الرفيق محمد الساروت متحدثا عن علاقته بالشهيد المنتصر البريبري" المصطفى"
بيت احتضن الحلم
هذا هو البيت الذي كبرت فيه. كل ركن من أركانه يحمل ذكرى، وكل زاوية فيه تختزن أنفاس الذين شاركوني، واقتسموا مع أهله الخبز والملح؛ من أيام الثانوي، مرورًا بالجامعة وسنوات العطالة، إلى أن غادرته بعد الزواج.
غادرت جدرانه وسقفه، لكنني لم أغادر ذكرياته، ولا تلك النقاشات الطويلة التي احتضنها، والتي كانت تمتد أحيانًا إلى آخر الليل، حول السياسة والوطن والناس، وحول ما كان يمكن أن يكون وما كنا نحلم أن يكون.
كان الأب(الرحمة الواسعة والسلام الأبدي على روحه الطاهرة ) والأم أروع من الروعة. لم ينزعجا يومًا، ولم يمتعضا من أن ابنَهما البكر حوّل المسكن إلى فضاء تنتظم فيه اللقاءات، وتتعاقب فيه الوجوه، وتمتد فيه الجلسات إلى ساعات متأخرة من الليل.
لم يغضب الأب يومًا لأن أفواهًا كثيرة كانت تلتهم جزءًا من قوته وقوت أبنائه. ولم تشكُ الأم يومًا من أنها، وهي تعجن حصة الخبز اليومية، أصبحت مطالبة بأن تزيد حصة الدقيق حتى يكفي الخبز «ضيوفًا» صار حضورهم إلى البيت شبه مؤكد، للغداء أو للعشاء، رفقة ابنهما البكر وأصدقائه، أولئك المهمومين بالسياسة وبحال الوطن.
كانا يفتحان لنا البيت، وربما لم يدركا يومها أنهما كانا يفتحان لنا أكثر من بيت: كانا يفتحان لنا مكانًا للرفقة، وللنقاش، وللحلم، وللوقوف معًا في زمن لم يكن فيه الكثير مما نملكه سوى بعضنا البعض.
لهذا، كلما عدت بذاكرتي إلى ذلك البيت، لا أرى الجدران وحدها، ولا أتذكر الموائد والخبز والملح فقط؛ أرى أناسًا مروا من هناك وتركوا جزءًا منهم، وأرى أبًا وأمًا كان عطاؤهما أكبر من الكلام، وأعمق من أن تختزله سنوات العمر.
غادرت البيت بعد الزواج، لكن البيت لم يغادرني. بقي في داخلي، كما بقيت فيه أصوات الذين جلسوا ذات مساء حول مائدة، أو في ركن من أركانه، يتجادلون حول السياسة والوطن، ويعتقدون، رغم كل شيء، أن الغد يمكن أن يكون أفضل.
لروحك أبي الرحمة الواسعة والسلام الأبدي ودامت لك امي الصحة والعافية.
هذا البيت (بحي درب الشباب) دخلته أول مرة رفقة (المصطفى)، الشهيد منتصر البريبري. كان الشهر شهر رمضان، والفصل فصل الصيف. كان البيت بيت لحسن الأيوبي وزوجته عائشة وصغيرهما غسان الذين كانوا في سفر لقضاء العطلة.
توطدت صداقتي بالشهيد، وتعددت لقاءاتنا. كانت أيام الأحد تبدأ بمشاهدة فيلم الأحد الذي كانت تعرضه جمعية الإشعاع الثقافي، وتنتهي غالبًا بتحديد موعد للقاء يوم الأربعاء، حيث يكون نصف يومه الثاني (بالنسبة لي) خاليًا من حصص الدراسة.
كانت مكتبة المحمدية مكان اللقاء. نلتقي هناك، ثم ننطلق في جولة بين أحياء المدينة. لم تكن تلك الجولات مجرد نزهات عابرة؛ كانت فرصة للكلام، وللنقاش، ولتقاسم الأسئلة التي كانت تشغلنا. كنا نمشي ونتحدث طويلًا، ننتقل من تفاصيل الحياة اليومية إلى قضايا أكبر، من المدرسة والجامعة إلى السياسة والمجتمع، ومن واقعنا الذي لم نكن راضين عنه إلى ذلك المستقبل الذي كنا نحلم به.
كان منتصر في تلك اللقاءات أكثر من صديق. كان رفيقًا يملك قدرة على الإصغاء والحوار، وعلى تحويل أبسط التفاصيل إلى سؤال يستحق التفكير. ومع توالي اللقاءات، أخذت صداقتنا تتعمق،من وأصبح ذلك البيت الذي دخلته أول مرة في غياب أهله، رفقة المصطفى، واحدًا من الأمكنة التي ستحتفظ بصفحة كاملة من ذاكرتي.
لم أكن أعرف يومها أنني، وأنا أعبر عتبته للمرة الأولى، أدخل مكانًا سأعيد الكرة وأدخله مرات (بعد استشهاد المنتصر) وسيصبح بعد سنوات مرتبطًا في ذاكرتي بمرحلة كاملة من حياتي؛ مرحلة كان فيها الحلم كبيرا، وكان الرفاق يتقاسمون الطريق والأسئلة والأمل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق