أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثالث) *أحمد رباص
أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الثالث)
*أحمد رباص
يواصل الباحث عبد الله الحرشيش عرض أطروحته مشيرا إلى أنه في هذا السياق، يُسهم استخدام الأحزاب السياسية من قِبل القادة السلطويين وإجراء الانتخابات في توسيع قاعدة دعمهم وضمان بقاء أنظمتهم. ولذلك، لا يُتسامح مع الأحزاب السياسية فحسب، بل يُشجع وجودها أيضًا لتعزيز شرعية سلطتهم.
كما أن هؤلاء القادة، عندما يواجهون تحديات أو قيودًا كبيرة، يسعون إلى استمالة أحزاب المعارضة السياسية للتعاون معهم، وفي حال فشلهم، يُلقون باللوم عليها. من هذا المنظور، يُتيح وجود الأحزاب السياسية ميزة التواصل مع السكان، وقياس الرأي العام وردود فعل المواطنين، وإطلاع الأنظمة على التهديدات المحتملة، التي يُمكنها حينها السيطرة عليها أو قمعها. كما يُمكن أن يكون تواصل الأحزاب السياسية مع السكان مفيدًا للنظام كأداة للتعبئة الشعبية حول قضية معينة أو ردًا على تهديد مُتصور أو محتمل. خير مثال على ذلك هو الانخراط القوي للأحزاب السياسية اليسارية في المغرب بعد أن دعاها النظام المغربي، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، إلى الدفاع عن موقفه بشأن الهوية المغربية للصحراء المستعمرة الإسبانية السابقة.
ترى باربرا غيدس أن الأسباب التي تدفع الأنظمة الاستبدادية إلى الاستثمار في الأحزاب واللجوء إلى الانتخابات تُعزى إلى الامتيازات التي توفرها لقادتها. إذ يساعد هذا اللجوء على حل النزاعات التي تواجهها والتي قد تُزعزع استقرارها أو تُنهي سلطتها. ولذلك، تُعدّ هاتان الأداتان عنصرين أساسيين في استراتيجيتها للبقاء الشخصي واستمرار نظامها.
تخدم الانتخابات مصالح الأنظمة الحاكمة أيضاً، إذ تُزوّد السلطة بمعلومات حول حجم المعارضة داخل البلاد. وبطبيعة الحال، تُعدّ الانتخابات التي تُحسم ضد أحزاب المعارضة أكثر إقناعاً من الاستفتاءات الشعبية. ولعلّ هذا يُفسّر سماح العديد من الأنظمة الاستبدادية الراسخة لأحزاب المعارضة وأعضائها بالترشّح للمناصب. ويُنظر إلى السماح للمعارضة بالفوز ببعض المقاعد عموماً على أنه صمام أمان لها، كما أن وجود المعارضة يُضفي مصداقية أكبر على الاستحقاقات الانتخابية كدليل على رضا الشعب. وتتيح الانتخابات أيضاً لأفراد النخبة فرصة ممارسة العمل السياسي. تترتب على الحصول على تفويض سياسي فوائد معينة، إذ يسمح ذلك لمن هم في السلطة بتوزيع الغنائم بين أفراد النخبة، كما يُسهم في استمالة أحزاب المعارضة التي تعجز عن التأثير على الأنظمة التي من المفترض أن تعارضها، فتُجبر على "المشاركة في إدارة الأزمة الاجتماعية والسياسية، وبالتالي، استخلاص موارد قيّمة لترسيخ الاستبداد من خلال انضمامها".
في ضوء ما سبق، يمكننا تصنيف النظام السياسي المغربي ضمن فئة أنظمة "الاستبداد الانتخابي". يتميز النظام المغربي بوجود
نظام تعددية حزبيو، حقيقية بلا شك، ولكنها مُسيطر عليه، ولعبة سياسية تنافسية إلى حد ما تسمح لأحزاب المعارضة بالتنظيم والمشاركة في الانتخابات.
ومع ذلك، لا يزال هذا النظام متأثرًا إلى حد كبير بالمتلازمة السائدة في أنظمة "المنطقة الرمادية"، والتي يسميها توماس كاروثرز "متلازمة التعددية العاجزة". في الأنظمة التي تتخللها هذه المتلازمة، يُلاحظ على وجه الخصوص وجود شرخ بين المواطنين والنخب السياسية، وسخط شعبي على الحياة السياسية.
في هذا السياق، يُنظر إلى النخب السياسية المُمثلة داخل الأحزاب السياسية على نطاق واسع على أنها "فاسدة، وأنانيّة، وغير نزيهة، وغير راغبة في العمل من أجل بلادها".
من جهة أخرى، تتخلل النظام المغربي أيضاً "متلازمة هيمنة السلطة". ويرى توماس كاروثرز أن "الدول المتأثرة بهذه المتلازمة تتمتع بمساحة سياسية محدودة ولكنها حقيقية، تسمح إلى حد ما بالتحدي الذي تشكله جماعات المعارضة، وتمتلك مؤسسات ديمقراطية أساسية". ورغم ذلك، تكمن خصوصية هذه الأنظمة المتأثرة بهذه المتلازمة، وفقاً لتوماس كاروثرز، في بنيتها السياسية. فهذه البنية، المنظمة "حول حركة أو حزب أو عائلة أو زعيم واحد، تُقدم نفسها بطريقة تجعل من المستحيل تقريباً وجود أي احتمال لتداول السلطة في المستقبل المنظور".
بناءً على هذه الملاحظات وفي ضوء العناصر المعروضة، يمكننا التأكيد على أن "السيناريوهين يجتمعان في المجتمع السياسي المغربي، الذي يهيمن عليه القصر وإدارته". وبالتالي، يمكن وضع النظام المغربي ضمن هذه البنية التي طرحها توماس كاروثرز ولاري دايموند وأندرياس شيدلر، حيث تتعايش السمات الخاصة بنظام الاستبداد الانتخابي.
هذا النظام استبدادي وتنافسي في آنٍ واحد، لأنه يتبنى بعض القواعد الديمقراطية. ففي النظام السياسي المغربي، تُمسك الملكية بزمام السلطة، بالإضافة إلى سيطرتها المُحكمة على قطاعات اقتصادية ووزارات استراتيجية تُعتبر جزءًا من "مجالها الحصري". ورغم هيمنتها، فإنها تتسامح مع عملية انتخابية تنافسية بحكم الواقع. وتلجأ، وفقًا لاحتياجاتها، إلى تعديل قوانين الانتخابات، وتتدخل عبر أجهزتها الإدارية للتأثير بشكل غير مباشر على نتائجها.
والهدف من ذلك هو ضمان عدم حصول أي حزب على أغلبية المقاعد. ولا تتردد في اللجوء إلى الترهيب والإقصاء، وعند الضرورة، إلى قمع عناصر المعارضة التي تُعتبر مُتمردة، كما نجح إلى قمع الصحفيين المستقلين. وبينما تُظهر "واجهة ديمقراطية"، يستمر النظام في العمل بشكل أساسي كما كان في السابق. ويتسم الاتجاه العام بالتعايش بين الاستبداد والتعددية المُوجهة.
لهذه الأسباب جميعها، تبنى الباحث هذه المقاربة في دراسة الاستبداد الانتخابي لأنه يعتقد أن هذا الإطار ضروري للتحليل، وما زال لا غنى عنه لفهم أفضل لآلية عمل النظام الحزبي المغربي.
من الناحية المنهجية، يُحلل هذا البحث الأدبيات المتعلقة باليسار المغربي، ويتضمن بيانات نوعية جُمعت من خلال مقابلات مع مُنظّرين وقادة أحزاب اليسار في المغرب، بالإضافة إلى مراجعة ودراسة الوثائق الداخلية للأحزاب قيد الدرس. وقد طُوّر المكون النوعي لهذا البحث باستخدام المقابلات وتحليل المحتوى. أُجريت مقابلات مع قادة الأحزاب السياسية اليسارية المغربية لإثراء النقاش وإجراء تحليل شامل للموضوع. استهدف الباحث القادة والمُنظّرين الذين يُعدّون شهودًا رئيسيين يتمتعون بولوج مميز إلى المعلومات وصنع القرار. واعتمدنا في البحث على أسلوب المقابلة غير التوجيهية، وذلك لما يُتيحه من فهم أوضح للنقاش من خلال مقارنة وتحليل جميع التفسيرات والتوضيحات التي قدمها مختلف المُستَجوبين. كما يتيح هذا الأسلوب "إثراء المادة التحليلية ومحتوى البحث".
ومن أهم مزايا المقابلة غير التوجيهية أنها تُجرى دون دليل استبيان مُعدّ مسبقًا. ولذلك، يتمتع المُستَجوب بحرية كبيرة في توجيه الحوار. ومع ذلك، لا يختفي المُحاور تمامًا، بل يُرسي الإطار الأولي للحوار، ويمكنه التفاعل عند الحاجة لتنشيط النقاش أو حتى إعادة توجيهه. كما يُتيح هذا النوع من المقابلات إمكانية استكشاف جوانب تجربة المُستَجوب المختلفة بعمق أكبر.
وينظر جان بوبار إلى المُستَجوب في سياق المقابلة غير التوجيهية على أنه: "مصدر إخباري رئيسي، قادر على تقديم معلومات ليس فقط عن ممارساته وأساليب تفكيره، بل أيضًا، باعتباره ممثلًا لمجموعته أو جزء منها، (...) وعن دوائره الاجتماعية المختلفة". في هذا السياق، يُنظر إلى هذا المصدر على أنه "شاهد مميز، ومراقب، بطريقة ما، لمجتمعه، والذي يمكن لمراقب آخر، وهو الباحث، أن يحاول من خلال كلمته أن يرى ويبحث عن الحقيقة".
في إطار هذا البحث، أجريت مقابلات فردية مع ستة من قادة الأحزاب اليسارية الملمين بتاريخ منظماتهم والقضايا والتحديات التي تواجهها. تمثلت استراتيجية الباحث كمحاور في منح المستجوبين حرية كبيرة للتحدث بصراحة عن المواضيع المطروحة.
اعتبر عبد الله الحرشيش بعضًا منهم، ولا سيما محمد الساسي ومصطفى بوعزيز وعبد الله الحريف، "مصادر معلومات أساسية". تعكس تجاربهم الشخصية تجارب أحزابهم ومجتمعاتهم وأجيالهم. فهم شهود ومراقبون مميزون للسياقات المحيطة بظهور القوى اليسارية وتحولها، من المواقف الثورية إلى الإصلاحية والتسوية، وصولًا إلى إعادة هيكلة بعض هذه القوى مؤخرًا.
هذا، وقد أكد صاحب الأطروحة على أن المحاورين أظهروا التزامًا قويًا بمختلف القضايا المتعلقة بموضوع هذا البحث. ومن الجوانب اللافتة الأخرى انفتاحهم ونقدهم لخلفياتهم. وقد أتاح له هذا الانفتاح استكشافًا أعمق للآراء المختلفة المطروحة وإثراء النقاش حول الموضوع.
أُجريت المقابلات في المغرب خلال إقامة في نوفمبر وديسمبر 2017. كما أُجريت مجموعة ثانية من المقابلات من كندا خلال أبريل وماي ويونيو 2018. استغرقت كل مقابلة حوالي 60 دقيقة، وخضع بعض المشاركين لمقابلات ثلاث مرات.
وبما أن المشاركين في المقابلات شخصيات عامة، فقد تم الحصول على معلومات الاتصال بهم من خلال البحث عبر الإنترنت والتواصل المباشر. أُرسلت دعوات المقابلة عبر البريد الإلكتروني والهاتف. بدأت المقابلات بملخص موجز لهدف البحث، تلاه ثلاثة أسئلة مفتوحة كما هو موضح في الملحق الأول.
بالإضافةً إلى هذه المقابلات، تم تجميع ملخص لأهم المراجع من الأرشيفات والمقالات والدراسات والوثائق الحزبية الداخلية. تم اختيار الوثائق التي اعتُبرت ذات قيمة كبيرة في فهم المواقف والنقاشات المختلفة داخل هذه الأحزاب. كما جرى الاطلاع على دراسات نظرية أُجريت حول بعض أحزاب اليسار وظاهرة التحزب المغربي، وحول النظام الملكي، والانتخابات، بالإضافة إلى منشورات تتناول الحياة السياسية المغربية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق