جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

انحسارالفعل الثقافي لدى اليسار.الرفيق محمد السفريوي

 لن نجانب الصواب بالقول إن أحد أسباب انحسار اليسار  اليوم لا يكمن فقط في ضعف حضوره السياسي والتنظيمي، بل أيضا في تخليه التدريجي عن واحدة من أهم ساحات اشتغاله التاريخية: الفعل الثقافي.

في زمن سابق، لم يكن اليسار ينتظر الشاب حتى يقتنع ببرنامج حزبي كي يقترب من السياسة. كان يلتقي به في نادي سينمائي، أو فوق خشبة مسرح الهواة، أو داخل المسرح الجامعي، أو في أمسية شعرية، أو ندوة فكرية. كانت الثقافة، بهذا المعنى، مدخلا إلى السياسة، ومجالا لتكوين الحس النقدي، واكتشاف المواهب، وبناء الصلات الإنسانية التي يمكن أن تتحول لاحقا إلى انخراط سياسي وتنظيمي.

لم تكن تلك النوادي والفرق مجرد فضاءات للترفيه. كانت، رغم حدودها وتناقضاتها، مدارس غير مباشرة للمواطنة والنقاش والاختلاف. ومن خلالها استطاع اليسار أن يضمن، ولو جزئيا، استمرار تدفق أجيال جديدة إلى الفعل السياسي.

لكن شيئا تغير. انتشر داخل بعض الأوساط اليسارية تصور ساذج و اختزالي يعتبر أن " الفعل السياسي المباشر " داخل التنظيمات هو جوهر العمل، وأن الاشتغال الثقافي ترف برجوازي يليق ب" السواعد المكسورة" و " اصحاب المقاهي و الحانات"  ، حسب تعبيرات بعض أشباه القيادات المصابة بفراغ معرفي و أخلاقي مزمن و التي لم تعد تحس باي حرج أو خجل حين تصف نفسها بصوت الأميين و الذين لم يتابعون دراستهم  ، بل وصل الأمر أحيانا إلى أن يتهم الرفاق بعضهم بعضا بالهروب من السياسة حين يشتغلون في الثقافة. و بدل تطوير العلاقة بين السياسي والثقافي، ثم وضعهما في تعارض مصطنع. حارمين اليسار من نقاط قوته فاسحين المجال لتيارات الهوس الديني توظيف البنيات الثقافية التقليدية  داخل مجتمعنا .

المفارقة أن هذا التصور لم يختصر الثقافة، بل اختصر السياسة نفسها. فالسياسة أصبحت  فقط بيانات واجتماعات وانتخابات وعضوية تنظيمية. بينما هي في الأصل  معركة على إنتاج المعنى، وعلى تشكيل الذوق والوعي والخيال الاجتماعي.

 إن من يترك هذه الساحة للثقافة التجارية ولمنطق السوق ولخطابات المحافظة، عليه ألا يشتكي  حين يجد نفسه يخاطب مجتمعا لم يعد يمتلك أدوات الوصول إلى وجدانه.

لقد كان اليسار أكثر قوة حين كان حاضرا في السينما والمسرح والكتاب. أما حين انسحب من هذه الفضاءات، فقد خسر   قدرته على إنتاج السياسة قبل أن يخسر مواقعها.

إن استعادة الفعل الثقافي ليست ترفا جماليا. إنها جزء من إعادة بناء اليسار نفسه ،أن يستعيد قدرته على إنتاج المعرفة، وصناعة الأسئلة، ومخاطبة الشباب بلغتهم، وأن يفهم أن معركة الوعي لا تبدأ يوم ينضم الشاب إلى التنظيم، بل تبدأ قبل ذلك بكثير.

فاليسار الذي لا ينتج ثقافته، يترك للآخرين مهمة إنتاج وعي الأجيال الجديدة. وعندها لا ينبغي أن يستغرب أن ينحسر حضوره السياسي.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *