جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

اليسار الجذري المغربي: العالم القديم يسكن تنظيماتنا أيضاً*صلاح الدين المعيزي

اليسار الجذري المغربي: العالم القديم يسكن تنظيماتنا أيضاً

قرأتُ، خلال الأيام الماضية، تفاعلاتٍ متعددة حول مقال نقدي للرفيق محمد الوافي بشأن مؤتمر النهج الديمقراطي العمالي، ولعل طبيعة بعض هذه التفاعلات، والأشخاص الذين صدرت عنهم، تكشف في حد ذاتها جانباً من الأزمة المزمنة التي يعيشها اليسار الجذري المغربي. 

لا يتعلق الأمر، طبعاً، بحالة واحدة أو تنظيم واحد. فلكل تجربة خصوصيتها وتفاصيلها وسياقها. لكن، رغم اختلاف الحالات، تبدو المحصلة متشابهة إلى حد بعيد: مشاكل تنظيمية، صراعات داخلية، قرارات فوقية، وبيروقراطيات تجد صعوبة في الإنصات إلى قواعدها. 

وفي ما يلي محاولة سريعة لرصد بعض مظاهر هذه الأزمة، من دون ادعاء الإحاطة بكل شيء، و«باش ما يقول حتى واحد: كلشي جبتو بالخير. »

 النهج الديمقراطي العمالي: مؤتمر في ظل الانسحابات

نظم النهج الديمقراطي العمالي، أحد أبرز التنظيمات المحسوبة على اليسار الجذري المغربي، مؤتمره الوطني بعد أسابيع من التضييق. وشكل المؤتمر محطة تنظيمية مهمة لهيئة سياسية تحتل مكانة رمزية ونضالية داخل الساحة المغربية، باعتبارها امتداداً لتجربة «إلى الأمام» واحتضانها عدداً من القيادات "التاريخية" لليسار الثوري المغربي.

لكن هذه المحطة تميزت أيضاً بانسحاب عدد من أطر الحزب، وبمقاطعة رسمية من أعضاء سابقين وحاليين. ولا أريد هنا الخوض في تفاصيل الخلافات أو أسبابها، لكن مجرد حجم هذه التوترات يشكل، في تقديري، مؤشراً غير صحي بالنسبة إلى تنظيم مركزي داخل المعارضة المغربية

كما أن طريقة تفاعل بعض أعضاء الحزب مع الانسحابات والانتقادات لا تقل دلالة عن الانسحابات نفسها، وتكشف، في نظري، عن عمق أزمة تتجاوز مجرد خلاف عابر حول مؤتمر أو موقع تنظيمي

فيدرالية اليسار والحزب الاشتراكي الموحد: حين تصطدم القواعد بالقيادة

في تجربة أخرى، بدا تعامل فيدرالية اليسار وائتلاف اليسار بارداً، أو على الأقل غير مفهوم بالنسبة إلى عدد من المتابعين، مع ملف التشطيب على المناضل فاروق المهداوي من طرف وزارة الداخلية بسبب عدم المشاركة في الانتخابات

ثم جاءت، بحسب ما أثاره الملف من نقاش، تزكية اسم آخر في دائرة يوجد فيها أيضاً صراع سياسي وتنظيمي، ما خلف حالة من الاستياء داخل التنظيم وصدور بيانات ومواقف مضادة. 

وبعيداً عن الأشخاص، فإن الإشكال الأساسي هنا يتعلق بطريقة اتخاذ القرار ومن يملكه. فحين تتحول التزكيات والقرارات الانتخابية إلى مصدر صراع داخلي، بدل أن تكون نتيجة نقاش ديمقراطي واضح، فإن التنظيم نفسه يصبح جزءاً من الأزم

الأمر نفسه يتكرر، بصيغة أخرى، داخل الحزب الاشتراكي الموحد. فقد أثار قرار تنحية عبد الله أباعقيل من موقع المرشح في منطقة أنفا، وتعويضه بنبيلة منيب، نقاشاً واسعاً، خصوصاً أن القرار جاء، بحسب منتقديه، خلافاً لتوجه القواعد المحلية

كان أباعقيل ومناضلو الفروع المحلية قد اشتغلوا، لأشهر، على إعداد مرشح ميداني حاضر وسط المنطقة. لكن المكتب السياسي قرر، في النهاية، تقديم اسم آخر: أي " الزعيمة". وهكذا عاد السؤال القديم إلى الواجهة: من يقرر؟ القواعد أم المركز؟

 حتى التروتسكيون ليسوا بعيدين عن الأزمة

حتى الرفاق التروتسكيون المغاربة لم يسلموا، بدورهم، من الانقسامات التنظيمية. فقد عرف تيار المناضل-ة خلافات حول تدبير جريدته، انتهت إلى ظهور موقع جديد يحمل اسم: "المناضلة الاشتراكية"».

واليوم، توجد منصتان تعبّران عن تيارات متقاربة، بل عن مرجعيات سياسية متشابهة إلى حد كبير، لكنها تختلف تنظيمياً.

قد تختلف التفاصيل، لكن النتيجة واحدة تقريباً: الانقسامات تتكرر، والخلافات التنظيمية تستهلك طاقة كبيرة، فيما يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة هذه التنظيمات على تحويل الاختلاف إلى نقاش سياسي وديمقراطي، بدل أن يتحول إلى قطيعة أو انقسام.

البيروقراطية والشباب والهبات الاجتماعية

يمكن الاستمرار في سرد مشاكل اليسار الجذري وتنظيماته، لكن المشهد العام يبدو واضحاً: البيروقراطية، بدرجات مختلفة، تحاول فرض رؤيتها على القواعد، فيما يبتعد الشباب عن التنظيمات الحزبية، أو يدخلون إليها ثم يغادرونها بسرعة.

كما أن الهبات الاجتماعية الأخيرة، ومنها حركات جيل زد، كشفت في كثير من الأحيان ضعف اليسار التنظيمي أكثر مما كشفت قوته. فالحضور في الشارع لا يتحول بالضرورة إلى قدرة على التنظيم أو التأطير أو بناء بديل سياسي مستدام.

أما الفعالية التي لا يزال اليسار الجذري يتمتع بها داخل عدد من الهيئات المدنية والنقابية، مثل نقابات التعليم، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وأطاك، وحركة المعطلين بدرجة أقل، فهي، في كثير من الأحيان، الشجرة التي تخفي الغابة.

فاليسار لا يزال حاضراً في المجتمع، ويملك رصيداً نضالياً مهماً، لكنه يعاني في المقابل من ضعف واضح في قدرته على تجديد تنظيماته، واستيعاب الأجيال الجديدة، وإنتاج أشكال ديمقراطية أكثر انفتاحاً وفعالية

تطرح هذه الأزمات أيضاً سؤال قدرتنا على تجديد أطرنا التنظيمية التي لم تعد تستجيب لواقع عالمنا وتحولاته. فالأطر القديمة صارت توفر الراحة لـ«المومياوات» والقيادات التي تتشبث بمقاعدها وامتيازاتها.

 نقد من داخل الهم اليساري

هذه الملاحظات ليست موجهة للنيل من أي حزب أو مناضل، ولا تهدف إلى التقليل من تضحيات اليسار الجذري المغربي وتاريخه النضالي. إنها، ببساطة، محاولة سريعة لطرح نقد جذري يرى أن الاعتراف بالأزمة هو الخطوة الأولى نحو تجاوزها.

كما أن هذا النص ليس موجهاً إلى هواة التهكم على اليسار ومشاكله، أو إلى من يجدون في كل خلاف داخلي فرصة للتشفي. المطلوب هو نقاش جدي يمكن أن يساعد على التقدم إلى الأمام.

هذا النص كتبه مناضل يساري الجذري المغربي غير منتمٍ تنظيمياً، لكنه يظل، حسب قدرته، مشتبكاً مع قضايا المجتمع وهمومه، ومؤمناً بأن اليسار المغربي يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى نقد نفسه قبل أن يطالب الآخرين بتغييره. .

عن صفحة الرفيق 

Salaheddine Lemaizi



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *