قراءة متواضعة في نص فكري أثارني مضمونه كثيرا*الرفيق حميد مجدي
قراءة متواضعة في نص فكري أثارني مضمونه كثيرا*الرفيق حميد مجدي
النص الأصلي المرفق هو للشاعر شارل بودلير (Charles Baudelaire)، ويحمل عنوان:"العالم سينتهي" (Le monde va finir)، وهو من كتاباته الحميمة/الشذرات الفكرية: Fusées (Journaux intimes)
النص في جوهره ليس نبوءة حرفية بنهاية العالم، وإنما تشخيص فلسفي وأخلاقي للمصير الذي آلت إليه الحضارة الحديثة.
يفتتح بودلير كلامه بعبارة صادمة: "العالم سينتهي". لكنه سرعان ما يوضح أن المقصود ليس بالضرورة زوال العالم مادياً. فحتى لو استمر العالم في الوجود المادي، فإن السؤال الحقيقي بالنسبة إليه هو:
هل ستكون تلك الحياة جديرة فعلاً بأن تسمى حياة؟ إنه يتساءل عن المعنى الأخلاقي والروحي لاستمرار حضارة فقدت، في نظره، مبررات وجودها.
واللافت أن بودلير لا يتصور النهاية على شكل كارثة كبرى أو عودة رومانسية إلى الحياة البدائية. فهو يستبعد، بطريقة ساخرة، صورة الإنسان الذي يعود إلى الوحشية ويجوب أنقاض الحضارة حاملاً بندقيته بحثاً عن الطعام؛ لأن مثل هذه الصورة، على قسوتها، تفترض في الإنسان بقية من الحيوية والطاقة والغريزة القوية. أما المصير الذي يخشاه فهو أسوأ:
أن تتضاءل الإنسانية من الداخل كلما ازداد اقتناعها بأنها أصبحت أكثر تحضراً.
وهنا تظهر إحدى المفارقات المركزية في النص: التقدم الحضاري الظاهري، قد يتزامن مع تراجع الإنسان أخلاقياً وروحياً.
ويصل بودلير بعد ذلك إلى فكرته الأساسية:
العالم لن ينتهي بسبب الأنظمة السياسية، ولا بسبب الحروب بين الأفراد أو الأمم، وإنما بسبب "انحطاط القلوب" أو ابتذالها الأخلاقي (l’avilissement des cœurs) ، أي أن انهيار الحضارة يبدأ، في تصوره، من داخل الإنسان قبل أن يظهر في المؤسسات.
ويتخيل بودلير مجتمعاً مستقبلياً، تصبح فيه السياسة نفسها عاجزة أمام انتشار النزعة الحيوانية والمادية في المجتمع. ولن تستطيع السلطات المحافظة على ما تبقى من النظام، إلا باستعمال وسائل قاسية، ربما كانت الإنسانية في زمنه ستفزع منها. وهكذا تتلازم، في رؤيته، المادية الاجتماعية مع الاستبداد السياسي: فكلما انهارت القيم الداخلية، احتاج المجتمع إلى المزيد من الإكراه الخارجي للمحافظة على النظام.
ثم ينتقل إلى الأسرة ليجعل منها نموذجاً لهذا التحول. فالابن سيغادر أسرته في سن مبكرة جداً، لكن ليس بحثاً عن البطولة أو المغامرة أو الجمال، كما في الحكايات القديمة، وإنما من أجل تأسيس تجارة، وجمع المال، ومنافسة أبيه.
المفارقة الساخرة هنا واضحة: الإنسان الحديث قد يصبح مستقلاً في سن أصغر، لكن استقلاله لن يكون دليلاً على نضجه الروحي؛ بل سيكون نتيجة دخوله المبكر في عالم المنفعة والمنافسة والربح.
ويمضي بودلير في رسم صورة أكثر قتامة للمجتمع المقبل، حيث تصبح الفضيلة موضع سخرية، ويختل معنى العدالة، وتتغير علاقة الإنسان بالملكية والدولة. ويتصور أن الملكية ستؤول إلى الدولة التي ستوزعها بحسب ما تعتبره "المنفعة الجماعية".
كما يقدم صورة شديدة القسوة عن تحول النساء إلى أدوات للمتعة، أو آلات لإنتاج المواطنين. وحتى الحب، الذي يصفه بأنه اندفاع سامٍ و"جنون مقدس"، سيفقد بعده الشعري والروحي، ويُختزل إلى مجرد حاجة جسدية منظمة ومشروعة.
وهذه الفقرة مهمة لفهم بودلير: فهو لا يرثي مؤسسة اجتماعية واحدة، بقدر ما يرثي اختفاء ما يتجاوز المنفعة المادية، في الإنسان. فالفضيلة والحب والجمال والروح والخيال، مهددة جميعها عندما يصبح معيار الأشياء هو فائدتها المباشرة.
بعد ذلك ينتقل النص إلى نقد التقدم التقني والميكنة. ويتنبأ بودلير بأزمنة من "الخراب الفكري والروحي"، تكون فيها الآلة قد غيّرت الإنسان إلى درجة عميقة. ويستعمل تعبيراً لافتاً حين يقول إن الميكانيكا ستكون قد" أمركتنا" (américanisés) إلى حد بعيد، وإن ما يسمى بالتقدم سيؤدي إلى ضمور الجانب الروحي في الإنسان.
وهنا لا ينبغي فهم "الأمركة" بالمعنى السياسي المعاصر وحده؛ ففي البناء الداخلي لهذا النص، هي مرتبطة أساساً بصورة حضارة الآلة والعمل والمنفعة والمادية، في مقابل الحياة الروحية والشعرية. لذلك يطرح بودلير سؤالاً شديد الدلالة:
ما الذي سيبقى عندئذ من الحياة الحقيقية؟
وتبلغ الرؤية ذروتها عندما يصبح العمل "الفضيلة الوحيدة، والمتعة الوحيدة، والقانون الوحيد". تتحول الحياة كلها إلى ما يشبه مصنعاً ضخماً يؤدي فيه كل فرد مهمته بصورة آلية، من دون أن يعرف لماذا يفعل ذلك.
وهنا يمكن اختزال مأساة الإنسان الحديث عند بودلير في صورة واحدة: إنسان يعمل باستمرار، ينتج باستمرار، ولكنه فقد القدرة على معرفة الغاية من عمله ومن وجوده نفسه.
وفي خاتمة النص يتردد بودلير بين الضحك والبكاء أمام هذه الصورة المستقبلية. فالنهاية التي يتنبأ بها لن تكون نهاية عظيمة أو مهيبة؛ لن يكون هناك طوفان أو حرب كونية أو كارثة تمنح سقوط العالم شيئاً من العظمة التراجيدية. بل ستكون النهاية بطيئة، حقيرة وصغيرة، وستتحقق وسط اشمئزاز عام.
الفكرة الأساسية لدى بودلير تتلخص في أن الحضارة قد تستمر مادياً بينما تموت روحياً. فالخطر الأكبر، في نظره، ليس الحرب ولا انهيار الدولة ولا الكارثة الطبيعية، وإنما أن يتحول الإنسان تدريجياً إلى كائن محكوم بالمنفعة والإنتاج والاستهلاك والمصلحة، وأن يفقد في الطريق الحب والجمال والدين والفضيلة والخيال والمعنى.
ولذلك فعبارة "العالم سينتهي" تعني، في المستوى الأعمق: سينتهي عالم الإنسان، بوصفه كائناً روحياً وشاعراً وأخلاقياً، حتى لو ظلت المدن والمصانع والمؤسسات قائمة.
حميد مجدي
Le monde va finir
Charles Baudelaire
Fusées (Journaux intimes)
Le monde va finir ; la seule raison pour laquelle il pourrait durer, c’est qu’il existe. Que cette raison est faible, comparée à toutes celles qui annoncent le contraire, particulièrement à celle-ci : Qu’est-ce que le monde a dé
Non ; car ce sort et ces aventures supposeraient encore une certaine énergie vitale, écho des premiers âges. Nouvel exemple et nouvelles victimes des inexplorables lois morales, nous périrons par où nous avons cru vivre. La m
L’imagination humaine peut concevoir, sans trop de peine, des républiques ou autres Etats communautaires dignes de quelque gloire, s’ils sont dirigés par des hommes sacrés, par certains aristocrates. Mais ce
Alors, les errantes, les déclassées, celles qui ont eu quelques amants, et qu'on appelle parfois des anges en raison et
Perdu dans ce vilain monde, coudoyé par les foules, je suis comme un homme lassé dont l'œil ne voit en arrière, dans les années profondes, que désabusement et amertume, et devant lui qu'un orage où rien de neuf n'est contenu, ni enseignement ni douleur.
Le soir où cet homme a volé à la destinée que
Je crois que j'ai dérivé dans ce que les gens du métier appellent un hors-d'œuvre. Cependant, je laisserai ces pages, parce que je veux dater ma tristesse.*
Baudelaire. Fusées
العالم سينتهي
شارل بودلير
شرارات (يوميات خاصة)
العالم سينتهي؛ والسبب الوحيد الذي قد يجعله يستمر هو أنه موجود بالفعل
كلا؛ لأن هذا المصير وهذه المغامرات كانت ستفترض وجود قدر معين من الطاقة الحيوية، وهو صدى للعصور الأولى
يمكن للخيال البشري أن يتصور، دون عناء كبير، جمهوريات أو دولاً مجتمعية أخرى تستحق بعض المجد، إذا كان يقودها رجال مقدسون أو بعض أرباب النبالة
وحينئذٍ، فإن النساء التائهات، والمطرودات من طبقتهن، واللواتي كان لهن بعض العشاق، واللواتي يُطلق عليهن أحياناً ملائكة اعترافاً وامتناناً للطيش الذي يلمع، كضوء عابر، في حياتهن المنطقية للشر؛ حينئذٍ، أقول إن هؤلاء لن يكنّ سوى حكمة قاسية، حكمة تدين كل شيء إلا المال، كل شيء، حتى نزوات الحواس! وحينئذٍ، فإن ما يشبه الفضيلة - بل ماذا أقول - كل ما لا يكون شغفاً حارقاً نحو "بلوتوس" (إله الثروة) يُعتبر هراءً وسخرية عارمة
تائهاً في هذا العالم القبيح، تزحمني الجماهير، أنا كإنسان مرهق لا ترى عينه في الماضي، في غياهب السنين، سوى الخيبة والمرارة، ولا ترى أمامه إلا عاصفة لا تحتوي على أي جديد، لا درساً ولا أليماً
في المساء الذي يسرق فيه هذا الرجل من القدر بضع ساعات من المتعة، مسترخياً في هضمه، ناسياً - قدر الإمكان - الماضي، راضياً بالحاضر ومستسلماً للمستقبل، ثقلاً ببرود أعصابه وأناقته (دانديته)، وفخوراً بأنه ليس بذات الخسة التي عليها العابرون، يقول لنفسه وهو يتأمل دخان سيجاره: ماذا يهمني إلى أين تمضي هذه الضمائر؟
أعتقد أنني انحرفت إلى ما يسميه أهل التخصص "استطراداً أو تمهيداً خارج الموضوع"
بودلير. شرارات
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق