تاثير مقال الرفيق محمد الوافي على حضور اليسار المتعدد في مؤتمر النهج الديمقراطي العمالي السادس
تاثير مقال الرفيق محمد الوافي على حضور اليسار المتعدد في مؤتمر النهج الديمقراطي العمالي السادس
كما تعبّر عن تقدير النقاشات السابقة مع النهج الديمقراطي حول بناء حزب مستقل للطبقة العاملة، مع تسجيل اختلاف في بعض الرؤى، خصوصًا بشأن إعلان حزب الطبقة العاملة والكادحين.
وتدعو الرسالة إلى إطلاق سيرورة وحدوية بين مختلف مكونات اليسار الراديكالي عبر نقاشات سياسية وفكرية وميدانية واسعة، بهدف توحيد الفعل النضالي وبناء جبهة سياسية على أساس الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، ومواجهة اختزال اليسار في التوجه الاجتماعي-الديمقراطي.
غير ان النهج الديمقراطي العمالي وهو مقبل على عقد المؤتمر السادس نشر الرفيق محمد الوافي مقالا له بعنوان"قضايا نظرية وسياسية حارقة،سؤال النظرية والممارسة أمام الانهيار المزدوج"اثارت ردود فعل غاضبة ومن ذلك ماجاء في احد المقالات بعنوان "انهم يدعوننا للمستنقع ونحن نرفض دعوتهم البئيسة " يرفض تدخله في النقاش الداخلي لحزب النهج الديمقراطي عشية مؤتمره السادس. ويعتبر أن الوافي اختار التوقيت الخاطئ، وأن تدخله يستهدف التشكيك في نتائج المؤتمر الخامس والماركسية اللينينية التي يعتمدها الحزب.
كما ينتقد النص تأويلات الوافي لمواقف ماركس ولينين، ويرفض دعوته إلى تبني مسار سياسي وتنظيمي مختلف، مؤكدًا أن الرفاق في النهج الديمقراطي أحرار في اختيار طريقهم ولا يقبلون التدخل في شؤونهم الداخلية.
وفي مقال اخر ننشره ضمن الموضوع ينتقد قراءة محمد الوافي لتجارب الحركة الشيوعية، معتبرًا أنه يتجاوز النقد المشروع للتجربة التاريخية إلى التشكيك في الماركسية اللينينية نفسها. ويرد عليه بأن انهيار الاتحاد السوفيتي لا يعني انهيار النظرية الماركسية، وأن استشهاده بمقولات ماركس ومواقفه من اللينينية وستالين وروزا لوكسمبورغ يتم، بحسب الكاتب، بصورة انتقائية وخارج السياق التاريخي.
كما يرفض اختزال الستالينية في قرار المؤتمر العاشر للحزب البلشفي، ويؤكد ضرورة قراءة التجربة السوفيتية بكل تناقضاتها، بما فيها إنجازاتها وأخطائها.
اننا ونحن نضع بين يدي المتلقي هذه المعطيات نضع ايضا بين يديه مجموعة من الاسئلة الحارقة تحضر عند اي مؤتمر من مؤتمرات اليسار وما تخلفه من اصداء ومن مواقف...
صور لمشاركة الرفيق الوافي محمد عن اليسار المتعدد في الوقفة امام وزارة الداخلية
رسالة اليسار المتعدد الى النهج الديمقراطي2022
في إطار شفافية العلاقات البينية بين قوى اليسار المناضل، ننشر هذه الرسالة المؤرخة في 13 يونيو 2022، لأهمية اطلاع الرأي العام الديمقراطي عليها.
قضايا نظرية وسياسية حارقة،
سؤال النظرية والممارسة أمام الانهيار المزدوج
مرت 178 سنة على صدور البيان الشيوعي في 1848،
ومرت 107 سنوات على ثورة أكتوبر 1917،
ومرت 56 سنة على بروز حركة اليسار الجديد بالمغرب على الأقل منذ 1970،
ومرت 35 سنة على انهيار الاتحاد السوفيتي في1991،
إنها مسافات زمنية طويلة في مسار نضال الشعوب وتجارب الحركة الشيوعية والاشتراكية أمميا وعلى مستوي بلادنا، لقد قال التاريخ كلمته حول هذه التجارب ومآلاتها، وبالتالي وجب استخلاص الدروس انطلاقا مما أفرزته الممارسة سواء على المستوى النظري أو السياسي،
لكن واقع الأمر على مستوى اليسار في المغرب بمختلف تجاربه بشكل عام ما زال يعيد انتاج نفس التصورات والتمثلات الايديولوجية التي حكم عليها التاريخ بالافلاس، وكأن الواقع لم يتغير وبقي جامدا، وأغلب السجالات والتنابزات داخل تنظيماته وفيما بينها ما زالت محكومة بنفس البنية الفكرية والايديولوجية المهزومة، وبالتالي فمن الصعب بل ومن المستحيل أن يحصل تقدم ملحوظ وملموس ووازن في ممارسة اليسار إذا استمر هذا الوضع القائم،
لقد قال فريدريك أنجلز سنة 1890، هذه العبارة الشهيرة: "كل ما أعرفه هو أنني لست ماركسيا"، التي كان يقولها كارل ماركس عن نفسه، وكان يهدف بها الى انتقاد التفسيرات السطحية والجامدة التي ظهرت في أواخر حياته من طرف بعض القادة وبعد وفاته في صفوف بعض أقطاب الأممية الثانية، الذين قاموا بتبسيط نظريات ماركس الاقتصادية والاجتماعية بشكل مفرط وحولوها من منهج علمي مرن، إلى عقيدة جامدة، بحيث أن ماركس كان يكره التعامل مع أفكاره كنصوص مقدسة لا تقبل النقاش، وأراد التأكيد على أن الماركسية منهج للتحليل والنقد لبلورة نظرية الثورة وفق الأوضاع الملموسة، وليست وصفة جاهزة لكل زمان ومكان، وأمام هذا التعامل الذي يجهل العمق الفلسفي والاقتصادي لكتابات ماركس، فإن العبارة تعني بوضوح: " إذا كان ما يفعله هؤلاء هو الماركسية فأنا لست ماركسيا".
ما بين لينين واللينينية من تعارض
لا يمكن القفز على الموقع الذي يحتله لينين ليس فقط على مستوى مسار الثورة الروسية بل على مستوى الحركة الشيوعية العالمية بمساهماته الفكرية والسياسية والتنظيمية والبرنامجية والعملية حتى نجاح ثورة أكتوبر، وفي صفوف الأممية الثانية، ومساهمته في تبلور الجناح اليساري المناهض للحرب العالمية الأولى، والذي سيشكل فيما بعد الأممية الثالثة،
لقد كانت أطروحات لينين متناقضة بحكم طبيعة السياقات التي أفرزتها كأجوبة على أوضاع ملموسة، لكن الثغرات التي تخللتها ستشكل مرتكزات للانحرافات التي سيعرفها الاتحاد السوفيتي، وأدركها متأخرا بعد فوات الأوان قبيل وفاته، والمتمثلة في الآلية التنظيمية الصارمة، الناتجة عن القرار الاستثنائي للمؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الروسي في سنة 1921، الذي يحظر التيارات داخل الحزب وعلنية النقاشات، واللجوء إلى الطرد في حالة عدم الانضباط الصارم، كما تم حظر الأحزاب السياسية،
كان اقتراح لينين بمنع التعددية الحزبية وحظر التيارات والتكثلات السياسية داخل الحزب الشيوعي إجراءا مؤقتا في أصله، أملته الظروف العصيبة التي مرت بها الثورة البلشفية وقد رفض لينين بشكل حاسم أن يكون هذا الإجراء دائما وممتدا، ومع ذلك، تحول هذا القرار تاريخيا وبفعل الممارسة السياسية اللاحقة إلى ركيزة ثابتة ودائمة شكلت نواة نظام الحزب الواحد في الاتحاد السوفيتي. والجدير بالإشارة أن روزا لوكسمبورغ، قد ركزت في سجالها مع لينين منذ المؤتمر الثاني للحزب العمالي الاشتراكي الديمقراطي الروسي سنة 1903 على العلاقة بين الديمقراطية والثورة والمخاطر التي تحملها أطروحات لينين ، وكذلك في كراسها في 1918 حول "الثورة الروسية"، وصاغت في هذا السياق مبدأها التاريخي: "الحرية هي دائما وأبدا حرية أولئك الذين يفكرون بشكل مختلف".
بعد وفاة لينين وفي إطار الصراع على السلطة أصدر ستالين كتابيه: "أسس اللينينية" و"مسائل اللينينية"
وأصدر زينوفييف كتابه: "اللينينية" كما عمل تروتسكي على تقديم نفسه كامتداد شرعي وحارس أمين للارث اللينيني، وتشكلت تكثلات وتكثلات مضادة عاشت صراعات في دوائر مغلقة أقطابها ستالين، تروتسكي، زينوفييف، كامينيف، بوخارين ... في وقت كان الاتحاد السوفيتي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية تستوجب حلولا ملائمة، وقد حسم ستالين الصراع لمصلحته بتحويل الحزب إلى ماكينة تصفية مرعبة تلتهم خصومه السياسيين البلاشفة القدامى السالفي الذكر، بل امتدت عبر أجهزة المخابرات لتشمل عائلاتهم وتدمر اقتصاد الريف، وتفرغ الجيش الأحمر من كوادره المجربة، مما أدى إلى دفع تكاليف وخسائر باهظة في الحرب العالمية الثانية،
مما تقدم يتوضح بجلاء البون الشاسع والتعارض الواضح بين اسهامات لينين وسياقاتها المجالية والتاريخية، وسجالاته السياسية والفكرية والفلسفية مع رفاقه ورفيقاته وخصومه، وبالرغم من حدتها فلم يكن يجنح إلى التخوين، وبين الصياغات اللينينية والتي انفرد بها ستالين كعقيدة دغمائية بمثابة تفقير وتقزيم لفكر لينين، واستخدمت في الوقت نفسه كأداة تبريرية لخدمة السلطة.
وتحول الحزب من ساحة للنقاش الفكري الساخن والهادف إلي جهاز بيروقراطي متكلس وجامد، حيث أصبح الخوف والتصفيق الإجماعي هما السائدان مما مهد الطريق للديكتاتورية الشمولية.
نهاية وهم الماركسية-اللينينية
تم اعتماد الماركسية اللينينية رسمياً كأيديولوجية للأممية الثالثة (الكومنترن) في عام 1924، وذلك بعد وفاة فلاديمير لينين وصعود جوزيف ستالين إلى السلطة في الاتحاد السوفيتي.وقد مر هذا التحول الأيديولوجي بالمراحل التالية:المرحلة الأولى (1919 - 1924): كانت الأيديولوجية الرسمية للأممية الثالثة تُعرف بـ الشيوعية المرتكزة على أفكار كارل ماركس وتطبيقات لينين الثورية.
بعد ذلك قام ستالين بدمج المفهومين وصياغة مصطلح "الماركسية اللينينية" ليكون عقيدة رسمية موحدة للدولة السوفيتية والحركة الشيوعية العالمية. ففي سنة 1926، أصدر ستالين كتابه الشهير "حول مسائل اللينينية"، والذي كرّس الماركسية اللينينية كأيدلوجية فرضت هيمنتها على الأحزاب الشيوعية المنضوية تحت لواء الأممية الثالثة،
يمكن اعتبار انهيار الاتحاد السوفياتي وبالاستتباع المعسكر الشرقي في سنة 1991 سقوطا مدويا ليس فقط لهذه الانظمة بل ل"الماركسية-اللينينية" كما صاغها ستالين كنمودج للحكم والتطبيق العملي، لكنه لم يكن نهاية للماركسية كفلسفة فكرية ومنهج للتحليل الاقتصادي والاجتماعي لبلورة نظرية التغيير الثوري حسب الأوضاع الملموسة، لهذا فالانهيار هو سقوط النمودج وإيديولوجية الدولة ( المركزية الحديدية، حكم الحزب الواحد، اقتصاد التخطيط المركزي الالزامي، وقمع الحريات)، وبالتالي فإن الأحزاب والانظمة التي تطورت واستمرت هي التي كانت متحررة من أبوية ستالين.
لقد اضحى من اللازم إحدات قطيعة مع سرديات وتفسيرات الايديولوجية الماركسية اللينينية لوقائع وأحداث قال فيها التاريخ كلمته، ولم يعد من المنطقي البقاء سجناء سجالات مغلوطة من حيث المعطيات، وبالتالي فإن المحاكمات بالجملة في موسكو 1936-1938 التي اقامها ومسرحها ستالين بتهم الخيانة والعمالة شملت قادة جيل الثورة الأول وإعدامهم (زينوفييف، كمينيف بوخارين...) واغتيال تروتسكي، ونفي المواطنين وأعضاء الحزب بدعوى حماية "نقاء الثورة من أعداء الطبقة العاملة"
إن هؤلاء القادة لا يمكن نكران مساهماتهم في المسار الثوري، وهذا جانب لا يمكن طمسه إنصافا لتاريخهم النضالي بجوانبه الايجابية والسلبية.
اليسار الجديد على طريق التحول النوعي
أحدث اليسار الجديد انعطافة فكرية جذرية في خمسينات وستينات القرن العشرين ولقد تظافرت عدة عوامل في هذا الاتجاه، من ناحية أولى الصراع الكبير بين الحزب الشيوعي الصيني وعلى رأسه ماوتسي تونغ (الذي تحرر من سلطوية ستالن منذ 1937) وبين الحزب الشيوعي السوفياتي وعلى رأسه نيكيتا خروتشوف نهاية الخمسينات، وتفاعلات هذا الصراع على مستوى الحركة الشيوعية العالمية وبعده إبان الثورة الثقافية الصينية، علما أن الحزب الشيوعي الصيني لم يسقط في مطب الأخطاء الذي سقطت فيها التجربة السوفياتية على مستوى الحياة الحزبية وعلى المستوي الاقتصادي والمسألة الفلاحية والعلاقة بين الجماهير والحزب، ومن ناحية أخرى بفعل الحركة الفكرية والسياسية والاحتجاجية في الستينات من القرن الماضي في الغرب عموما وتحديدا في أروبا والولايات المتحدة الامريكية، بانتفاضات الشباب ورفض الرأسمالية الغربية والسلطوية السوفياتية، وحرب الفيتنام التي كانت المحرك الأساسي للاحتجاجات الطلابية، والحقوق المدنية للأمريكيين السود، وحركات التحرر في العالم الثالث ضد الاستعمار والامبريالية...
كما لعبت كتابات انطونيو غرامشي وروزا لوكسمبورغ القاعدة الفلسفية والسياسية التي شحدت الوعي في سيرورة اليسار الجديد، وكتابات بول باران وسويزي وسمير أمين وغيرهم من الشيوعيين والمفكرين مما ساعد على التحرر من المنظومة الايديولوجية المتكلسة والارتوذكسية للنمودج السوفياتي واكتشاف عوالم جديدة وفاعلين جدد: حركات التحرر الوطني، الحركات النسوية، الاقليات الإثنية، الحركات البيئية، وظهور حركات مستقلة ذات أبعاد ثقافية وحقوقية وحركات اجتماعية، هذا التحول الايديولوجي الشامل أدى إلى صياغة مشهد سياسي جديد ما زلنا نعيش آثاره حتى اليوم. مع الأخد بعين الاعتبار قدرة الرأسمالية على تجديد نفسها واستيعاب أزماتها بالثورات التكنولوجية (مثل الرأسمالية الرقمية، الذكاء الاصطناعي، واقتصاد المنصات) والحروب وتأثيرات كل ذلك على مختلف مناحي الحياة، وما يفرض من تملك أدوات وطرق نضالية جديدة
ضمن هذا المناخ العام بالإضافة إلى هزيمة 1967 التي افرزت انبثاق اليسار الفلسطيني، برز اليسار الجديد في المغرب بداية السبعينات من القرن العشرين، وتجدر الاشارة أنه اتخد في بداياته تسمية الحركة الماركسية اللينينية كغيرها من الحركات والتنظبمات والاحزاب على الصعيد العالمي التي حملت نفس التسمية للتميز عن الأحزاب الشيوعية الخاضعة لتوجهات الاتحاد السوفياتي،
وبعد مرور 56 سنة على بروزها ببلادنا، فقد مرت تنظيماتها وامتداداتها الحالية بعدة أزمات، لكنها لم تقم بالوقفة الضرورية من أجل المراجعة النقدية وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لاستخلاص الدروس.
إن هذه الإحاطة السريعة بأبرز هذه المحطات ومختلف الأزمنة التي تمت الاشارة إليها، وانطلاقا من واقع حال اليسار المناضل ببلادنا بمختلف مستوياته التنظيمية والتيارات والأفراد، يطرح بجلاء نقطة أساسية على جدول الأعمال: المصالحة الشجاعة والثورة ضد الذات لتحقيق التحول النوعي المطلوب، سيما أن الصراعات والمناوشات التي تخترق تنظيماته لا تبعث على الاطمئنان، وتبدو للمتتبع العادي كطلاسيم تحتاج لشفرات لفك رموزها وفي كل الاحوال تبقى حبيسة الجزئيات، ولا ترقى لمستوى التعاطي مع الأسئلة الكبري التي تفرض علينا بإلحاح أجوبة عنها، ومن شأن الاستمرار في هذه المناوشات إعادة انتاج التشردم، وهذا ما لايمكن القبول به ومجاراته.
وهذا ما ينتظرنا ويملي علينا تحمل مسؤلياتنا في القادم من الأيام.
محمد الوافي
04 غشت 2026
ردود متشنجة على مقال الرفيق محمد الوافي من قبل النهج الديمقراطي العمالي-2-
قراءة نقدية في نص "قضايا نظرية وسياسية حارقة": حين يتحول نقد التجربة إلى تصفية النظرية الماركسية اللينينية والتبرأ منها
في الرد على الرفيق محمد الوافي عشية المؤتمر السادس لحزبنا النهج الديمقراطي العمالي
يقدم صاحب النص محمد الوافي نفسه باعتباره يدعو إلى مراجعة نقدية لتجارب الحركة الشيوعية، وهو مطلب مشروع، بل إنه جزء من المنهج الماركسي نفسه. غير أن النص، في بنيته العامة، لا يقف عند حدود النقد، بل ينتقل تدريجياً إلى بناء خلاصات قطعية، ويقيم سلسلة من العلاقات السببية المباشرة بين أحداث تاريخية معقدة، دون تقديم البرهان الكافي عليها.
أولى الثغرات المنهجية هي أن الكاتب يتعامل مع انهيار الاتحاد السوفيتي باعتباره الدليل النهائي على إفلاس الماركسية أو الماركسية اللينينية. لكن هذا الاستنتاج يتجاهل أن انهيار دولة لا يعني تلقائياً انهيار النظرية التي استندت إليها. فالرأسمالية نفسها عرفت أزمات كبرى، من الكساد العظيم إلى الأزمة المالية العالمية سنة 2008، ولم يقل أحد إن ذلك يثبت نهاية الاقتصاد الرأسمالي كنظرية. والتجربة التاريخية ليست هي النظرية، بل هي تطبيق لها في شروط محددة، قد يصيب وقد يخطئ.
أما استشهاده بعبارة ماركس الشهيرة: "أنا لست ماركسياً"، فهو استشهاد خارج سياقه. فماركس لم يكن يرفض الماركسية بوصفها منهجاً، وإنما كان يرفض تحويل أفكاره إلى عقائد جامدة وإلى تبرير للانتهازية داخل الحركة الاشتراكية الفرنسية. ولذلك فإن استعمال هذه العبارة لنفي التراث الماركسي نفسه يمثل قفزاً على سياقها التاريخي.
ويحاول الكاتب إقامة تعارض حاد بين لينين واللينينية، وكأن الأخيرة اختراع ستاليني محض. صحيح أن ستالين قام بتقنين مفهوم "الماركسية اللينينية" وتحويله إلى العقيدة الرسمية للدولة السوفيتية، لكن هذا لا يعني أن اللينينية لم تكن موجودة قبل ذلك. فالعديد من المبادئ التي تُنسب إلى اللينينية، مثل الحزب الطليعي، والمركزية الديمقراطية، وتحليل الإمبريالية، وحق الأمم في تقرير مصيرها، بلورها لينين نفسه في مؤلفاته قبل الثورة وبعدها.
كما يحمّل النص قرار المؤتمر العاشر للحزب البلشفي سنة 1921 مسؤولية كل ما وقع لاحقاً من انحرافات. وهذا تبسيط شديد لمسار تاريخي معقد. فقد اتخذ ذلك القرار في ظل حرب أهلية مدمرة، ومجاعة، وتدخل عسكري من أكثر من عشر دول أجنبية، وانهيار اقتصادي شامل. ويمكن نقد القرار، لكن عزله عن ظروفه التاريخية وتحويله إلى السبب الوحيد للستالينية هو قراءة اختزالية.
ويستحضر الكاتب روزا لوكسمبورغ باعتبارها نقيضاً للينين، بينما يتجاهل أنها كانت من أشد المدافعين عن ثورة أكتوبر ضد البرجوازية الأوروبية، وأنها كتبت بوضوح أن مستقبل الاشتراكية مرتبط بانتصار الثورة الروسية، رغم اختلافها مع بعض سياسات البلاشفة. لقد جمعت روزا بين النقد والدفاع، بينما ينتقي النص جانباً واحداً من مواقفها.
ومن الثغرات كذلك أن الكاتب يصور ستالين باعتباره مجرد ديكتاتور بنى سلطة على التصفية والقمع، دون الإشارة إلى التحول الصناعي الهائل الذي عرفه الاتحاد السوفيتي، والقضاء على الأمية، وبناء قاعدة علمية وصناعية، والانتصار على النازية بتضحيات تاريخية. إن أي تقييم علمي لتلك المرحلة ينبغي أن يجمع بين الإنجازات والأخطاء، لا أن يختزلها في أحد الجانبين.
أما حديثه عن "نهاية وهم الماركسية اللينينية"، فهو ليس نتيجة علمية، بل موقف سياسي وفلسفي. فهناك اليوم أحزاب ماركسية لينينية تقود دولاً أو تشارك في الحياة السياسية في عدد من البلدان، كما أن كثيراً من أدوات التحليل الماركسي للرأسمالية، مثل تحليل التراكم، والاحتكار، والإمبريالية، والتفاوت الطبقي، ما تزال حاضرة بقوة في الجامعات ومراكز البحث، حتى خارج الأحزاب الشيوعية.
واللافت أيضاً أن الكاتب يطالب بتجديد الفكر اليساري، لكنه لا يقدم بديلاً نظرياً واضحاً. فهو يهدم أكثر مما يبني، وينقد أكثر مما يقترح. فكيف يمكن إعادة بناء مشروع تحرري دون نظرية متماسكة؟ وما المرجعية البديلة؟ وما تصور الدولة، والطبقات، والصراع الاجتماعي، والإمبريالية؟ لا نجد في النص إجابات عن هذه الأسئلة.
إن الأزمة التي عاشتها الحركة الشيوعية ليست أزمة الماركسية وحدها، بل هي أيضاً أزمة شروط تاريخية، وأزمة موازين قوى عالمية، وأزمة قيادة، وأزمة حصار إمبريالي طويل. ومن الخطأ اختزالها في عامل واحد أو في شخص واحد أو في مفهوم واحد.
لقد أثبتت الرأسمالية المعاصرة، بأزماتها المتكررة، واتساع الفوارق الطبقية، والحروب، والنهب الإمبريالي، أن الأسئلة التي طرحها ماركس لم تصبح أقل راهنية، بل ربما ازدادت إلحاحاً. ولذلك فإن المطلوب ليس دفن الماركسية، ولا تقديسها، وإنما تطويرها بالاستناد إلى المنهج الجدلي، وربطها بالواقع الملموس، تماماً كما دعا ماركس ولينين نفسيهما.
إن التجديد الحقيقي لا يبدأ بإعلان وفاة الماركسية، بل يبدأ بإحياء روحها النقدية والثورية، واستيعاب دروس التجربة السوفيتية بكل تناقضاتها، دون تقديس ودون تصفية.








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق