اللقاء السري بين مندريس وبن غوريون سنة 1958اللبنة الأولى والأساس الذي قام عليه التحالف الاستراتيجي التركي-الإسرائيلي .الرفيق محمد السفريوي
أخطر عمليات تزوير الوعي أن تختزل السياسة في الرموز الدينية
سنويا ومع ذكرى إعدام رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس في 17 شتنبر 1961، تلجأ العديد من الصفحات والمواقع ذات التوجه الإسلاموي إلى تقديم الرجل في صورة البطل الإسلامي، الذي قاوم العسكر والغرب، وكأن رفع الأذان بالعربية كان وحده كافيا لتحويل مساره السياسي إلى مشروع تحرر وطني. وهذه قراءة للتاريخ لا تصمد أمام الوقائع.لكن تركيا في عهده انخرطت بعمق في المعسكر الغربي: أرسلت قوات إلى الحرب الكورية سنة 1950، ثم أصبحت عضوا في حلف الناتو سنة 1952، و اصبحت جزءا من استراتيجية تثبيت موقعها في المنظومة الغربية خلال الحرب الباردة.كما لعب مندريس سنة 1955 دورا أساسيا في تأسيس حلف بغداد، الذي ضم تركيا والعراق وبريطانيا وإيران وباكستان، باعتباره جزءا من شبكة الاحتواء الغربية في المنطقة.
صحيح أن العلاقات التركية ـ الصهيونية كانت قد بدأت قبل وصول مندريس إلى الحكم، لكنها شهدت في عهده اتصالات أمنية وسياسية مهمة، من بينها اللقاء السري بين مندريس وبن غوريون سنة 1958.
أما إعدامه، فهو جريمة سياسية لا تحتاج إلى أسطرة الرجل كي ندين الانقلاب ومحاكماته؛ فقد أطاح انقلاب 27 ماي 1960 بحكومته، وأُعدم مندريس في 17 شتنبر 1961 بعد محاكمة أمام محكمة أقامها الانقلابيون.
المشكلة إذن ليست في الدفاع عن مندريس ضد الانقلاب؛ بل في تحويله، بأثر رجعي، إلى رمز لمعاداة الإمبريالية خدمة لأجندة تيار الإسلام السياسي
إن رفع الأذان بالعربية لا يمحو الناتو، ولا الحرب الكورية، ولا حلف بغداد، ولا شبكة التحالفات الغربية.
فمن أخطر عمليات تزوير الوعي أن تختزل السياسة في الرموز الدينية: أذان بالعربية في الداخل، وتحالفات استراتيجية مع الغرب في الخارج.
يعود اللقاء السري بين رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس ورئيس الوزراء الإسرائيلي عدنان بن غوريون (والذي عُقد بمدينة إسطنبول في 29 أغسطس 1958) إلى مرحلة إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط إبان الحرب الباردة، وتحديداً عقب قيام الثورة في العراق وإطاحة النظام الملكي الحليف للغرب وتزايد النفوذ السوفيتي والصعود القومي العربي بزيادة نفوذ جمال عبد الناصر.
1. خلفية اللقاء
الظروف الإقليمية: شكّل تموز/يوليو 1958 نقطة تحول جيو-سياسية بانهيار حلف بغداد عقب انقلاب العراق، مما أشعر تركيا وإسرائيل بتهديد مشترك وعزلة إقليمية.
الرغبة الإسرائيلية: سعت إسرائيل للتقارب مع الدول غير العربية في المحيط الإقليمي (تركيا، إيران، وإثيوبيا) للالتفاف حول العالم العربي المناهض لها.
الرغبة التركية: رغبت تركيا بالاستفادة من الدعم والنفوذ السياسي والتكنولوجي في واشنطن عبر تحسين العلاقات مع إسرائيل، دون التفريط العلني بعلاقاتها مع الدول الإسلامية والعربية.
2. مخرجات واتفاق اللقاء ("عقيدة الفريضة/المحيط")
أسفر هذا اللقاء عن تدشين ما يُعرف تاريخياً بـ "عقيدة المحيط" (Peripheral Doctrine)، وشملت مجالات التعاون التنسيقات التالية:
التعاون الاستخباراتي والعسكري: تبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية بين الموساد الإسرائيلي وجهاز الاستخبارات التركي (MAH في ذلك الوقت) لمواجهة التمدد السوفيتي والنفوذ الناصري.
التنسيق الدبلوماسي والسياسي: فتح قنوات اتصال استراتيجية غير علنية لدعم المصالح المشتركة أمام القوى الإقليمية.
التسهيلات واللوجستيات: تقديم تسهيلات فنية واستطلاع حركة الطيران المتبادل والمساعدة في شؤون الاتصالات والدفاع.
3. السرية والتداعيات
التكتم الشديد: أُحيط اللقاء بسرية تامة؛ حيث وصل بن غوريون بطائرة خاصة وهبط في المطار في ظل تدابير أمنية مشددة، ولم يُعلن عن تفاصيل اللقاء رسميًا إلا بعد مرور سنوات طويلة.
الموقف الدولي: باركت الولايات المتحدة هذا التقارب غير الرسمي كونه يصب في صيانة النفوذ الغربي بالمنطقة خلال مرحلة الاستقطاب الدولي.
الأثر المستقبلي: وضعت هذه القمة السرية اللبنة الأولى والأساس الذي قام عليه التحالف الاستراتيجي التركي-الإسرائيلي غير المعلن، والذي استمر حتى مراحل لاحقة وتطور إلى اتفاقيات علنية في تسعينيات القرن الماضي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق