" التي لم تعد تقنع الشباب أو تقدم حلولاً حقيقية لمشاكلهم الجوهرية كالتعليم والشغل.
وفي غياب الأولويات الحيوية، تساءل المتحدث باسم جيل زد: كيف تقزمت طموحات الشباب لتنحصر في لقمة العيش والحد الأدنى من الكرامة، مما جعل النقاشات النخبوية حول حرية التعبير تبدو ثانوية أمام صرخة الجوع والاحتياج؟
وعن تحديات العمل التنظيمي، أثار تساؤلات جوهرية حول قدرة التيارات التقدمية واليسارية على استيعاب طاقات الشباب واهتماماتهم الرقمية الحديثة مثل عالم الديسكورد وقوة الحركات الجماهيرية كالألتراس لتحويلها إلى قوة تغيير منظمة.
في بداية مداخلته، نوه يونس بلعايدي بهذا اللقاء الذي اعتبره لقاء مهما لما يحمله ويكتسيه من دلالة في السياق الحالي، والذي جعلته ندوة اليسار الجديد والمتجدد أمرا ممكنا، مشيرا إلى أن الشباب المغربي فقد الأمل مع أنه لا يريد شيئاً آخر غير العمل والدراسة.
ودعا المتحدث إلى استحضار الأحداث الأخيرة في سبتة والتأمل جيدا فيه بغض النظر عن بعض الأمور. كما نبه إلى ضرورة التواصل مع الشباب بخطاب يناسبهم باعتبارهم ينتمون إلى جيل رقمي، ملفتا الانتباه إلى أن أسلوب النقاش الذي نستعمله الآن في هذه الندوة غير مجد في التواصل مع جيل زد؛ الشيء الذي يفرض نسج خطاب آخر بديل.
وأشار الشاب يونس إلى أن حركة جيل زد هي آخر حركة احتجاجية شهدها الوطن العزيز على قلوبنا، معتبرا أنها حركة يسارية بحكم أن مطالبها وشعاراتها هي في مجملها يسارية. ويبقى السؤال الجوهري هو: كيف نحول تلك القوة الشبابية وتلك الطاقة إلى تنظيم يعبر عن مطالبها؟
وهنا أتى المتدخل على ذكر الألتراس كحركة موازية لحركة جيل زد، واستحضر دينامية النقاش مع الشباب التي شارك فيها والتي عبر من خلالها عن اعتباره للانتخابات مسرحية سيئة الإنتاج والإخراج لا يمكن حتى مشاهدتها.
وعلى هامش النقاش السياسي المثار بين "زعماء" الأحزاب حول التحضير للانتخابات، نفى يونس بلعايدي عنهم كونهم "زعماء"، ولاحظ أن هذا النقاش منحصر على التكهن بمن سيكون رئيس الحكومة المقبلة، بينما المطلوب هو أن ينصب النقاش على المغرب الذي نريد وعلى نوعية التعليم التي من أجلها خرج الشباب في السنة الماضية وجرى اعتقالهم. كما لاحظ المتدخل أن كل الأماكن بالدار البيضاء فارغة أو شبه فارغة من الشباب إلا محطتي القطار الرباط-الميناء والدار البيضاء مسافرين والمحطة الطرقية أولاد زيان. وهذا المشهد يدل على أن شبابنا فقد الأمل، كما استنتج يونس.
باختصار شديد كانت مداخلة ممثل حركة زد صرخة من القلب تستدعي التأمل وإعادة النظر في كيفية التعامل مع قضايا الشباب المغربي اليوم.
من جهة أخرى، كانت الرفيقة حكيمة الشاوي، الكاتبة العامة لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، عازمة ومصممة على التواجد يوم السبت فاتح غشت بالرباط من أجل إلقاء مداخلة لها في الندوة تحت هذا العنوان: "سؤال اليسار بالمغرب: بين ضرورة التجديد وآفاق إعادة البناء"، لكن ظروفا قاهرة حالت دون حضورها، فلم يبق أمامها إلا إمكانية نشر مداخلتها على صفحات مدونة الرفيق نور الدين رياضي الذي أتوجه إليه، أصالة عن نفسي ونيابة عن سائر رفاقي في تيار اليسار الجديد والمتجدد، على المجهود الذي بذله في نشر حلقات هذه التغطية.
انطلقت الرفيقة حكيمة الشاوي من ضرورة استخدام المنهج العلمي الماركسي المطبق في المادية الجدلية والتاريخية لفهم أزمة اليسار. وأوضحت أن هذه الأزمة مرتبطة بثلاثة عوامل، وهي:
1. الهيمنة الرأسمالية العالمية وايديولوجيتها النيوليبرالية المتوحشة؛
2. الهجوم الامبريالي والصهيوني على الشعوب المقاومة، فلسطين مثالا؛
3. استهداف ممنهج لليسار عن طريق التضييق، المحاصرة، الاغتيال، التضليل، الاحتواء والتدجين. واليوم اشتد هذا الاستهداف في ظل الفوضى العالمية و صناعة الإرهاب الديني وشراء الأنظمة؛
هذا، وقد توقفت الرفيقة على الثابت والمتغير في تجربة اليسار، مؤكدة أن الثوابت الفكرية والأهداف لم تتغير منذ النشأة، وهي: القضاء على الاستعمار والاستغلال والفوارق الطبقية - بناء مجتمع الحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
.ويبقى الثابت الايديولوجي مرتبطا بإيديولوجية التغيير لصالح الكادحين المستغلين، على اعتبار أن الصراع الايديولوجي هو في العمق صراع طبقي وسياسي. لا يوجد فكر محايد. وترى المتحدثة أن هذه الإيديولوجيا تتناقض جذريا مع ايديولوجية اليمين البرجوازي المستغل.
وفي ما يخص المسألة التنظيمية، قالت الشاوي إن التنظيم ليس تقنية، بل هو حلقة الوصل بين النظرية والممارسة. فبدون تنظيم علمي تسقط الممارسة في "التجريبية" و"التلوث بأمراض النظام". وفي هذا السياق، تدعو إلى إبداع أداة تنظيمية مغربية لا تنسخ نماذج جاهزة، وتكون مبنية على "الاشتراكية العلمية".
بخصوص إشكالية الممارسة، حددت المتحدثة أن الأخيرة هي محك النظرية. ويجب في نظرها أن يكون هناك انسجام جدلي مستمر بين القول والفعل في خوض الصراع الطبقي لتغيير الواقع وليس تبريره.
أما المهام المستعجلة المطروحة اليوم، فقد حصرتها في خمس مهام وهي كالتالي
1. الوضوح الايديولوجي: القطع مع ايديولوجية المستغلين والفاسدين والارتباط بأيديولوجية الكادحين؛
2. التحرر من التبعية في جانبها الاقتصادي والسياسي، التخلص من الديون الخارجية، التصدي للأطماع الأجنبية، وإنهاء التطبيع مع الكيان الصهيوني + الذود عن الوحدة الوطنية ووحدة المغرب العربي؛
3. الالتحام بالجماهير: احتضان الحركات الاحتجاجية للعمال والفلاحين والشباب والمتضررين من السياسات اللاشعبية؛
4. ترتيب البيت الداخلي: تدبير الاختلاف، التخلي عن المصالح الضيقة، والتحلي بأخلاق اليسار؛
5. توحيد اليسار: بناء جبهة عريضة للنضال الديمقراطي ببرنامج مهام مستعجلة؛
من حيث الخلاصة والرسالة، قالت الرفيقة الشاوي إن حزب الطليعة يعتبر نفسه امتدادا لحركة التحرير الشعبية والحركة الاتحادية الأصيلة. ولذلك فهو يتحمل مسؤولية تاريخية؛ ألا وهي النضال مع القوى الديمقراطية ومع الجماهير المقهورة.
ورغم الهجوم، "اليسار قادم بإصرار" مع توسع نضالات الشعوب. والفرصة تاريخية: أمام مكونات اليسار خيار "إما أن يكون أو لا يكون" و"حتما سوف يكون".
بكلمات أقل، شخصت الشاوي أزمة اليسار كنتيجة للهجوم الرأسمالي والامبريالي إلى جانب أخطاء ذاتية، ودعت إلى التجديد عبر التمسك بالثوابت الماركسية "تحرير، ديمقراطية، اشتراكية" وبناء تنظيم وجبهة شعبية جديدة مرتبطة بالجماهير وقطيعة مع التبعية والتطبيع.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق