ساكنة خنيفرة تدير ظهرها لصناديق الإقتراع.. "حنا ماغاديش نصوتو"
ساكنة خنيفرة تدير ظهرها لصناديق الإقتراع.. "حنا ماغاديش نصوتو"
تبدو مدينة خنيفرة للوهلة الأولى هادئة ووديعة بين أحضان جبال الأطلس المتوسط، لكن النزول إلى تفاصيل أزقتها يكشف سريعاً عن واقع يغلي تحت الرماد. فبينما تنخرط جهات المملكة في دينامية الحملات الانتخابية، تسير عاصمة زيان في الأيام الفاصلة عن اقتراع شتنبر وكأنها "مدينة تدير ظهرها للحدث"، حيث تحول ترقب الاستحقاقات لدى فئات واسعة من الساكنة إلى مرارة وعزوف، يغذيهما إحساس عميق بالتهميش ووعود موسمية لم يلمس المواطن أثرها على أرض الواقع. سوق المدينة.. منصة لمحاكمة الوعود الكاذبة كانت الوجهة الأولى نحو السوق اليومي، ملتقى الكادحين والبسطاء. هناك، لا حديث يعلو على قسوة المعيش اليومي وغياب أبسط مقومات البنية التحتية. يختصر "رشيد"، وهو بائع خضر بالمنطقة، هذا الاحتقان بقرار حاسم وصريح: "أنا بعدا ما غاديش نصوت". يبرر رشيد موقفه بغياب الثقة بعد سنوات من الخذلان: "ما بقينا نثيقو فحتى واحد، كاينين غير الوعود الكاذبة. طلع للأحياء الشعبية وتشوف الناس كتموت بالجوع، واش باقية شي خدمة اليوم بـ 60 ولا 70 درهم في ظل هاد الغلاء؟"، ويسترسل في سرد مظاهر العزلة قائلاً: "الماء ينقطع لـ 24 ساعة في المناطق المرتفعة، الطرقات مهترئة، ومحيط المدارس غارق في الفوضى. أما المستشفى الإقليمي فصار أشبه بمجزرة لا مستشفى. هل أصوت لأشهد الزور؟". ويشير رشيد بأصابع الاتهام إلى شبهات "شراء الذمم" والتسابق المصلحي للمرشحين الذين يتوارون عن الأنظار بمجرد فرز الأصوات. ورغم سيل الإحباط، تبرز أصوات متباينة ترى في الاقتراع فرصة لاختيار "أولاد البلاد" من ذوي الكفاءة والغيرة الوطنية، ممن بمقدورهم الترافع لجلب استثمارات ومشاريع تنموية ومصانع لإنقاذ شباب خنيفرة من شبح البطالة والهجرة، معتبرين أن وعي الساكنة كفيل بقطع الطريق على المفسدين. غير أن هذا التفاؤل يصطدم مباشرة بشهادات أخرى لمهنيين يؤكدون أن المصلحة الفردية طغت على المشهد، وأن قضاء المصالح الخاصة هو البوصلة الوحيدة لمعظم المنتخبين. المقاطعة خيار سياسي.. ودعوات صريحة لرفض "المسار الانتخابي" المشهد في خنيفرة لم يتوقف عند العزوف العفوي، بل امتد إلى تبني مواقف سياسية راديكالية؛ إذ سجل التقرير حضوراً لموقف حزب "النهج الديمقراطي العمالي"، الذي وجه نداءً صريحاً إلى "عموم الكادحين والفلاحين والفقراء لمقاطعة الانتخابات". واعتبر ممثل التيار أن التقطيع الانتخابي يكرس هيمنة العائلات النافذة والولاءات القبلية، مشدداً على أن الشعارات المرفوعة سرعان ما تُجهض عند عتبة البرلمان عبر تمرير قوانين تعمق التفقير، وهو ما يجعل خنيفرة تدفع كلفة التهميش المجالي بشكل مضاعف. أرصفة الانتظار.. وجع الأمهات وبؤس الأسعار على بعد أمتار من السوق، وعلى جنبات الرصيف، تتكثف التراجيديا الإنسانية؛ نساء في خريف العمر يفترشن الأرض لكسب لقمة عيش شريفة. تجلس "فاطمة"، وهي سيدة ستينية تعرض بضع حزم من القزبور والمعدنوس لتقتات منها وتعيل أربعة أبناء عاطلين عن العمل، بعد حياة قاسية بلا مأوى ولا معيل. تقول فاطمة بصوت متهدج يمزج بين الشكوى والدعاء: "تنصوت، مغربي اللي ما تيصوتش؟ ولكن لمن غنشكي؟ ولادي ضاعوا بلا خدمة وبلا قراية، وأنا في هاد السن باقية ناعسة في الزناقي بلا دار، واش هاد السن ديالي ديال الشارع؟ حنا بغينا غير الرخا، والسبيطارات يعطيونا الدوا، ويرحموا هاد الدرويش". غير بعيد عنها، تقف بائعة خبز تحاصرها الخسارة بعد كساد بضاعتها وغلاء المواد الأولية. تستنكر السيدة الارتفاع الصاروخي في الأسعار: "اللحم وصل لـ 120 درهم، والسردين 20 درهم، والبوطة والطحين غاليين.. كيفاش غنعيشو؟". وعن مشاركتها في التصويت، تبدي تردداً يميل إلى المقاطعة: "كنا كنصوتو زمان، ودابا ما عطاونا حتى حق، آش غنستافدو من هاد الانتخابات إلا كان كولشي غالي وما كاين حتى التفاتة لهاد الناس اللي في الزنقة؟". مدينة خارج الحسابات.. في انتظار ما بعد الحملات تغادر شوارع خنيفرة وأنت تحمل خلاصة واحدة تتردد على ألسنة الجميع: إنها مدينة تشعر وكأنها أُسقطت عمداً من خريطة الأولويات التنموية. ناخبو خنيفرة، المقاطعون منهم والمترددون، لم يعودوا يعلقون آمالاً كبيرة على أن تحمل لهم صناديق الاقتراع حلاً سحرياً لمعاناتهم، بقدر ما يتطلعون إلى التفاتة دولة حقيقية تكسر حلقة التهميش المفرغة، خارج منطق "المواسم الانتخابية" العابرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق