جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

لقاء في دمشق يجمع خمسة أحزاب يسارية وشيوعية وكردية: محاولة لإعادة بناء العمل السياسي في سوريا الجديدة

لقاء في دمشق يجمع خمسة أحزاب يسارية وشيوعية وكردية: محاولة لإعادة بناء العمل السياسي في سوريا الجديدة

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ مسعود محمد

عقد ممثلون عن خمسة أحزاب سورية، مساء الخميس 17 أيلول 2026 في دمشق، اجتماعاً سياسياً خُصص لبحث الأوضاع الراهنة في البلاد وسبل توسيع التنسيق بين القوى الوطنية والديمقراطية، في خطوة تكتسب أهميتها من كونها تجمع قوى ذات تجارب ومواقع سياسية مختلفة خلال عقود حكم البعث، وتحاول اليوم البحث عن مساحة مشتركة للعمل في سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد.

وضم الاجتماع ممثلين عن حزب العمل الشيوعي، والحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، والحزب الشيوعي السوري الموحد، والحزب اليساري الكردي في سوريا، وحزب الإرادة الشعبية. وبحسب الخبر الصادر عن الاجتماع، ناقش المشاركون الأوضاع الراهنة و«ضرورات التنسيق والعمل المشترك بين كل القوى الوطنية الديمقراطية السورية»، وأكدوا ضرورة استمرار الحوار واللقاءات بين القوى المجتمعة.

خمسة أحزاب ومسارات سياسية مختلفة

لا تقتصر أهمية الاجتماع على مضمونه، بل تمتد إلى هوية القوى المشاركة فيه. فهي تنتمي إجمالاً إلى الفضاء اليساري والشيوعي والديمقراطي، لكنها لم تكن تاريخياً في موقع سياسي واحد، وخصوصاً في علاقتها مع نظام الأسد.

حزب العمل الشيوعي يمثل أحد تيارات اليسار السوري التي ارتبط تاريخها بالمعارضة والعمل السري والقمع السياسي. نشأ من «رابطة العمل الشيوعي»، واتخذ موقفاً معارضاً لنظام حافظ الأسد، وتعرض عدد كبير من أعضائه وقياداته للاعتقال والملاحقة والسجن لسنوات طويلة. وشكلت تجربة الحزب واحدة من التجارب الأساسية لليسار السوري المعارض خارج الأطر السياسية التي سمح بها النظام.

أما الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) فتعود جذوره إلى الانقسام الذي شهده الحزب الشيوعي السوري في سبعينيات القرن الماضي. وارتبط جناح المكتب السياسي بقيادة رياض الترك تاريخياً بموقف معارض لنظام الأسد، ودخل في صدام طويل معه، تعرض خلاله العديد من كوادره للاعتقال. وتطورت لاحقاً المسارات التنظيمية والسياسية المنحدرة من هذه التجربة، فيما بقي اسم الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي مرتبطاً بتيار يساري معارض يدعو إلى التحول الديمقراطي والتعددية السياسية.

في المقابل، يأتي الحزب الشيوعي السوري الموحد من تجربة سياسية مختلفة. فقد عمل لسنوات ضمن «الجبهة الوطنية التقدمية» التي كان يقودها حزب البعث في عهد الأسد، وبالتالي مارس نشاطه بصورة قانونية داخل النظام السياسي السابق. ويحمل الحزب مرجعية شيوعية ويدعو إلى العدالة الاجتماعية والعلمانية والديمقراطية ومواجهة التمييز.

وهذا الاختلاف في التاريخ السياسي يمنح الاجتماع دلالة إضافية، إذ يجلس الحزب الشيوعي السوري الموحد اليوم مع قوى يسارية تعرض بعضها للقمع والسجن في عهد النظام السابق. ومن ثم فإن اللقاء يجمع تيارات لم تكن علاقتها بالدولة السورية وبنظام الأسد واحدة، لكنها أصبحت أمام واقع سياسي جديد يفرض عليها إعادة تحديد علاقاتها وتحالفاتها.

أما الحزب اليساري الكردي في سوريا فيضيف إلى اللقاء بعداً كردياً واضحاً. وهو جزء من الحركة السياسية الكردية السورية التي جمعت بين المطالب الديمقراطية العامة والمطالبة بالاعتراف بالحقوق القومية والسياسية والثقافية للكرد. ويدعو الحزب إلى سوريا ديمقراطية تعددية وإلى معالجة القضية الكردية ضمن إطار دستوري وسياسي يعترف بحقوق الكرد.

وتكتسب مشاركته أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها الملف الكردي في سوريا، والنقاش المستمر حول شكل الدولة واللامركزية والحقوق اللغوية والثقافية والتمثيل السياسي للكرد في مؤسسات الدولة الجديدة.

أما حزب الإرادة الشعبية، الذي تصدر عنه صحيفة «قاسيون»، فتعود جذوره إلى تيار «اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين» المرتبط بقدري جميل. وقد عمل الحزب بصورة علنية في السنوات الأخيرة من حكم الأسد، مع اتخاذه مواقف انتقادية من السياسات الاقتصادية والسياسية للنظام، ثم أصبح جزءاً من مسارات سياسية معارضة، ولا سيما المسار المرتبط بمنصة موسكو والتسوية السياسية وقرار مجلس الأمن 2254.

الأحزاب في ظل النظام الجديد

يأتي اجتماع دمشق في مرحلة انتقالية ما زالت فيها قواعد العمل السياسي والحزبي في سوريا قيد التشكل. فسقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 أنهى البنية السياسية التي حكمت البلاد لعقود، لكنه فتح في المقابل أسئلة كبيرة حول طبيعة النظام السياسي الجديد ومكانة الأحزاب والحريات العامة ودور المعارضة القديمة والقوى التي كانت تعمل بصورة قانونية في ظل النظام السابق.

وأصبحت القوى السياسية السورية، بما فيها الأحزاب اليسارية والشيوعية، أمام مهمة مختلفة جذرياً عن المرحلة السابقة. فالأحزاب التي عاشت في السرية أو المعارضة مطالبة بالانتقال إلى العمل السياسي العلني وبناء قواعد اجتماعية وتنظيمية، بينما تواجه الأحزاب التي كانت جزءاً من النظام السياسي السابق ضرورة إعادة تعريف موقعها ودورها في مرحلة جديدة لم يعد فيها حزب البعث مركز الحياة السياسية.

ويواجه اليسار السوري تحدياً إضافياً ناجماً عن انقساماته التاريخية. فقد توزع خلال العقود الماضية بين أحزاب عارضت نظام الأسد ودفع أعضاؤها أثماناً كبيرة في السجون، وأحزاب شاركت في مؤسسات الجبهة الوطنية التقدمية، وتيارات كردية يسارية ربطت بين القضية الاجتماعية والديمقراطية وبين الحقوق القومية للكرد.

ولهذا فإن اجتماع الأحزاب الخمسة لا يعني، وفق المعلومات المعلنة حتى الآن، ولادة جبهة سياسية أو تحالف حزبي جديد. فالخبر الصادر عن اللقاء يتحدث عن التنسيق والعمل المشترك واستمرار الحوار واللقاءات، ولا يتضمن إعلان برنامج سياسي موحد أو هيكل تنظيمي مشترك.

لكن أهمية اللقاء تكمن في جمع هذه التجارب المختلفة حول طاولة واحدة في دمشق، وفي محاولة اختبار إمكانية إيجاد مساحة سياسية مشتركة بين اليسار السوري المعارض تاريخياً، واليسار الذي عمل ضمن النظام السابق، والقوى الكردية اليسارية.

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه اللقاءات المقبلة: هل يستطيع اليسار السوري تجاوز انقساماته التاريخية والتحول من سلسلة أحزاب متفرقة إلى قوة سياسية قادرة على المشاركة في النقاش حول بناء الدولة الجديدة، والدفاع عن الحريات والعدالة الاجتماعية وحقوق المكونات السورية؟

اجتماع دمشق لا يقدم جواباً نهائياً بعد، لكنه يشكل مؤشراً إلى بدء حوار بين قوى كانت مساراتها متباعدة، في وقت تحتاج فيه الحياة السياسية السورية إلى تحديد قواعد جديدة للعمل الحزبي والتعددية والمشاركة السياسية بعد أكثر من نصف قرن من هيمنة حزب البعث على الدولة والمجتمع.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *