جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء السادس) *أحمد رباص

 أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء السادس) *أحمد رباص


على الرغم من تحيز عبد القادر البنا واقتصار دراسته على حالة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلا أنها تُقدم بعض السبل لدعم التحليل الذي أنجزه الحرشيش. تُفسر أطروحة البنا المسار الذي سلكه هذا الحزب، وتطوره الذي يُعتبر غير مألوف بالنسبة لجماعة أعلنت نفسها ثورية في البداية. تُساعد الدراسة في إظهار أثر استراتيجيات النظام لتقليص نفوذ الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بوصفه الحزب المعارض الرئيس. نستنتج من ذلك أن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية اقتيد إلى أداء الدور الذي توقعه النظام من أحزاب المعارضة السياسية؛ ألا وهو المساهمة في توازن النظام القائم. نستنتج بالتالي أن أحزاب المعارضة السياسية المغربية تذبذبت بين الولاء والمعارضة للنظام، حتى في أوج قوتها. 

يُفسر هذا الموقف التناقض، وقبل كل شيء، المعضلات التي واجهتها هذه الأحزاب في سياق استبدادي مرتبط بالنظام المغربي. علاوة على ذلك، فإن أي دينامية حزبية يُمكن أن يُفسرها نظام استبدادي، وقد تُشكل تهديدًا أو تحديًا لتوازن النظام، تخضع لإعادة ضبط أو إجراءات قسرية. تُجبر هذه الإجراءات أحزاب المعارضة على الخضوع لقواعد اللعبة والأدوار التي تتوقعها هذه الأنظمة من الأحزاب السياسية.

من جهته، يُخصص محمد الهادي جزءًا من أطروحته للعقبات المختلفة التي تُعيق المشاريع الاشتراكية في المغرب. ويذكر ثلاثة منها رئيسية: مركزية وهيمنة النظام الملكي، وعدم نضج الطبقة العاملة المغربية سياسيًا، وصعوبة تعبئة الفلاحين على أساس طبقي.

في ما يتعلق بالسلطة السياسية في المغرب، تُبين الدراسة أن النظام الملكي يحتكر جميع المؤسسات السياسية في البلاد، إذ يمتلك رئيس الدولة المغربي جميع الصلاحيات ويمارسها. أما بالنسبة للوعي السياسي للطبقة العاملة، فإن السياق المغربي، بحسب الباحث، لا يسمح بثورة اشتراكية، نظرًا لعدم نضج هذه الطبقة سياسيًا. فامتياز العمل والرغبة في الحفاظ على المزايا المكتسبة يجعلانها أكثر محافظة وأقل ثورية. أما العقبة الثالثة، وهي صعوبة تعبئة الفلاحين على أساس طبقي، فتبدو غائبة إلى حد كبير لدى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، مما يُحد من تحركاتهما. يعجز كلا الطرفين عن تعبئة البادية لصالحهما بسبب سيطرة القصر على الفلاحين. وقد نجح الأخير في تنفيذ إصلاحات وتحالفات مكّنته من إنشاء نخبة متميزة تدين له بكل شيء، ويمكنه الاعتماد عليها. وبالتالي، تشكل كل هذه العوامل "عقبة أمام تطور عقلاني للبنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية نحو منظور اشتراكي".

تركز هذه الدراسة حصراً على حالتي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية. فضلا عن ذلك، يعيد المؤلف التأكيد على بعض الحجج التي طرحها ريمي ليفو في أطروحته لتفسير فشل المنظور الاشتراكي لهذين الحزبين. تجدر الإشارة أيضاً إلى أن الاشتراكية العلمية لم تعد المبدأ التوجيهي لهذين الحزبين، إذ تم التخلي عنها سريعاً لصالح اشتراكية تراعي الخصوصيات العربية والإسلامية ومن ضمنها المغربية. وبالنظر إلى الماضي، نلاحظ الآن أن الدراسة التي أشادت بالجانب الثوري لاشتراكية الحزبين موضوع الدراسة قد عفا عليها الزمن في ظل وضعهما الراهن. فبالإضافة إلى خضوعهما لسيطرة الحكومة، لم يعودا يتبنيان الاشتراكية، بل يركزان بدلاً منها على الدفاع عن سياسات النظام الليبرالية.

وفقا لكلود بالازولي، يُعزى سقوط الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في المقام الأول إلى القصر، الذي صعّب الأمور عليه. فخلال فترة ولاية حكومة عبد الله إبراهيم التقدمية القصيرة عام 1958، أُجبر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية على تبني سياسات وإجراءات اعتُبرت قمعية. وهكذا، خلال هذه الحكومة، بقيادة فريق ينتمي إلى نفس الحزب، شُنّ قمع دموي ضد الانتفاضة والثورة الشعبية في منطقة الريف شمال البلاد عام 1958، وفي منطقة الأطلس المتوسط. كما شهدت ولاية حكومة عبد الله إبراهيم حملة تصفية واسعة النطاق ضد جيش التحرير الوطني في جنوب البلاد. واستهدف القمع أيضًا مناضلي اليسار، مسفرا عن اعتقال شخصيات بارزة في قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. خلال هذه الفترة، جرى حُظر الحزب الشيوعي المغربي وحلّه. 

علاوة على ذلك، سمحت الحرب مع الجزائر للقصر باستغلال الصراع، واستخدام "تكتيك الخلط" لتشويه سمعة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وهكذا أتاحت له الحرب الفرصة لشن هجوم قوي على الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وزعيمه المهدي بن بركة، الذي اختُطف واغتيل عام 1965.

مع ذلك، يرى المؤلف أن فشل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لا يُعزى فقط إلى "غضب السلطات"، بل يتحمل الحزب أيضاً مسؤولية فشله نتيجةً لأخطاء عديدة ارتكبها. فإلى جانب عجزه عن وضع "استراتيجية واضحة"، يرى المؤلف أن الحزب كان بإمكانه إدارة مشاكله بشكل أفضل لو تحلى بمزيد من التماسك والانضباط داخل صفوفه.

ومع ذلك، يبقى أن الصراع مع هذه المركزية التقابية هو ما ألحق الضرر الأكبر بحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. ويُعزى ذلك إلى إصرار قادة الاتحاد المغربي للشغل على التمسك بمبادئ لا يُمكن أن يؤدي تطبيقها إلا إلى خلق صراعات مع الحزب. وهذه المبادئ هي: استقلالية النقابة، والنزعة النقابية السياسية، والحذر المبرر بضرورة حماية الجهاز النقابي.

ورغم أن هذه الدراسة التي يعود تاريخها إلى ستينيات القرن الماضي، اقتصرت على حالتي حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والاتحاد المغربي للشغل، فقد تميزت بتسليط الضوء على أن فشل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في سياق تلك الفترة لا يُعزى فقط إلى الحكومة المغربية، بل أيضًا إلى أسباب خاصة بالحزب والنقابة كليهما. ويُبين المؤلف، على وجه الخصوص، الصعوبة التي صادفها الحزب في تحديد استراتيجية واضحة. كما يُشدد على الخلافات مع ذات المركزية النقابية، التي رفضت تشكيل جبهة موحدة مع الحزب ضد الحكومة.

من جانبه، يُبين محمد بن هلال أن "إفلاس أيديولوجيات البرجوازية الصغيرة أكثر وضوحًا في المغرب منه في بقية العالم العربي". ويعزو المؤلف هذا الفشل إلى "سلوك الاستسلام والتسوية المستمر من جانب النخب". ووفقًا لهذا الباحث، نجح حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في السيطرة على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، لكنه لم يتمكن، مع ذلك، من كسب دعم النقابة العمالية القوية، الاتحاد المغربي للشغل. عملت قوى سياسية أخرى، مثل الحزب الشيوعي المغربي والنشطاء الماركسيين اللينينيين من أقصى اليسار، من جانبهم، على تعزيز استقلالية الاتحاد وألإلحاح عليها، وهو ما يتناقض مع أفكار مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المرتبطين بالأفكار الثورية لبن بركة.

بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الاضطرابات والانتفاضات التي شهدها المغرب عجز هذه التيارات عن تأطير الجماهير وتعبئتها. وقد أتاح هذا للنظام فرصة لترويض المركزية النقابية من خلال توسيع امتيازاتها، وأيضًا من خلال إضعاف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في مواجهة الجماهير التي كان من المفترض أن يمثلها.

وهكذا، في مواجهة "الانقسام الجامح للنخبة السياسية"، كان هناك أيضًا انقسام مماثل للنخبة النقابية، مما أضفي مصداقية على نظريات النظام الملكي حول عدم فعالية التمثيل السياسي، أو حتى عدم جدواه.

إن الدراسة التي أنجزها محمد بن هلال هي الأخرى محدودة النطاق، إذ اقتصرت على فترتي الستينيات والسبعينيات. مع ذلك، تميزت بتسليط الضوء على أن الاضطرابات والانتفاضات التي شهدها المغرب أظهرت عجز هذه الحركات عن تأطير الجماهير وتعبئتها.

من جهة أخرى، تتناول أطروحة ريمي ليفو إعادة تأهيل أعيان البادية من قبل القصر. وقد عقد القصر تحالفاً مع النخب المحلية، وهو ما خدم مصالحه إلى حد كبير، وضمن سيطرة السلطة الجديدة على السكان وإخضاعهم لها. ونتيجة لذلك، نجح في إحباط أي محاولة من جانب القوى السياسية التقدمية لترسيخ وجودها في المناطق القروية. وهكذا، لعبت النخب المحلية دورًا محوريًا في استقرار النظام، "من خلال احتواء صعود الطبقة الوسطى الحضرية وضمان بقاء نظام سياسي يقتصر على النخب، حيث تأرجحت المعارضة بين الاستقطاب والسجن".

سيرا على هذا النهج، قام أعيان البادية، "بتواطؤ من النظام الملكي"، بتفريغ النظام السياسي من نقاشاته الأيديولوجية الرئيسية، وتحويل دور الأحزاب والمنظمات. 

في ظل هذا الوضع، واجهت المعارضة اليسارية وزعيمها الرئيسي، المهدي بن بركة، الذي دعا إلى نظام القوائم الانتخابية، معارضة من الحكومة، التي قررت اعتماد نظام الأغلبية البسيطة لانتخاب أعضاء المجالس الجماعية. وكان بن بركة يعتقد أن نظام القوائم هو النظام الوحيد القادر على إحداث وعي حقيقي وتعبئة جماهيرية.

كما يتناول ريمي ليفو أسباب التخلي عن مشاريع التصنيع الكبرى التي خططت لها المخطط الخماسي الأول. رفض القصر المحاولات التي بدأها المهدي بن بركة عام 1958، والتي هدفت إلى استعادة أراضي "الإقطاعيين والخونة" وإعادة توزيعها بسرعة. ويعود ذلك إلى خشية النظام من اختلال التوازن الذي قد يضر به في حال قبول هذه الخطوة التصنيعية، لما قد تُسببه من تهديد للوضع الراهن. وقد مكّنت هذه الإجراءات النظام من الحفاظ على هيمنته، وبالتالي تحييد الحركة القومية التقدمية.

وعلى الرغم من أهمية هذه الدراسة في فهم استراتيجيات القصر لمواجهة القوى التقدمية الناشئة من الحركة الوطنية، إلا أنه لا بد من تسليط الضوء على بعض الانتقادات. 

في مقام أول، شهد المغرب نموًا سكانيًا ملحوظًا، ترافق مع تغير في نسبة سكان المدن إلى سكان العالم القروي. فمع استمرار نمو الأخيرين، أصبحوا أيضًا مصدرًا للهجرة إلى المدن. ونتيجة لذلك، تقلصت الفجوة بين المناطق الحضرية والمناطق القروية على مدار السنوات.

ادى ذلك إلى ظهور فئة جديدة من النخب، هذه المرة حضرية، استفادت من "مغربة" القطاعين التجاري والصناعي عقب انقلابي 1971 و1972. تمتعت هذه النخبة بامتيازات معينة، واستقطبها النظام بدورها.

ومن الانتقادات الأخرى الموجهة لهذه الدراسة تأكيدها على أن الجيش يبدو البديل الوحيد الممكن للنظام الملكي. فبحسب المؤلف، يُمكن تحقيق هذا الحل من خلال تحالف بين الجيش والنخب القروية. وبعد انفصالها عن النخب الحضرية، مهدت هذه النخب الطريق أمام الجيش لاستعادة السيطرة على الوضع وفرض خياراته السياسية والاقتصادية، بالقوة إن لزم الأمر. ومع ذلك، من الواضح أن الجيش المغربي قد تعرض لاختبارات قاسية منذ محاولتي الإطاحة بالنظام عامي 1971 و1972، حيث وُضع تحت ضغط للنأي بنفسه عن السياسة والتركيز بدلاً من ذلك على الأعمال التجارية.

كما أتاح نزاع الصحراء المغربية فرصة للنظام لسحب معظم قواته العسكرية والاقتصار على الصحراء الكبرى. على الرغم من بعض محاولات الانقلاب التي لا تزال غامضة، مثل محاولة الجنرال أحمد الدليمي، فقد لجأ القصر إلى وزارة الداخلية، التي مُنحت صلاحيات واسعة في شؤون المراقبة والرقابة، ما جعلها تلعب دورًا قياديًا في النظام السياسي المغربي.

من جانبه، يرى جميل هلال أن العديد من الدراسات حول اليسار العربي تُعزي ضعفه الحالي إلى انهيار الاتحاد السوفيتي، وذلك لأسباب عديدة. فبحسب الكاتب، كان الاتحاد السوفيتي حليفًا استراتيجيًا لليسار في "العالم الثالث" ضد القوى الإمبريالية. ويوضح أن انهياره أدى إلى تحول في موازين القوى الدولية، من عالم ثنائي القطب إلى عالم أحادي القطب.

ومع ذلك، من الضروري الإشارة إلى أن هذا الانهيار وحده لا يُفسر تراجع اليسار في المغرب العربي كما في العالم العربي. ففي الحالة المغربية، يُغفل هذا التحليل حقيقة أن الفاعلين السياسيين المنتمين إلى اليسار ما زالوا يعتمدون على مُثل وبرامج اليسار حتى بعد انهيار الكتلة الاشتراكية. تدعم بعض العناصر التي جُمعت خلال المقابلات التي أُجريت مع المستجوبين هذه الحجة. 

بالإضافة إلى ذلك، وكما ذكرت فاليريا ريستا، فإن هذه التفسيرات لا تأخذ في الحسبان حقيقة أن عددًا كبيرًا من الناس في العالم العربي يُصنّفون أنفسهم على يسار الطيف السياسي، وأن توجهاتهم الشخصية تدعم البرامج اليسارية.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *