جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

أن تناهض الإمبريالية العالمية... فهذا رائع، لكن الأروع أن تناهض التبعية والاستبداد في بلدك !عمران حاضري

 أن تناهض الإمبريالية العالمية... فهذا رائع، لكن الأروع أن تناهض التبعية والاستبداد في بلدك !عمران حاضري

ليس مناهضة الإمبريالية مجرد موقف سياسي يُقاس بارتفاع الشعارات، ولا التحرر الوطني خطابةً تُوجَّه إلى الخارج بينما يصمت أصحابها عن القهر و الحيف في الداخل... فالإمبريالية، بمنظار مادي تاريخي ، ليست قوة معلّقة خارج المجتمعات، بل منظومة هيمنة عالمية تجد امتداداتها وشروط إعادة إنتاجها في البنى التابعة ، وفي الطبقات والفئات المحلية التي ترتبط مصالحها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمراكز القوة والرأسمال والهيمنة...

ومن هنا، فإن واحدة من أكثر الظواهر تشوهاً وانحرافاً لدى بعض أطياف اليسار تتمثل في الفصل اللاجدلي و الميكانيكي بين مناهضة الإمبريالية والص-هي-ونية  ومناهضة التبعية والاستبداد؛ و في القدرة على رؤية العدو  بوضوح حين يكون بعيداً، والعجز عن رؤيته حين تتجسد علاقات الهيمنة في الداخل؛ و في إدانة الاحتلال والعدوان الخارجي، مقابل الصمت أو المهادنة أو التبرير للقمع والتهميش والتفقير والتجهيل الذي تمارسه أنظمة وطبقات حاكمة بحق شعوبها...

وهذا الفصل ليس مجرد خطأ في تقدير الأمور أو في الموقف السياسي، بل هو خلل في المنهج والرؤية... فالمنطق  الجدلي العلمي لا يرى الواقع جملةً من الظواهر المنفصلة، بل كلاً تاريخياً متحركاً تتشابك داخله التناقضات وتؤثر في بعضها بعضاً...

 فلا إمبريالية بلا امتدادات و حوامل محلية، ولا تبعية بلا مصالح طبقية و امتدادات خارجية ، ولا استبداد بلا بنية اجتماعية تحميه وتعيد إنتاجه...

إن التناقض بين الإمبريالية والشعوب لا يلغي التناقض بين الطبقات الشعبية والطبقات المسيطرة في داخل الاوطان، كما أن أولوية تناقض في لحظة تاريخية معينة لا تمنح أحداً حق تعليق التناقضات الأخرى أو مصادرة حق الجماهير في الحرية والعدالة والكرامة... حيث يتحول مفهوم «التناقض الرئيسي» إلى ذريعة لتبرير أو مهادنة الاستبداد أو تأجيل الديمقراطية أو بخس الاحتجاج الاجتماعي...

في ظل التبعية،لا معنى للسيادة إذا كانت الثروة محتكرة والقرار السياسي الشعبي مصادراً؟ وما معنى تحرير الأرض إذا بقي الإنسان مقهوراً فوقها؟

إن الوطن ليس حفنة تراب ننام فوقها وليس السلطة،  كذلك الدولة ليست الطبقة الحاكمة، والسيادة ليست شعارات  هلامية و بيانات تزين بها المنابر  ،،،

الوطن هو الشعب وأرضه وثرواته وذاكرته ومستقبله، والسيادة الحقيقية تبدأ حين يصبح الشعب قادراً على تقرير مصيره، والمشاركة في إدارة شؤونه، والدفاع عن حقوقه وثرواته وحرياته...

لذلك، فإن الديمقراطية ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد التحرر الوطني كما يظن البعض ، والعدالة الاجتماعية ليست ملحقاً ثانوياً بالقضية الوطنية... إنهما من شروط التحرر ذاته؛ لأن شعباً مسحوقاً بالفقر والتهميش والتجهيل والخوف لا يستطيع أن يكون ذاتاً تاريخية حرة وقادرة على إنجاز مشروعه الوطني وصيانته...

وهنا يتجلى الانحراف بوضوح ، حين يدين بعض اليسار الإمبريالية في الخارج، لكنه يهادن وكلاءها وبناها وامتداداتها في الداخل؛ حين يحتفي بحق الشعوب في مقاومة المحتل، ثم يتردد أمام حق شعبه في مقاومة القهر و التمييز و الاستغلال ؛ حين يرى القمع جريمة إذا مارسه العدو، و يغض عنه الطرف إذا مارسته سلطة الداخل خاصةً إذا تقاطع معها في بعض النقاط...

تلك ليست رؤية علمية تاريخية ، بل انتقائية سياسية ترتدي قناع  الأولويات ؛ وليست مبدئية، بل ازدواج في المعايير... فالإنسانية القيمية لا تتجزأ، والحرية لا تتجزأ، والكرامة لا تتجزأ، والمبدئية لا تتجزأ... 

إن التحرر الوطني الحقيقي ليس مجرد تحرير الجغرافيا من السيطرة الأجنبية، بل تحرير المجتمع من الشروط التي تجعل تلك السيطرة ممكنة وقابلة لإعادة الإنتاج... وهو، لذلك، تحرير للأرض والإنسان معاً؛ للدولة من التبعية، وللمجتمع من الاستبداد، وللإنسان من الخوف والاستغلال والتهميش و التفقير *عمران حاضري

فاليسار الذي يفقد استقلاليته و قدرته النقدية أمام السلطة يفقد شرط وجوده التاريخي، لأن وظيفته ليست تبرير الواقع و التأقلم معه ، بل نقده وتغييره؛ وليست السكوت عن امتيازات الطبقات الحاكمة، بل الانحياز إلى الطبقات الشعبية والكادحة والمهمشة و الحرص على الانغراس في اوساطها و تلمس انشغالها و درجة وعيها ...

 ومن يرفض الجلاد البعيد ويصالح أو يهادن الجلاد القريب، لم يدرك بعد الوعي الموضوعي بقضية التحرر...

أن تناهض الإمبريالية العالمية، فهذا رائع وضروري؛ لكن الأروع و الأكثر صدقاً واتساقاً  مبدئياً و إنسانياً قيميا، أن تناهض التبعية والاستبداد في بلدك...

فلا إمبريالية بلا وكلاء، ولا تبعية بلا مصالح طبقية و امتدادات خارجية، ولا استبداد بلا شريحة حاضنة و جوقة مؤيدين و مطبلين، ولا تحرر وطني حقيقي بلا تحرر ديمقراطي شعبي وانعتاق اجتماعي...

عمران حاضري 

12/9/2026




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *