جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

خاطرة بمناسبة العودة المدرسية:عمران حاضري

 خاطرة بمناسبة العودة المدرسية:عمران حاضري 

* الانحطاط العربي، إلى حدّ كبير، هو انحطاط المناهج التعليمية...!

*من يملك التعليم، يملك المستقبل...!

ليست أزمة التعليم في تونس، ولا في  البلدان العربية بصفة عامة ، أزمة قطاعية معزولة، وليست مشاهد المدارس المهترئة  و الاكتظاظ وغياب التجهيزات والنقل والماء والكتب، مجرد اختلالات عرضية... إنها، في جوهرها، انعكاس مباشر لأزمة منظومات حكم وتنمية تابعة وريعية، جعلت من التراجع عن الوظائف الاجتماعية للدولة، ومن التقشف والخصخصة، ومن فتح المجال لرأس المال الخاص، بديلاً عن الاستثمار الحقيقي في الإنسان والمعرفة...

فحين تتراجع نفقات الاستثمار والصيانة، وتُترك المؤسسات العمومية لمصيرها، لا يتعلق الأمر بمجرد سوء تصرف إداري، بل بترتيب طبقي للأولويات ، حيث تعليم جيد لمن يستطيع الدفع، وتعليم متدهور لمن لا يملك إلا المدرسة العمومية؛ طب للأغنياء وطب للفقراء، وتعليم للأغنياء وتعليم للفقراء... وهكذا يُعاد إنتاج التفاوت الطبقي جيلاً بعد جيل، ويتحول الحق في المعرفة والرعاية إلى امتياز تحدده القدرة الشرائية.

إن انهيار المباني، واهتراء البنية التحتية، والاكتظاظ، والانقطاع المبكر عن الدراسة، وتراجع جودة التعليم، ليست مظاهر منفصلة، بل هي نتائج مترابطة لخيارات اقتصادية واجتماعية تابعة ومأزومة، عمّقت التداين الخارجي، وأخضعت السياسات الوطنية لإملاءات المؤسسات المالية الدولية، ودفعت نحو تجميد الانتدابات، وتقليص الإنفاق العمومي، والخصخصة، ورفع الدعم، فيما ظلت حاجات الفئات الشعبية في التعليم والصحة والرعاية في آخر سلم الأولويات...

غير أن أخطر ما في أزمة التعليم لا يتعلق بالجدران والتجهيزات فقط، بل يمتد إلى المناهج و وظيفة المدرسة ذاتها.

الانحطاط العربي هو أيضاً انحطاط في التربية والمناهج ، 

لقد ساهمت المناهج التعليمية المتقادمة، القائمة على الحفظ والتلقين واستعادة المعارف الجاهزة ، في إنتاج أجيال تحفظ أكثر مما تفكر، وتستظهر أكثر مما تناقش، وتخشى السؤال أكثر مما تمارس الشك العلمي...!

 وهنا يكمن أحد الجذور العميقة للانحطاط العربي حيث أزمة العقل قبل أن تكون أزمة موارد...

فالانحطاط العربي، إلى حدّ كبير، هو انحطاط في المنظومات التعليمية التي عجزت عن مواكبة العصر وإنتاج المعرفة العلمية، وعن تكوين الإنسان القادر على التفكير النقدي والإبداع والمساءلة... وفي هذا السياق، يصبح غياب الفلسفة أو هشاشة حضورها في مختلف المراحل التعليمية أحد أخطر مظاهر الأزمة...!

فالفلسفة ليست ترفاً فكرياً ولا مادة للنخب، بل هي تربية على السؤال والنقد والشك المنهجي وتحليل الأفكار والواقع... إنها التي تعلّم الإنسان ألا يقبل الأفكار الجاهزة، وألا يخضع للموروث أو للسلطة أو للخرافة دون مساءلة... والمجتمع الذي لا يعلّم أبناءه منذ سنواتهم الأولى أن يسألوا : لماذا؟ وكيف؟ ومن المستفيد؟،،، يتركهم فريسة سهلة لكل أشكال التلقين والاستلاب...!

ولهذا لم يكن انتشار الخرافة والتعصب والعصبيات والانتماءات الضيقة و الهويات القاتلة ، ولا سهولة توظيف الدين في السياسة والسياسة في الدين، ظواهر منفصلة عن أزمة التعليم...! فالاستبداد لا يُصنع بالقمع وحده، بل يُصنع أيضاً في المدرسة التي لا تعلّم النقد، وفي المنهج الذي يقدّس الحفظ، وفي الثقافة التي تربي على الامتثال و الخضوع و الخنوع و تجعل السؤال خطراً والاختلاف تهديداً...!

وهنا تتجلى إحدى نتائج التبعية التاريخية ، فالكيانات التبعية الحاكمة والطبقات الكمبرادورية الرثة ، لم تُنجز حداثة حقيقية، لأنها سعت إلى الاندماج في السوق الرأسمالية العالمية والاستفادة من مراكمة الأرباح و من مظاهر التحديث، دون خوض معركة التنوير والعقلانية والتحرر الثقافي والاجتماعي... فكانت النتيجة حداثة تلفيقية هجينة ، حيث مؤسسات عصرية في الشكل، وبنى تقليدية ومحافظة في الجوهر، واقتصاد تابع، وتعليم عاجز عن إنتاج المعرفة، وثقافة سوق استهلاكية تمجد التفاهة و تمقت العقل و تتأرجح بين التجهيل والحداثة الشكلانية الزائفة...!

وفي هذا الفراغ ازدهرت تجارة الدين، والتوظيف السياسي للمقدس، وانتشرت ثقافة الخرافة والتجهيل، فيما بقي البديل الحداثي والعلماني والعقلاني العلمي ،الحقيقي هشاً أمام تحالف المال والسياسة والدين والإعلام...!

 فالجهل ليس مجرد نقص في المعرفة، بل يمكن أن يتحول إلى أداة للهيمنة، كما أن ضعف الفكر النقدي يفتح المجال أمام الاستبداد الاقتصادي والديني والسياسي و الثقافي...

إن إنقاذ التعليم العمومي لا يعني فقط ترميم المدارس أو زيادة بعض الاعتمادات، على أهميتها، بل يقتضي مشروعاً مجتمعياً تحررياً يعيد الاعتبار إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة لصناعة المستقبل، تعليماً عمومياً، مجانياً، عصرياً وإجبارياً، يضمن تكافؤ الفرص، ويحرر المعرفة من منطق السوق، ويحدث المناهج، ويربطها بالعلم والتكنولوجيا والفنون والمعرفة الإنسانية، ويعيد للفلسفة والفكر النقدي مكانتهما في مختلف مراحل التكوين، ويحمي المؤسسات التعليمية من التوظيف السياسي والديني المعادي للعقل و التاريخ و التقدم...

إن الشعوب التي تريد التحرر لا تبدأ فقط بتحرير  الأرض  و صيانة الثروات و فك الارتباط مع التبعية،،، بل تبدأ أيضاً بتحرير العقل...!

 فالإنسان الذي يتعلم كيف يفكر يصبح أقل قابلية للخضوع و الخنوع ، والإنسان الذي يتعلم النقد يصبح أكثر قدرة على مقاومة الاستبداد، والمجتمع الذي يربي أبناءه على العقلانية العلمية يصبح أكثر قدرة على تجاوز العصبيات ، فكلما ارتقى الإنسان بعقله، إلا و تراجعت انتماءاته الضيقة للدين و العرق و الطائفة...!

لذلك فإن معركة التعليم هي، في جوهرها، معركة طبقية وثقافية وتاريخية من أجل المستقبل...

فلا تنمية حقيقية دون تعليم، ولا ديمقراطية فعلية دون عقل نقدي، ولا تحرر اجتماعي دون معرفة، ولا حداثة حقيقية دون فلسفة وعلم وتنوير...!

#من يملك التعليم، يملك المستقبل...

عمران حاضري 

10/9/2026




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *