تقييم تجربة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي* الرفيق كاعودي أحمد.
أي تقييم لتجربة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي أتى متأخرًا، ولا يمكن فهمه إلا في إطار التشظي الذي يعرفه اليسار بصيغة الجمع في المغرب وغيره.
أثارت انتباهي التفاعلات الإيجابية والسلبية للإخوة والخصوم حول وجهة نظر الأخ الكبناني. ما كنتُ ممن ينشرون غسيل الحزب على وسائل التواصل الاجتماعي، وكنت ولا زلت، ومن خلال قناعتي، أن المحاسبة والنقد والنقد الذاتي تكون في الإطار التنظيمي. خرجتُ هذه المرة عن هذا المنحى مؤقتًا بسبب ورود تقديرات وتصفية حسابات مع منتسبي حزب الطليعة، لأحد أعضاء المجلس الوطني لفيدرالية اليسار، الذي جانب الصواب في رده على الرفيق الأستاذ الكبناني.
تدوينة الرفيق، كما أراها شخصيًا، جديرة بالاهتمام، مع الأسف جاءت متأخرة، بعد أن اختلفت المسارات بين رفاق الأمس ورفاق اليوم. فتموقع من تموقع في الحزب «الاشتراكي الكبير»، وبقي من بقي وفيًا لتاريخ ونضال ومرجعية خط النضال الديمقراطي في حزب الطليعة، وانسحب من انسحب، تاركًا الجمل وما حمل.
فإذا كان هناك من تقييم للتجربة، فلتكن لمنتسبي الحزبين؛ حزب الطليعة وحزب فيدرالية اليسار، كلٌّ على حدة، يقيّم حسب رؤيته وتصوره، وما حصل عليه وما لم يحصل عليه طيلة مدة الانفصال. أما التفاعل مع موقف هذا أو ذاك، فلا يفيد في شيء سوى الضغط على الجرح، لأن الوضع بين الحزبين شبيه بانقلاب ما حدث في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي: مجموعة الرباط في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بقيادة المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، مقابل مجموعة الدار البيضاء بقيادة الفقيد عبد الله إبراهيم، لذات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
وشبيهة، إلى حد ما، بما حدث، مع اختلاف السياقات، بالحدث المفصلي لـ8 أيار/مايو، حيث انقلب المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي على مرجعية الحزب، أعني مضمون وروح التقرير الإيديولوجي وعلى بيان المؤتمر الثالث الذي أسس للبرنامج المرحلي «الملكية البرلمانية». فتحولت استراتيجية الحزب من البناء الاشتراكي والنضال الديمقراطي إلى العمل الانتخابي المحض.
وذات الشيء سمعناه من رفاق الأمس، حسب تعبيرهم: ماذا استفدنا من تبنينا وتمثلنا للاشتراكية العلمية؟ وأي مردودية لمقاطعتنا الانتخابات؟ والقطيعة مع المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي في الثامن من مايو 1983 كانت خطأً استراتيجيًا. (تصريحات كانت شفهية ومتناثرة في المقاهي بين الرفاق).
وكل هذا وغيره كان بهذا الاستعجال في الاندماج، دون توفير الشروط الذاتية والموضوعية، كما اشترط ذلك المجلس الوطني للحزب الذي انعقد بفاس عام 2018.
تماثل تكرر في تحول، كما هو معلوم، لم يمر بسهولة، فكانت 8 ماي وما أدراك ما الحدث الذي أدى أثمانه مناضلو اللجنة الإدارية، حيث العشرات من الاعتقالات في سجن لعلو، لنا فيهم رموز في اللجنة الإدارية، وغيره من السجون التي أفضت إلى تأسيس حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي سنة 1993.
ما حدث في تجمع لتحالف مكونات اليسار ببوزنيقة، ليس له صلة في تقديرات تنظيمية بالمؤتمر، فهو شبيه بما حدث في الثامن من مايو 1983، ولكن حدث «بالدبلوماسية الناعمة» أو «التقوليب السياسي»: تمرير عملية حل الحزب بتقنين المداخلات في ثلاث دقائق لمناقشة مصير حزب بالتصويت، ناهيك عن الاستفزاز والتشويش على المعارضين الداعين إلى تأجيل الاندماج، من طرف بعض أعضاء الشبيبة، وعلى رأسهم أحد أعضاء الشبيبة الذي اختفى عن الأنظار لمدة أكثر من خمسة أعوام، أوتي به مؤتمراً لغرض الاستفزاز.
وقد كاد «المؤتمر» أن ينفجر لولا تدخل بعض أعضاء الكتابة الوطنية لثني المعتدي عن فعله الشنيع، بعد محاولة اعتداء هذا الأخير على عضو اللجنة المركزية للحزب بفاس. الهدف كان واضحًا لهذا العنصر المسخّر، الذي أوتي به لهذا الغرض من طرف عضو الكتابة الوطنية بالعاصمة الاقتصادية؛ وكان الهدف هو التعجيل بالإدماج، «ولو طارت معزة»، كما يقال بالعامية.
أقولها، وبغصة في الحلق: بدل النقاش الرفاقي الهادئ والمستفيض للأرضية والأوراق، معظم المداخلات كانت تقنية؛ اختزلت أولًا في الاندماج من عدمه، وثانيًا في المحاصصة في المكتب السياسي لفيدرالية اليسار.
وقد كان السبق لبعض أعضاء الشبيبة الطليعية، بدل مناقشة الأرضية والتقرير الأدبي العام، والذي في معظمه لم يكن إلا جردًا لمحطات وأشغال تحالف فيدرالية اليسار. الاستثناء الوحيد لمداخلات شبيبة الحزب كانت مداخلة كاتبها العام، الذي حاول ملامسة الموضوع، وإن كان عبر الأسئلة. غيره من الشباب لم يكن همه سوى الاندماج والحصة في كعكة المكتب السياسي.
ولهذا تمسكت الشبيبة بطرح تمثيلية وازنة: أربعة من مكتبهم الوطني. فكانت الصفعة من طرف «الحزب النقابي»: عضوان فقط في مكتب سياسي خمسيني ورئاسته، بعد أن ساد الاعتقاد سابقًا أن الكاتب الوطني لحزب الطليعة هو من يترأس المكتب السياسي الجديد.
للأسف، ما كان يُعاب ويُنتقد به الاتحاد الاشتراكي والبرلمان والنقابات كان حاضرًا في تلك الجلسة المشؤومة، إذ تم التصويت اعتمادًا على الأغلبية الحاضرة، في حين أن الكثير من المناضلين المؤسسين للحزب إما أنهم قاطعوا بوزنيقة لرفضهم «الاندماج»، أو تمت إقالتهم بطريقة غير سليمة ومنافية للقانون الداخلي؛ فمن انتخبهم المؤتمر لا يقيلهم ولا يعيد انتخابهم إلا المؤتمر.
وقبيل التصويت على عملية «الحل» برفع الأيدي، وهو تصويت لا يقع إلا في البرلمانات ذات الأغلبية أو في التجمعات النقابية والجمعوية، أما في تقرير مصير حزب أو قرار استراتيجي، فالديمقراطية تستوجب التصويت السري أو الاستفتاء، كان رد الفعل على ذاك العبث المسطري انسحاب بعض المناضلين احتجاجًا على طريقة التخلص من الحزب، ليأتي أحدهم ويدعي أن العملية تمت بشكل «ديمقراطي»! حيث الأغلبية كانت مع الاندماج.
طيب، أرض الله واسعة، كما ذكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي بعيد أحداث 8 مايو.
ترى، ما الحصيلة النضالية؟ أي ما عدد المسيرات والوقفات الاحتجاجية والمواقف الجريئة المشفوعة بالتحركات العملية في الشارع لمساندة الحراكات، والضغط الحزبي للإفراج عن (المدونين، معتقلي الريف، جيل Z...)، والمواقف العملية، غير البيانات الروتينية، التي اتخذتها الفيدرالية في مناهضة الإجهاز على حرية التعبير؟
وما المردودية السياسية بالعمل داخل المؤسسات المزيفة التي حققها الحزب الجديد؟ سوى الحصول على نائبة برلمانية وبعض المستشارين المعدودين على رؤوس الأصابع، والذين عانوا ما عانوه من الصعوبات في التعايش مع رؤساء وأغلبيتهم اليمينية، من معاناة وضغوط واستفزازات شهدها المستشارون في جميع المدن والقرى؟
ترى، كيف ستواجهون الشارع المغربي أثناء «استحقاقات» شتنبر، بعد الاستفتاء عن السياسة العمومية، بالهجرة الجماعية إلى المدينتين المحتلتين، سبتة ومليلية، ولا أحد من الأحزاب اليسارية دق جرس الإنذار وطالب بتحقيق نزيه؟
وكانت الفرصة مناسبة للجهر بالملكية البرلمانية جوابًا على الزحف الجماهيري الواسع نحو سبتة، وإنزالًا لشكل ومضمون الدولة كما كانت مسطرة في أرضية فيدرالية اليسار وتبنتها 20 فبراير في بداية حراكها؟
كاعودي أحمد.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق