"اليسار الجديد" في ميزان جدل التجديد واستعادة البوصلة التحررية...! عمران حاضري
"اليسار الجديد" في ميزان جدل التجديد واستعادة البوصلة التحررية...! عمران حاضري
ليس «اليسار الجديد» جديداً لمجرد أنه جاء بعد قديم، ولا القديم قديماً لمجرد أنه سبق زمنياً؛ فالتاريخ لا يمنح الأفكار قيمتها بحسب أعمارها، وإنما بقدرتها على الإمساك بحركة الواقع و تناقضاته وتحويل المعرفة إلى فعل تاريخي... ومن هنا فإن «الجديد» لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إحالة إلى جيل أو حقبة زمنية، ولا باعتباره يساراً ليبرالياً تحرر من «الأيديولوجيا»، بل باعتباره سؤالاً في المنهج والمشروع والممارسة: ماذا يحدث لليسار حين تتغير الرأسمالية، وتتبدل بنية الطبقات، وتتعدد أشكال الهيمنة، وتتسع الثورة العلمية والتكنولوجية والثقافية، فيما تظل حاجات التحرر والعدالة والمساواة قائمة، وإن بأشكال جديدة؟ لقد نشأ ما سمي باليسار الجديد، في تجاربه المختلفة، من اعتراض على ما انفك يصفه ب "تصلب" اليسار التقليدي و "تحجره"، وعلى "تحويل الماركسية من منهج نقدي مفتوح على الواقع إلى منظومة مغلقة يُقاس الواقع عليها"!؛ وتغذت هذه النظرة من حركات الستينيات، والاحتجاجات الطلابية، ومناهضة الاستعمار والحرب، والحركات النسوية والبيئية والثقافية، والتي في الواقع كانت محل اهتمام و مشاركة كافة الأطياف اليسارية وليست حكرا على ما يسمى " اليسار الجديد" ثم اكتسبت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي زخماً إضافياً جعل السؤال أكثر إلحاحا من منطلق، هل يمكن إنقاذ فكرة التحرر من دون إعادة النظر في الأشكال التاريخية التي حملتها؟ غير أن انهيار الاتحاد السوفيتي لم يكن ميلاد اليسار الجديد بقدر ما كان لحظة كشفت أزمة مسار تاريخي معين مهد للانقلاب اليميني تحت عنوان" نظام الإصلاحات " و من ثم القيام ب" ثورة مضادة داخل الثورة المضادة " ! و بالتالي وسعت مجال المراجعة ، لأن الجذور الفكرية والسياسية "للتجديد" كانت أسبق من الانهيار نفسه...!وإذا كان هذا اليسار قد أصاب ربما في رفضه لبعض مظاهر الجمود، فإن الخطأ الفادح يبدأ حين تتحول "القطيعة مع ما كان يصفها بالدوغمائية" إلى قطيعة مع الماركسية نفسها ؛ إذ إن الماركسية، إذا أخذنا جدليتها مأخذ الجد، ليست نصاً مكتملاً ولا عقيدة مغلقة، وإنما طريقة في النظر إلى الواقع بوصفه حركة و تناقضاً و صراعاً و فلسفة ثورة و تحرير،،، ولذلك فإن تجديدها ليس خروجاً عنها بالضرورة، بل قد يكون شرطاً أساسياً للوفاء بروحها...! فالنظرية التي تعجز عن قراءة واقع جديد تتحول إلى نص، والنص حين ينفصل عن الواقع يتحول إلى عقيدة، والعقيدة حين تحل محل الواقع تصبح عائقاً أمام تغييره؛ لكن العكس صحيح أيضاً...! فالتجديد الذي يمحو الطبقة والاستغلال و الاستبداد والملكية والإمبريالية والتبعية لا يطوّر لا الماركسية و لا اي فكر تقدمي،،، وإنما يفرغها من مضمونها النقدي والتحرري الثوري ... ولهذا لا تقاس قيمة الروافد الجديدة التي أُدخلت إلى الفكر الماركسي بذريعة التجديد، من التقدم العلمي والتكنولوجي إلى البيئة والثقافة والهوية والحريات و التراث العربي ،،، بعددها، بل بقدرتها على إعادة تركيب الكل الاجتماعي وكشف أشكال الهيمنة الجديدة ؛ فإذا وسعت مجال التحليل الطبقي كانت إضافة نوعية، أما إذا حولت الصراع إلى مجموعة هويات وقضايا مفككة و منفصلة، فإنها تستبدل نقد البنية بتعددية مشتتة وتنسى السؤال الذي يعيد تركيب الأجزاء ، من يملك؟ ومن ينتج؟ ومن يستولي على فائض العمل ؟! ومن يملك سلطة القرار ؟!
ومن هنا لا يصبح التمييز بين "اليسار التقليدي،" و "اليسار الجديد" حكماً أخلاقياً بين قديم "متجاوز" وجديد "متقدم" ؛ فاليسار التقليدي راكم و لا يزال، تراثاً نضالياً ساطعاً ، لا يمكن محوه، من الدفاع عن العمال والفلاحين والمهمشين إلى مقاومة الاستعمار والإمبريالية و الص-هي-ونية والنضال من أجل العدالة الاجتماعية والتعليم العمومي والتنظيم الجماهيري، لكنه حمل معه أيضاً أعباء بعض مظاهر الانعزالية و الفهم الميكانيكي لقضية المركزية الديموقراطية والتقديس التنظيمي و الانفصام بين الخطاب و الممارسة و الانحسار في الجانب السياسي على أهميته طبعا و اهمال الجانبين الاقتصادي والاجتماعي ، المدخل الأساس في تكوين قاعدة شعبية عمالية،،،
أما ما يسمى باليسار الجديد فقد حاول تحرير مجال ممارسته من بعض أقفاصها القديمة، لكن ببوصلة اجتماعية ضبابية و ملتبسة ، غير أن هذا التوسع في مجال النشاطات، يصبح مأزقاً حين يتحول من إذكاء للصراع الطبقي إلى إخماد له ؛ فالاستغلال لا يختفي لأن الرأسمالية أعادت تنظيم نفسها، والصراع الاجتماعي لا ينتهي لأن أدوات الهيمنة أصبحت أكثر نعومة وتعقيداً... لذلك فإن الأقرب إلى الجماهير الشعبية والمهمشين و المفقرين و المجهلين،،، ليس «القديم» ولا «الجديد» بوصفهما هويتين، وإنما ذلك اليسار التحرري المناضل الذي يحرص على أن يلعب دوره الطليعي كحاضنة للتغيير الجذري المنشود شعبياً الذي يطال علاقات الإنتاج... والذي يستطيع الجمع بين وضوح البوصلة الطبقية ومرونة المنهج ؛ يسار يدافع عن الحرية دون أن يتحول إلى ذيل لليبرالية، وعن الديمقراطية دون اختزالها في صندوق الاقتراع، و عن التراث دون الوقوع في أسر التقليد...!
وتتخذ هذه المسألة في المجال العربي طابعاً أكثر تعقيداً، لأن استنساخ اليسار الجديد الغربي لا يستطيع وحده تفسير مجتمعات لم تتشكل داخل الرأسمالية المركزية، وإنما داخل تاريخ من الاستعمار والتبعية والإمبريالية وتداخل الرأسمالي بالتقليدي والحديث بالمحافظ. فالكمبرادور المحلي انخرط في الاقتصاد العالمي و راكم الأموال و الأرباح لكن حافظ على امتيازاته الطبقية، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تفكيك البنية التقليدية، ولذلك جاءت الحداثة العربية في ماهيتها و جوهرها حداثة تلفيقية ومشوّهة حيث تقبل على ثمار الحداثة لكن ترفض قيمها و تستورد أدوات العصر ومؤسساته الاستهلاكية والتقنية، لكنها لا تنتج بالضرورة شروطه الاجتماعية والفلسفية؛ فتتعايش التكنولوجيا الحديثة مع بنى ذهنية تقليدية، والاقتصاد المعولم مع علاقات اجتماعية ما قبل حديثة، ومظاهر الحداثة مع هشاشة العقل النقدي في كافة مفردات الحياة...! ومن هنا لا تكون مهمة اليسار العربي تقليد «الجديد» الغربي، بل إنتاج تجديده من داخل واقعه الملموس ، أي قراءة الرأسمالية العربية في علاقتها بالإمبريالية والتبعية، وربط التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي، والسيادة بالعدالة، ومقاومة الهيمنة الخارجية بمقاومة الاستغلال و الاستبداد الداخلي...!
ومن هذا الموقع تحديداً تبرز مسألة التراث بوصفها اختباراً حقيقياً لقدرة اليسار بصفة عامة على ممارسة الجدل لا مجرد استعمال اسمه؛ فالتراث ليس كتلة مقدسة ولا جثة ينبغي دفنها، وإنما مادة تاريخية متناقضة تحمل في داخلها بعض بؤر الضوء ربما لا تناقض عناصر التحرر وأخرى مظلمة لإعادة إنتاج الاستبداد والهيمنة...!!
ولذلك فإن معرفته في ضوء العقل على حد تعبير المفكر الشهيد حسين مروة، لا يعني «أسلمة» الفكر العلمي ، كما أن تجاوزه لا يعني اقتلاع المجتمع من ذاكرته و مخياله الجمعي ؛ وإنما يعني إخضاعه للنقد العلمي التاريخي، واستخراج ما يمكن أن يغني الوعي الإنساني والتحرري، ونقد ما يعيد إنتاج التراتب والاستبداد...! وقد أخطأت بعض التيارات القومية والماركسية حين انتقلت، تحت بند رافد التراث و باسم الاقتراب من «وعي الشعب» أو البحث عن أرضية سياسية مشتركة، من فهم البنية الثقافية للمجتمع إلى التقارب معها، ومن الحوار مع بعض الأطياف الإسلاموية إلى التقاطع معها بما يهدد استقلال المشروع اليساري نفسه في صورة ترسيخه... !
كما أن فهم الوعي الشعبي لا يعني الخضوع له، وإلا تحولت مهمة اليسار من تغيير الوعي إلى إعادة إنتاج السائد...!
وهنا يتضح أيضاً أن شعار «اليسار بلا أيديولوجيا» ليس بالضرورة تحرراً من الأيديولوجيا؛ فقد تكون الليبرالية نفسها أكثر الأيديولوجيات قدرة على التخفي حين تقدم اختياراتها بوصفها طبيعية ومحايدة وما بعد أيديولوجية، كما يمكن لليسار الذي يتخلى عن نقد الملكية والاستغلال والتبعية أن يجد نفسه، من حيث لا يريد، في ذيل المشروع الليبرالي، مثلما يمكن لليسار الذي يفقد استقلاله النقدي باسم "الشعبوية الثقافية التراثية" أن ينتهي في ذيل المشروع الأصولي و الاسلاموي عامة..! والتجديد الذي لا يحافظ على استقلال المشروع التحرري لا يعود تجديداً، بل يصبح إعادة تموضع داخل مشاريع الآخرين كما في المشهد التونسي على سبيل المثال حيث هناك بعض اليسار يهادن أو يتقاطع مع قطب بقايا النظام القديم أو قطب الاسلام السياسي أو قطب الشعبوية المحافظة...! لذلك لا تكفي الحرية السياسية إن حصلت و لو نسبياً، إذا ظلت الثروة ووسائل الإنتاج والإعلام والمعرفة خارج مجال الديمقراطية الاجتماعية الشعبية ، كما لا تكفي المساواة القانونية إذا ظلت شروط الحياة نفسها موزعة طبقياً؛ فالديمقراطية الشعبية لا تبدأ عند صندوق الاقتراع وتنتهي عنده، وإنما تبدأ حين يصبح الإنسان شريكاً في القرار وفي شروط إنتاج حياته.
غير أن المعضلة الأعمق لليسار العربي لا تكمن في عجزه النظري و تشتته التنظيمي وحدهما، وإنما في المسافة التي اتسعت بين الفكر وحامله الاجتماعي حيث غزارة في الخطاب مقابل ضآلة في التنظيم، وتكاثر في النخب مقابل انكماش في القاعدة الجماهيرية، حتى أصبح بعض اليسار يتحدث عن الطبقات الشعبية أكثر مما يعيش بينها و يشاركها نضالها و انشغالها و تلمس درجة وعيها... وهنا تستعيد فكرة غرامشي قوتها ، و التي مفادها أن لا يكفي أن تمتلك الطبقة أو طليعتها تفسيراً نقدياً للعالم؛ بل ينبغي أن تتحول إلى قوة تاريخية، أي إلى وعي وتنظيم وثقافة وقدرة على إنتاج هيمنة مضادة... فالمعرفة التي لا تتحول إلى ممارسة تظل وعياً معلقاً، والممارسة التي لا تستند إلى نظرية تتحول إلى رد فعل، والتنظيم الذي ينفصل عن المجتمع يتحول إلى جهاز يدافع عن بقائه أكثر مما يدافع عن مشروعه التاريخي و التحرري...!
ولذلك يصبح التعليم والفلسفة جزءاً من معركة التحرر لا هامشاً ثقافياً لها؛ فسطحية المناهج التربوية و التعليمية وغياب التفكير الفلسفي والنقدي يتركان المجتمع فريسة للتلقين و الخنوع و الخضوع للسائد البائس ، سواء جاء في صورة أصولية أو حداثة استهلاكية أو قوموية أو دوغمائية...!
إن الحداثة التي تستورد التكنولوجيا ولا تنتج العقل النقدي تظل حداثة سطحية، واليسار الذي يريد تغيير المجتمع من دون إعادة بناء الإنسان يظل أسير شروط المجتمع الذي يريد تجاوزه...!
الفلسفة ليست زينة للحداثة؛ إنها جهاز مناعتها النقدي، و مهمتها مقاومة الغباء بحسب الفيلسوف جيل دولوز والتعليم ليس مجرد نقل للمعرفة، بل إنتاج للقدرة على السؤال والمقارنة والنقد وكشف ما يتخفى خلف المفاهيم الجاهزة...!
ومن ثم فإن اليسار الذي يستحق صفة «الجديد» ليس يساراً يقطع مع ماضيه لمجرد أنه ماضٍ، ولا يساراً يكرر الماضي خوفاً من المستقبل؛ إنه يسار يستعيد من القديم ما كان فيه من قوة اجتماعية وتحررية، ويتجاوز ما استنفدته التجربة، ويستوعب من الجديد ما يوسع القدرة على فهم العالم دون أن يسمح له بإخماد الصراع الطبقي... إنه فكر جدلي علمي بلا دوغمائية، وديمقراطية بلا ليبرالية اقتصادية، ووطنية بلا تبعية، وحداثة تقدمية ناهضة بلا اقتلاع من التاريخ، وتراث بلا سلفية و تجارة بالدين ، وتجديد بلا فقدان للبوصلة الاجتماعية الطبقية التحررية...
فالجديد الحقيقي ليس ما يقطع مع الماضي، بل ما يجعل الماضي قابلاً للنقد والمستقبل قابلاً للإمكان؛ وليس ما يضيف مفردات إلى خطاب اليسار، بل ما يضيف إلى قدرة المقهورين و المهمشين على أن يتحولوا من موضوع للخطاب إلى ذات تاريخية فاعلة...!
وعند هذه النقطة ينقلب السؤال من «أي اليسارين أفضل، القديم أم الجديد؟» إلى سؤال أكثر جذرية ،،،
أي يسار يستطيع أن يصل بين الخبز والحرية، وبين السيادة والعدالة، وبين مقاومة الإمبريالية ومقاومة الاستغلال والاستبداد و التبعية ، وأن يحول النقد إلى تنظيم والتنظيم إلى قوة اجتماعية والقوة الاجتماعية إلى مشروع تاريخي للتحرر؟ هناك فقط يصبح «اليسار الجديد» جديداً بالفعل؛ لا لأنه أحدث زمناً أو ألغى أيديولوجيا، وإنما لأنه أعاد وصل النظرية بالواقع، والفكر بالممارسة، والعقل النقدي بالشعب، والحرية بالمساواة، والتحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي... عندها لا تكون الماركسية على سبيل المثال قفصاً يحبس الواقع داخل النص، ولا يكون التجديد جسراً تعبر عليه الليبرالية أو الأصولية أو الشعبوية اليمينية إلى داخل بعض اليسار، بل يصبح الفكر المادي التاريخي ، في معناه الجدلي الحي، أداة لفهم الواقع من أجل تغييره، وأداة لتحرير الشعب الكادح من علاقات القوة التي تحول دون أن يصبح فاعلاً في صناعة مستقبله و تاريخه...
عمران حاضري
15-9-2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق