جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

المحاميان توفيق وعدلي يدعوان إلى مقاطعة الانتخابات البرلمانية احتجاجا على الردة التشريعية الكاتب : أنفاس بريس

المحاميان توفيق وعدلي يدعوان إلى مقاطعة الانتخابات البرلمانية احتجاجا على الردة التشريعية

 

دعا المحاميان فطومة توفيق وخالد عدلي، من هيئة مكناس-الرشيدية، إلى تبنّي مقاطعة شاملة للانتخابات البرلمانية المقبلة من طرف المحاميات والمحامين وعائلاتهم ومحيطهم، احتجاجًا على ما يصفه الموقعان بـ" السلطوية التشريعية" وتراجع ضمانات استقلال المهنة وحق الدفاع.

 

ديباجة في فلسفة الموقف و تأصيل اللحظة

تعلمنا الأدبيات السياسية والأكاديمية المعاصرة في دراسة التحولات الديمقراطية أن النزعات السلطوية لم تعد تمارس بالضرورة عبر الاستيلاء المباشر على السلطة أو تعطيل المؤسسات، بل عبر ما يعرف في الفكر الحقوقي والسياسي بالسلطوية التشريعية. وهو نمط يفرغ الديمقراطية الإجرائية من جوهرها، ليستعمل المؤسسات و الآليات الانتخابية كغطاء لتمرير قوانين تحكم القبضة على المجتمع وتنهك وسائطه المدنية.
لقد أبانت التجربة التشريعية الأخيرة في المغرب، من خلال حزمة مشاريع و قوانين المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية و قانون الإضراب والقانون المنظم لمهنة المحاماة، أن السلطة التنفيذية انتقلت إلى استراتيجية الهندسة التشريعية القسرية. وبموجب هذا النهج، أصبحت القوانين تصاغ لتقييد الحريات الفردية والجماعية، وتقليص الرقابة القضائية، وتفريغ حق الدفاع من أركانه الجوهرية.
ومن هنا، يدرك المحامون اليوم أن الاستهداف الحالي لمنظومة العدالة ولأعراف مهنة المحاماة  وتقاليدها عبر التوجهات الجديدة لقانون المهنة ليس مجرد خلاف تقني حول مواد قانونية أو اجتهادات فقهية، بل هو قرار وسياسة موجهة تبتغي استكمال ضبط المجتمع المدني وتفكيك تنظيماته المقاومة. وبعد أن نجحت هذه النزعة في إضعاف العديد من الوسائط والتنظيمات، بقيت جمعية هيئات المحامين بالمغرب وتنظيماتها المهنية، بفضل استقلاليتها و تماسكها التنظيمي، القلعة الأخيرة الصامدة.
وعليه فإننا كمحاميات ومحامين واعين باللحظة المفصلية التي تمر بها رسالة الدفاع في بلادنا، نعتبر أن من الواجب علينا أن نوجه رسالة إلى التاريخ حتى لو كتب لها أن نبقى مجرد صرخة في واد لكن على الأقل لن يكتب التاريخ اننا لم نطرق جدران الخزان ولم نصرخ بملئ رئتنا قبل ان نختنق.

نص النداء التاريخي: من دفاع عن المهنة إلى مواجهة سياسية شاملة

أيتها الزميلات العزيزات، أيها الزملاء الأفاضل،

نكاتبكم اليوم واللحظة الفارقة تصنع تاريخ المهنة و تحدد مصيرها؛ لا بصفة الدفاع عن مكتسب فئوي، بل تأكيدا على الخيار الحقوقي والسيادي للمحاماة بالمغرب كحصن أخير للعدالة وسيادة القانون.
لقد جربنا أدوات التدافع القانوني والمهني والاحتجاجي التقليدية، وخضنا معارك الترافع بالنصوص والمبادئ، غير أن النزعة الحكومية الحالية واصلت نهج الإجهاز التشريعي، محاولة تحويل المحاماة من رسالة حقوقية مستقلة إلى مجرد خدمة تجارية هجينة تفرغ من مضمونها النضالي والإنساني وتخضع للضبط الإداري.
إن المعركة لم تعد تدور بين رؤى مختلفة لمواد القانون، بل بين إرادة الضبط والاستتباع وإرادة الاستقلالية والحرية. وحينما تستغل الشكليات الديمقراطية لتوفير الغطاء لتشريعات مشوبة بالانتهاكات الحقوقية، يصبح نقل المعركة من الملعب القانوني الضيق إلى مستواها السياسي الواسع واجبا مهنيا ووطنيا.

نداء إلى مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب

بناء على هذا التحليل لواقع ميزان القوى، نتوجه بهذا النداء المباشر إلى مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، وإلى كافة المحاميات والمحامين وعائلاتهم ومحيطهم عبر ربوع المملكة، لتبني موقف سياسي حاسم و شفاف:

* المطالبة بتبني الدعوة الشاملة إلى مقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة، ترشحا وتصويتا وتأطيرا، بالنسبة لكافة المحاميات والمحامين وعائلاتهم و محيطهم.

* تفعيل جميع قنوات الترافع الوطني والدولي لإشعار من يحب بأننا لن نقبل أبدا بلعب دور "الكمبارس" في أية مسرحية صورية، وأننا نرفض تأثيث مشهد بئيس بمحاماة مفصلة على مقاس التغول الحكومي الذي لا هم له سوى تحطيم كل الوسائط التنظيمية المجتمعية المقاومة لإرادة التسلط لفئة أوليغارشية هدفها الوحيد هو مركزة الثروة وتحويل كل القيم الإنسانية لسلع في سوق البشرية.

إن هذا الطلب المرفوع إلى مكتب الجمعية، و المصحوب بمذكرة تقديمية تؤطره وتطالب بإدراجه رسميا ضمن جدول أعمال اجتماع المكتب، يرتكز على خلفيات بالغة الأهمية:

* أولا: إن التدافع المحصور في المستويات التقنية والترافع النصي لم يعد كافيا لردع توجه حكومي يحتمي بأغلبية عددية داخل البرلمان لتمرير نصوص تمس بجوهر العدالة و ضمانات الدفاع.

* ثانيا: إن انسجامنا مع ذواتنا يتطلب ترجمة مواقف جمعية هيئات المحامين بالمغرب، التي يحظى تأييدها بإجماع المحاميات والمحامين، والتي عبرت بوضوح عن فقدان الثقة المطلق في الحكومة والبرلمان، عقب الانقلاب الصريح على كافة الاتفاقات المبرمة خلال المفاوضات الرسمية مع وزارة العدل و رئيس الحكومة شخصيا. كما أن النتائج المستخلصة من طريقة تعامل البرلمان بغرفتيه قد كشفت عن تعامل انتخابوي فج مع نص تشريعي يؤطر إحدى أهم دعائم التنظيم الديمقراطي للمجتمع وأعظم ضمانة لحقوق وحريات المواطنات والمواطنين. هذا المسلك كشف عن إفلاس مؤسساتي حول السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى مؤسسات صورية لا تحمي الحقوق ولا تصون الحريات و تخون ثقة الشعب. ومن ثمة فإن الواجب الأخلاقي يفرض علينا ألا تبقى بيانات جمعيتنا مجرد شعارات للاستهلاك الفوري، بل أن تتحول إلى مواقف مبدئية رافضة لأي مساومة على رسالة الدفاع، وللسكوت عن لعبة انتخابية صورية تجمل الوجه القبيح للديكتاتورية المقنعة التي تمارسها الحكومة بحق كل فئات المجتمع و شرائحه.

* ثالثا: يتعزز هذا الإفلاس المؤسساتي و العبث الإجرائي بصدور القرار الأخير للمحكمة الدستورية، والذي قضى بـ "تعذر البت" لعدم إرفاق طلب الإحالة بالنص النهائي لقانون المحاماة كما صادق عليه مجلس المستشارين. إن هذا الخلل الإجرائي الجسيم كشف بالدليل القاطع أن إحالة رئيس مجلس النواب لم تكن تبتغي الاحتكام الفعلي لسمو الدستور أو ممارسة رقابة دستورية جادة، بقدر ما كانت مجرد مناورة إجرائية لكسب الوقت،  والالتفاف على غضب الجسم المهني. إن هذا المعطى يزيد من تعرية سريالية عمل بعض المؤسسات التي تمثل الدولة، ويؤكد أنها باتت تشتغل بمنطق لا علاقة له بتدبير وإدارة الدولة الديمقراطية الحديثة القائمة على النزاهة الإجرائية والاحترام المتبادل بين المؤسسات.

* رابعا: إن القوة الحقيقية لقرار المقاطعة لا تقاس بمنطق الحساب العددي أو الثقل الرقمي المادي في صناديق الاقتراع، وإنما تكمن في القوة الرمزية و الأخلاقية الوازنة لصدوره عن النخبة القانونية والحقوقية للمملكة. فالمحامون ليسوا مجرد كتلة ناخبة، بل هم ضمير المجتمع الحقوقي ودرعه القانوني، وعقله المترافع عن المشروعية والمدافع عن الحقوق والحريات. وحين تعلن هذه الفئة المرجعية مقاطعتها للمسار الانتخابي فإنها لا تسحب أصواتها فحسب، بل تنزع الغطاء المبدئي والشرعية الأخلاقية عن العملية البرلمانية برمتها، وترسل صيحة مدوية مفادها أن الاستحقاقات التي يقصى فيها الفكر القانوني وتصادر فيها رسالة الدفاع ليست سوى صورية بلا روح، وأن صوت الحق -وإن عبرت عنه نخبة طليعية- يزن أضعاف الثقل العددي الزائف المحتشد تحت ظلال التسلط التشريعي.

الموقف أمام التاريخ

أيتها الزميلات، أيها الزملاء،

لقد قررنا أن نتحمل مسؤوليتنا الأخلاقية في إطلاق هذا النداء، بغض النظر عن أية حسابات، إيمانا منا بأن المحاماة هي مدرسة الجهر بالرأي والتعببر عن القناعات ، وأن الصمت في مواجهة الظلم و الاستبداد لا يليق بفرسان العدالة.

إن اللجوء إلى خيار تبني موقف المقاطعة الانتخابية ليس استنكافا عن ممارسة الواجب الوطني، بل هو أقصى درجات الممارسة السياسية الواعية والمسؤولة؛ فحين تستغل المؤسسات الديمقراطية لإغلاق مجالات الحرية و تجريد حق الدفاع من أركانه، يصبح واجبنا كفرسان للحق والعدالة نزع الشرعية عن المشهد التشريعي الذي يراد منا المساهمة في صياغته بسكوتنا. إن معركتنا هي دفاع مباشر عن حق كل مواطن مغربي في محاكمة عادلة وفي وطن يتسع للجميع.

إن القلاع لا تسقط من الخارج، بل تهدم عندما يكتفي أصحابها بالدفاع الشكلي في معارك حسمت قواعدها مسبقا. ومن ثمة يصبح نقل المعركة إلى المستوى السياسي، المشروعة أدواته، هو الرد المتكافئ على محاولات الاغتيال التشريعي لمهنتنا و للحريات العامة.

فلنكن على مستوى اللحظة التاريخية، ولنجعل من وحدتنا وانضباطنا رسالة صريحة مفادها: لا شرعية لتشريع يصادر الحريات، ولا مشاركة في صناعة مشهد تذبح فيه الحريات وتغتال رسالة الدفاع ويهمش صوت العدالة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *