جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

أبراهام السرفاتي في مواجهة الحبيب التيتي: "الأنوية الثورية" والبديل التحرري لنضالات الجيل الجديد.

 أبراهام السرفاتي في مواجهة الحبيب التيتي: "الأنوية الثورية" والبديل التحرري لنضالات الجيل الجديد.

اثنتان وثلاثون سنة تفصل بين لحظتين: سنة 1994 حين كتب أبراهام السرفاتي "تأملات نظرية" من داخل جسد أنهكته عقود من السجن والمنفى، وسنة 2026 حين كتب الحبيب التيتي، رفيقه القديم في تنظيم واحد جمعهما يوما، مقالا غاضبا يتهمه فيه بالتحريفية والسقوط. بين هاتين اللحظتين، وقعت حادثة لا يمكن تجاوزها بصمت: توفي السرفاتي يوم 18 نونبر 2010 بمراكش. أي أن التيتي، حين يكتب اليوم، لا يخاطب خصما قادرا على الدفاع عن نفسه أو توضيح ما قصده أو تطوير ما لم يُكمله، بل يخاطب نصا يتيما، صامتا منذ ستة عشر عاما، ترك وحده عرضة لأن يقرأ ويُؤوَّل ويُهاجَم دون أن يملك صاحبه كلمة أخيرة. هذا لا يعني أن النص محصّن من النقد، فالموتى لا يُمنحون حصانة من الحجة، لكنه يفرض على من يقرأ اليوم مسؤولية إضافية: أن يتعامل مع النص بوصفه ما هو عليه فعلا، لا كسلاح في معركة راهنة يعاد تلبيسه أفكارا لم تكن بالضرورة فيه.
ولماذا يهم جيلا لم يعرف "سنوات الرصاص" ولم يذق طعم التعذيب الذي عرفه معتقلو "إلى الأمام"، ولم يعش صدمة انهيار الاتحاد السوفياتي التي دفعت السرفاتي نفسه لإعادة النظر في عقود من قناعاته، أن يعود إلى هذا الجدل بالذات؟ الجواب أن أشكال القمع تغيرت لكن منطقها الأساسي لم يتغير، وأن الأسئلة التي طرحها السرفاتي عن الحزب والتنظيم والتمثيل لم تعد نظرية مجردة بل باتت أسئلة عملية ملحة يفرضها واقع يعاش يوميا، بأشكال نضال لا تشبه كثيرا ما عرفته الأجيال السابقة: لا حزب طليعي يقود، ولا نقابة تراكم خبرتها عبر عقود، بل منصات رقمية لا مركزية، ودواوير معزولة تنظم مسيراتها بنفسها، وشباب يعبرون سياجا حدوديا بأجسادهم العارية. السرفاتي هنا لا يقرأ بوصفه ماضيا يتحسر عليه، بل بوصفه سؤالا لا يزال مفتوحا: عن أي شكل تنظيمي يمكن أن يليق بنضالات لا تشبه النضالات التي كتب من أجلها.
فمن يخاف اليوم من هذا الجيل الذي لم يتعلم بعد أن يصمت؟ في القليعة قرب أيت ملول -إنزكان، سقط عبد الحكيم الدرفيضي وعبد الصمد أبلة ومحمد الرحالي في ليلة واحدة، ليلة الفاتح إلى الثاني من أكتوبر 2025، برصاص الدرك الملكي، بعد أيام قليلة من انطلاق حراك جيل زد 212 في 27 شتنبر. المهدي اليوبي، المعروف بـ"بلاك ويند"، اعتقل في مطار الرباط سلا يوم 10 يوليوز 2026 وهو ينتظر طائرته إلى مرسيليا، بتهمة "إهانة مؤسسة دستورية"، بعد أيام فقط من توقيف الصحفي علي لمرابط في مطار طنجة. صهيب قبلي، "الحاصل"، يقضي اليوم عقوبة سجن نافذة مدتها ثمانية أشهر أيدت استئنافيا، بسبب أغنية ينتقد فيها التطبيع والأوضاع الإجتماعية والسياسية. حمزة "رائد- Raid" حوكم بالحبس موقوف التنفيذ لمجرد مشاركته في احتجاجات الشارع. المدونة سعيدة العلمي تقضي حكما بثلاث سنوات سجنا صدر في حقها للمرة الثانية بعد عفو ملكي سابق، ووثق فريق أممي أن اعتقالها "تعسفي". وفي دوار الرياح القبلية بضواحي القنيطرة، أصيب قاصر وشاب برصاص الدرك الملكي في 13 يوليوز 2026، وهما يدافعان مع الساكنة عن أكثر من مئتين وستين هكتارا من أراضيهم الجماعية أمام مستثمر يريد انتزاعها. وفي دوار أولاد الرامي بقلعة السراغنة، واجه سكان بأكملهم، واضعين نساءهم وأطفالهم في الصفوف الأمامية، محاولة فتح طريق قسرا نحو مقلع أحجار يملكه أحد برلمانيي المنطقة، وانتهى الأمر بإصابة قائد سرية الدرك الملكي نفسه بجرح بليغ في الرأس. وفي عين البرجة بالدار البيضاء، حاول سكان "دوار العسكر" منع الجرافات بأجسادهم، متمسكين ببيوت أمضوا فيها عقودا، رفضا لإخلاء بلا تعويض ولا بديل يليق بكبار سنهم وأراملهم. وعلى معبر بني أنصار قرب مليلية، وعلى سياج سبتة، عبر أكثر من تسعة وأربعين ألف شاب مغربي الحدود في يوم واحد، أواخر يوليوز 2026، في رقم فاق حتى أكبر موجة هجرة جماعية عرفها التاريخ الحديث قبله.
هل هؤلاء جميعا يقفون في خندق واحد لأنهم "عمال" بالمعنى الذي تعرفه الكتب القديمة، أم أن ما يجمعهم أعمق وأشد التباسا من أي تصنيف طبقي جاهز: أنهم جميعا، كل بطريقته، وقفوا في وجه سلطة تريد أن تقرر عنهم أجسادهم وأرضهم وأصواتهم وحدود الممكن في حياتهم؟
هذا السؤال ليس مناسباتيا، وهو بالضبط ما يجعل نصا كتب سنة 1994 يستحق أن يقرأ اليوم لا كوثيقة تاريخية بل كأداة تفكير حية. حين يكتب السرفاتي أن الحاجة ليست إلى "تنظيم ثوري" بل إلى "أنوية ثورية"، فهو لا يمارس لعبة بالكلمات، بل يعترف بشيء خطير: أن التصور الكلاسيكي للحزب القائد يتعارض بنيويا مع "حيوية اجتماعية" لا تختزل في مركز واحد يدير كل شيء من فوق. وحين يذهب أبعد ليتساءل عن طبيعة الحقيقة التي يفترض أن تقود النضال - أهي حقيقة الطبقات المضطهدة فحسب، أم حقيقة النساء أيضا، وحقيقة الإثنيات المكبوتة، وحقيقة الشباب المتعطش للحياة - فإنه يصل إلى إجابة لا تحتمل اللبس: "كل هذا في آن واحد". ثلاث كلمات، لكنها تكفي لتقويض عقود من التفكير الذي أراد أن يجعل من فاعل واحد، البروليتاريا الصناعية، مرآة العالم كله وممثله الشرعي الوحيد.
فلننظر إلى القائمة التي افتتح بها هذا النص: أي بروليتاريا صناعية بالمعنى الذي عرفه ماركس ولينين يمكن أن تستوعب وحدها فلاح القنيطرة المهدد بأرضه، ودوار قلعة السراغنة المهدد بمائه وتربته، وابن الكريان المهدد ببيته، والفنان المهدد بحريته، وشابا من بين تسعة وأربعين ألفا اختار المخاطرة بحياته على سياج حدودي؟ إن إصرار السرفاتي على أن "ليس بمقدور أي تنظيم أن يقوم بتنسيق جميع هذه النضالات" لوحده يبدو اليوم أقرب إلى وصف دقيق لواقع معيش، لا افتراضا نظريا مجردا. الدولة نفسها، بقمعها المتزامن لكل هذه الجبهات، جبهات لا يربط بينها خيط تنظيمي مركزي واحد، تشهد - من موقع الخصم لا الحليف - على أن المعركة اليوم أوسع بكثير من أي تعريف طبقي أحادي يريد أن يحصرها في قالب واحد. بل إن حادثة قلعة السراغنة وحدها تكشف عن التباس أعمق مما يسمح به أي تصنيف طبقي بسيط: هنا لم تكن الدولة تدافع عن "مصلحة عامة" مجردة في مواجهة "أهالي متخلفين"، بل كانت أداة تنفيذية بحتة في خدمة مصلحة خاصة لشخص نافذ سياسيا يملك المقلع بنفسه؛ القمع هنا لم يكن حماية لرأسمال ضد عمال، بل حماية لسلطة سياسية-اقتصادية متماهية مع الدولة ضد ساكنة جماعة قروية لا تملك من التصنيف الطبقي الكلاسيكي إلا كونها "فلاحين"، فيما هي في جوهر الأمر مجتمع محلي يدافع عن مائه وأرضه وذاكرته المشتركة.
لكن هذا بالضبط ما لم يحتمله الحبيب التيتي، حين كتب مقاله الغاضب يتهم فيه من يستحضر "تأملات نظرية" بأنهم "نسخ كربونية" يرتدون "أقنعة" التجديد لتغطية تحريفيتهم. والمثير في هذا النص ليس موقفه بحد ذاته - فمن حق أي مناضل أن يختلف - بل الطريقة التي بني بها هذا الموقف. فبدل أن يناقش التيتي فكرة "الأنوية الثورية" بمنطقها الداخلي، بدل أن يسأل لماذا قد يكون التعدد التنظيمي أصلح من المركزية في سياق اجتماعي بعينه، يفضل أن يفسر تحول السرفاتي بلغة الانهيار الشخصي: "سقوطه الشخصي النهائي"، رجل "أصابه مكروه"، "فقد البوصلة نهائيا". هذه ليست مجادلة فكرية، هذا تشخيص سريري يراد منه أن يعفي كاتبه من عناء الرد على الحجة، لأنه حين يتحول الموقف النظري إلى عارض نفسي ناتج عن صدمة سقوط جدار برلين، لم يعد بحاجة لأن يناقش، بل يكفي أن يشفق عليه أو يدان. وهو تشخيص يوجه اليوم لرجل لم يعد قادرا، منذ ستة عشر عاما، على أن يرد بنفسه.
والأخطر من ذلك أن التيتي، حين يبحث عن سند لموقفه، لا يلجأ إلى برهان نظري يفكك أطروحة السرفاتي من جذورها، بل يحتمي بقرار مؤسسي: "سطرها المؤتمر الوطني الرابع كمهمة للإنجاز وبدون تأجيل". كأن صحة فكرة ما تستمد من كونها أُقرت في محضر اجتماع، لا من كونها صمدت أمام حجة مضادة. والمفارقة أن هذا المحضر بالذات صادر عن حزب لم يولد بعد حين كتب السرفاتي "تأملات نظرية"، حزب تأسس بعد سنوات من ذلك النص، وكان صاحبه في تلك الأثناء في منفى باريسي فرضته عليه الدولة نفسها سنة 1991، لم يغادره إلا سنة 1999. فبأي حق يستدعى مقرر متأخر ليحاسب رجلا لم يحضر تأسيس الحزب الذي أصدره، ولم يوقع يوما على أدبياته. هذا ليس نقدا لموقف بل محاكمة بأثر رجعي، تحمل فيها كلمات كتبت في سياقها الخاص التزاما لم يعقده صاحبها قط، والأغرب أنها لا تزال تستحضر اليوم لتلزم رجلا لا يملك أن يرد عليها، مضى عليه في قبره ستة عشر عاما.
وحين يستدعي التيتي عبارة لينين عن "التحريفية" بوصفها "حربا طبقية داخل الحركة الشيوعية"، وحين يصف الجدل النظري بأنه أشبه بمصارعة "تنين ضار"، فهو يخرج الخلاف من فضاء الحوار إلى فضاء الحرب، حيث لا يعود المختلف معه محاورا بل عدوا يجب إخضاعه أو إقصاؤه. أليس هذا بالضبط ما يعيد إنتاج نفس منطق الوصاية الذي انتقده السرفاتي جزئيا حين تحدث عن "الحزب الوصي"؟ فرق بين وصاية معلنة باسم الحزب على الجماهير، ووصاية أخرى باسم "الخط الصحيح" على من يفكر خارج حدوده، لكنه فرق في الدرجة لا في الجوهر.
وحين يتهم التيتي من يستلهمون السرفاتي بأنهم "ينزعون عن الطبقة العاملة طابعها الأساسي" و"يعومون تعريفها في اعتبارات تقنية أو خصوصيات هوياتية أو محلية"، فإنه يهاجم بالضبط اللحظة الأكثر صدقا في نص السرفاتي: تلك التي رفضت أن تختزل كل أشكال القهر في قالب طبقي واحد. لكن هل هذا فعلا "تذويب" للصراع الطبقي كما يزعم، أم هو اعتراف بأن الصراع الطبقي نفسه لا يعمل بمعزل عن أشكال أخرى من السيطرة، سيطرة على الأرض والجسد والصوت والحدود، تتقاطع معه ولا تختزل فيه؟ حين يطلق دركي رصاصة على فخذ قاصر في دوار قروي، أو حين يصاب قائد سرية بجرح في رأسه دفاعا عن مصلحة برلماني في مقلع حجارة، هل يفعل ذلك بصفته "رأسمالا" يستغل "عمالا" بالمعنى الصناعي الدقيق، أم بصفته سلطة أوسع تقرر من له الحق في الأرض ومن لا حق له فيها؟ إن إصرار التيتي على قالب واحد لا يفسر واقعا كهذا، بل يتجاهله.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول الدفاع عن السرفاتي إلى تبرئة كاملة تنسي أن نصه ترك سؤالا معلقا لم يجب عليه. حين اقترح "الأنوية الثورية" بديلا عن "الحزب اللينيني"، من الذي سيشكل هذه الأنوية في تصوره؟ يجيب بنفسه: "المناضلون الأكثر نشاطا وخبرة وتجربة". لكن أليس هذا بالذات فخا خفيا يعيد فتح الباب الذي أراد إغلاقه؟ فحين تمنح الشرعية لمن يملك "خبرة" متراكمة، أفلا يكون قد استبدلت الوصاية الحزبية الصريحة بوصاية أخرى أقل وضوحا، وصاية الخبرة والأقدمية، لا تقل قدرة على التصلب والتحول إلى طبقة عارفين تحتكر تفسير الصحيح والخاطئ؟ السرفاتي نفسه يصف العلاقة بين هذه الأنوية والجماهير بأنها "علاقة ديالكتيكية"، عبارة جميلة لكنها غامضة، تترك معلقا السؤال الأهم: كيف يضمن ألا تتجمد هذه الأنوية، ألا تتحول مع الوقت إلى مركز ثقل جديد يقرر نيابة عمن حوله؟
الجواب لا يكفي أن يكون نبيل النية، يجب أن يكون آلية ملموسة قابلة للتطبيق. فأن يحمل مناضل خبرة متراكمة من تجارب سابقة أمر لا ينبغي إنكاره تواضعا مصطنعا يفرغ كل تنظيم من جدواه، لكن المسألة هي كيف توضع هذه الخبرة في متناول من حولها دون أن تفرض نفسها كحقيقة نهائية لا تراجع. هذا يستدعي أن يبقى القرار قابلا لإعادة الصياغة الجماعية في كل محطة، لا حكرا على جهة تحتفظ به لنفسها؛ وأن يعرف كل من يشغل موقعا تنسيقيا اليوم أنه سيعود غدا مجرد صف بين الصفوف، لا كعقاب بل كضمانة بنيوية تمنع تراكم أي هالة معرفية يستحيل الطعن فيها؛ وأن يكون أي تفويض قابلا للسحب متى شاء من فوضه، دون الحاجة إلى محاكمات طويلة أو تبريرات معقدة، لأن الفارق الحقيقي بين وصاية تدعي المؤقتية وتتأبد فعليا، وبين تفويض مؤقت حقا، هو أن الثاني يحمل شرط انتهائه في صلبه لا في وعد معلق إلى أجل غير مسمى؛ وأن تكون كل مهمة محددة الحدود سلفا، لا تفويضا مفتوحا يقرر صاحبه بنفسه متى ينتهي دوره. من دون هذه الآليات، يبقى الحديث عن "أنوية" لا تستولي على الحركة مجرد نية حسنة معرضة، كأي نية حسنة سبقتها في تاريخ طويل من التنظيمات الطليعية، لأن تتحول مع أول أزمة إلى ما كانت تزعم أنها بديل عنه.
وهنا بالذات تكمن أعمق مفارقة يمكن أن يحملها أي مشروع تنظيمي يريد أن يبقى وفيا لهذا المنطق: أن غايته الحقيقية ليست أن يكبر ويتضخم ويثبت وجوده إلى الأبد، بل أن يعمل كل يوم على جعل حضوره أقل ضرورة، بقدر ما تكتسب الحركة التي يرافقها أدواتها الخاصة في الدفاع عن نفسها وتدبير شأنها وحفظ ذاكرتها الجماعية. فهو لا ينتصر يوم يتضخم عدد المنخرطين فيه كما تقيس الأحزاب الكلاسيكية نجاحها، بل ينتصر يوم يذوب في نسيج من رافقهم، لأن ذوبانه هو بالضبط علامة أن من رافقهم لم يعودوا بحاجة إلى رفيق خارجي يسندهم.
وإذا عادت هذه القراءة، بعد كل ما سبق، إلى المشهد الذي افتُتح به النص: شهداء القليعة الثلاثة، المدونة في زنزانتها، الرابور تحت الملاحقة، شاب بين تسعة وأربعين ألفا على سياج الحدود، فلاح القنيطرة أمام رصاص الدرك، دوار قلعة السراغنة أمام مقلع أحد البرلمانيين، ابن الكريان أمام بيته المهدد بالهدم، فإن السؤال الذي يفصل بين الوميض العابر والاستمرار الفعلي يظل هو نفسه: هل كان في متناول هؤلاء، حين خفتت حرارة الشارع وبدأت آلة الاعتقال عملها الصامت واحدا واحدا، شكل من التلاحم قادر أن يحمل ذاكرة الدفاع الجماعي والحماية القانونية التي افتقدوها في أحلك لحظاتهم؟ هذا هو السؤال الذي تركه السرفاتي مفتوحا قبل اثنين وثلاثين عاما، ورحل قبل أن يكمل الإجابة عنه، والذي يعاد طرحه اليوم بإلحاح أشد، ليس لأن التيتي أخطأ حين انتقد، بل لأن انتقاده استبدل السؤال الصعب بجواب جاهز مسبقا، جواب يعيد إنتاج نفس البنية التي أنتجت الانهيار الذي شهده هو نفسه. والجواب الحقيقي لن يكتب في مقال ولا يحسم في مؤتمر، بل سيختبر في المرة القادمة التي ينزل فيها جيل جديد إلى الشارع، جيل لم يعرف سنوات الرصاص ولا صدمة الانهيار السوفياتي، لكنه يرث أسئلتهما دون أن يرث أجوبتهما الجاهزة، ويقرر ألا يكرر خطأ من سبقه: الانتظار حتى تحين موجة أخرى ليعاد فيها طرح السؤال نفسه من الصفر.

منقول


أهم النقاط في المقال:

  1. السرفاتي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد ماضٍ
    • المقال يرى أن أسئلته حول الحزب والتنظيم والتمثيل ما زالت حاضرة.
    • خصوصًا أمام أشكال النضال الجديدة التي لا يقودها حزب مركزي أو نقابة تقليدية.
  2. التحول من «الحزب الثوري» إلى «الأنوية الثورية»
    • أهم فكرة لدى السرفاتي هي أن التنظيم الثوري المركزي ليس بالضرورة الشكل المناسب لكل النضالات.
    • يقترح بدلًا منه «أنوية ثورية» مرتبطة بحيوية المجتمع والنضالات المتعددة.
  3. رفض اختزال الصراع في الطبقة العاملة وحدها
    • المقال يبرز أن السرفاتي وسّع مفهوم القوى المضطهدة ليشمل:
      • العمال
      • النساء
      • الشباب
      • الفئات والمجموعات المقموعة
      • النضالات المحلية
    • أي أن الحقيقة السياسية ليست «حقيقة طبقة واحدة»، وإنما «كل هذا في آن واحد».
  4. النضالات الاجتماعية الجديدة متعددة وليست مركزية
    • المقال يستشهد بأمثلة من الاحتجاجات والقضايا الاجتماعية والأرض والسكن وحرية التعبير والهجرة.
    • ويطرح سؤالًا: هل يمكن تصنيف كل هذه النضالات داخل مفهوم تقليدي واحد للطبقة العاملة؟
  5. نقد الحبيب التيتي
    • المقال ينتقد التيتي لأنه، حسب صاحبه، لم يناقش فكرة «الأنوية الثورية» من الناحية النظرية، بل لجأ إلى وصف تحول السرفاتي بأنه «سقوط» شخصي وتحريفية.
    • ويرى أن هذا يحوّل النقاش من نقد الأفكار إلى الحكم على صاحبها.
  6. انتقاد الاحتكام إلى قرارات المؤتمرات
    • المقال يعترض على استخدام مقرر مؤتمر حزبي لاحق للحكم على أفكار السرفاتي التي كتبها قبل وجود ذلك الحزب.
    • ويعتبر أن صحة الفكرة لا تأتي من كون مؤتمر حزبي أقرها، بل من قدرتها على الصمود أمام النقاش والحجة.
  7. المشكلة في تحويل الاختلاف إلى «حرب»
    • المقال يرى أن استخدام مفاهيم مثل «التحريفية» و«الحرب الطبقية داخل الحركة الشيوعية» قد يحول الخلاف الفكري إلى صراع لإقصاء المختلف.
    • وهنا يربط الكاتب ذلك بمنطق «الحزب الوصي» الذي انتقده السرفاتي.
  8. المقال نفسه لا يبرئ السرفاتي بالكامل
    • وهذه نقطة مهمة جدًا.
    • فهو يسأل: إذا كانت «الأنوية الثورية» تتكون من «المناضلين الأكثر نشاطًا وخبرة وتجربة»، ألا يمكن أن تتحول هذه الخبرة نفسها إلى وصاية جديدة؟
    • أي أن خطر البيروقراطية قد ينتقل من الحزب المركزي إلى «أهل الخبرة».
  9. الحل المقترح: الديمقراطية والتفويض القابل للسحب
    المقال يقترح عدة ضمانات حتى لا تتحول الأنوية إلى مراكز وصاية:
    • القرار قابل لإعادة النظر جماعيًا.
    • المسؤول يعود إلى صفوف المناضلين.
    • التفويض قابل للسحب.
    • تحديد مدة ومهمة كل مسؤولية.
    • رفض التفويض المفتوح وغير المحدد.
  10. التنظيم الحقيقي لا ينبغي أن يصبح غاية في ذاته
    • الفكرة الأكثر عمقًا في نهاية المقال: نجاح التنظيم لا يقاس فقط بتضخم عضويته أو بقائه، بل بقدرته على جعل نفسه أقل ضرورة مع ازدياد قدرة الحركة الجماهيرية على تنظيم نفسها.

الخلاصة السياسية للمقال

يمكن اختصار أطروحته في جملة واحدة:

المقال يدافع عن إعادة قراءة السرفاتي، خصوصًا فكرة «الأنوية الثورية»، باعتبارها محاولة لتجاوز نموذج الحزب الطليعي الوصي، لكنه في الوقت نفسه يحذر من أن تتحول هذه الأنوية نفسها إلى وصاية جديدة إذا لم تخضع للديمقراطية والتفويض المحدود والقابل للسحب.

وبالتالي فالمقال لا يكتفي بالدفاع عن السرفاتي ضد التيتي، بل يطرح سؤالًا أوسع حول مستقبل التنظيم اليساري: كيف ننظم النضالات المتعددة دون أن نعيد إنتاج الحزب الوصي والبيروقراطية؟

هذا أحدث مقال.
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *