جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

بين عبد الرحمن الغندورولطيفة البوحسيني مقال ورد

 نشرت الرفيقة العزيزة لطيفة البوحسيني على صفحتها أسئلة توريطية موجهة لشخصي المتواضع، أعيد نشر اسئلتها ومشروع جوابي عليها:

منشور الرفيقة لطيفة


بمناسبة الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية، أتوجه بسؤالين لصديقي الأستاذ عبد الرحمن الغندور

أتابع يوميا منشورات وتدوينات صديقي الكبير الأستاذ عبد الرحمن الغندور، وهو الذي لا يجف مداد قلمه.

استشفيت مؤخرا فتور الحماس لديه بخصوص الاستحقاقات المقبلة...وهو الفتور الذي سبق أن عبر عنه غداة استحقاقات 2021...وها هو اليوم يتضاعف، دون أن يعني ذلك انسحابه من النقاش العمومي، هذا طبعا علاوة على ما يقوم به طيلة أيام السنة من إسهام في تنشيط الحياة الثقافية، خصوصا وسط الشباب.

إذن، لا يتعلق الأمر بإنسان سلبي أو عدمي أو غير مبالٍ.

السي عبد الرحمن، لمن لا يعرفه، أستاذ فلسفة، غادر القسم منذ سنوات، دون أن يغادر الساحة الكبرى... ساحة الفعل المواطنتي والثقافي.

يعتبر من الوجوه السياسية البارزة في مدينة فاس..وأحد الرموز الوازنة للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أيام عزه، وحينما كان رقما يحسب له ألف حساب.

طبعا، السي عبد الرحمن غادر الحزب حينما قدّر أن هذا الأخير تخلى عن الاختيارات السياسية التي كان منخرطاً بقوة في الدفاع عنها طيلة حياته.

إيمانا واقتناعا منه برهان الإصلاح من داخل المؤسسات، وبالعمل على توسيع الهامش والضغط لتحسين ميزان القوة عبر إصلاحات لفائدة المواطنين، خاض غمار الانتخابات الجماعية وانتخب في مجلس جماعة فاس في بداية 80.

آمن الرجل بأهمية المشاركة في الانتخابات خلال سنوات الجمر والرصاص، وفي لحظة تغلب وغلب فيها نظام الحسن الثاني على كل من كان يتصارع معه، خصوصا ضمن فعاليات المجتمع السياسية التي كانت تتطلع للحدّ من سلطويته.

في عزّ التضييق وفتح باب جهنم على كل المعارضين، قرر الاتحاد الاشتراكي المشاركة في الانتخابات، إيماناً منه بأهمية الاستفادة من الهامش الضيّق الذي فُتح بفعل مشكل الصحراء، وما اقتضته من تعبئة كافة الأحزاب السياسية حينئذ.

كان السي عبد الرحمن، من الصناديد الكبار الذين نزلوا للشارع وتجولوا في الحواري والأزقة والدروب، وهبطوا إلى الأسواق للإقناع بأهمية التصويت لحزبه.

يمتلك السي عبد الرحمن، وما زال، كفاءات ومهارات وقدرات للتوجه لمختلف الفئات، بدءاً من النخب الفكرية، ومروراً بالمناضلين الشرسين، والحرفيين والتجار، وصولاً إلى المهمشين، بما في ذلك، من يتعاطون المخدرات ويستهلكون الكحول.

كان السي عبد الرحمن إذا دخل معركة ما، فرهانه دائما هو الفوز.

إنه مناضل كبير ورجل الميدان بامتياز، راكم التجربة والخبرة، و مُطَّلِع جيّد على تفاصيل الأوضاع السياسية في بلدنا.

لكل هذا، وبالنظر لفتور حماسه، أتوجه إليه بسؤالين:

1.ما الذي تغير ليفتر حماسك بين الأمس واليوم؟ وهل الوضع اليوم أكثر سوداوية من الأمس؟

2. ما هي أهم الحجج التي يمكنك أن تزود بها مناضلاً صادقاً يترشح للانتخابات الحالية، لإقناع المواطنين بالتوجه إلى مكاتب الاقتراع؟

وهذا مشروع جوابي عن أسئلة الرفيقة، وهو جواب أولي سيحتاج بعد هدوء حمى الانتخابات وظهور نتائجها المرتقبة والمفبركة، إلى كثير من التداول والنقاش لبلورة ما يمكن من مقترحات وآراء وتصورات.

إن تراجع الحماس السياسي وفقدان الثقة في المسار الانتخابي، بالنسبة لي ولغيري من المناضلات والمناضلين، لم يأتيا من فراغ، بل هما نتاج مسار تراكمي من خيبة الأمل والإحباط التاريخي الذي عرفته المحطات السياسية والاجتماعية في المغرب المعاصر.

فالإجابة على أسئلة الرفيقة لطيفة البوحسيني تعكس إشكالية عميقة يعيشها المناضلون الشرفاء والصف الديمقراطي عموماً، حين يجدون أنفسهم ممزقين بين رغبة الإصلاح من داخل المؤسسات وبين واقع الانسداد السياسي.

ومن بين أسباب تراجع الحماس وفقدان الثقة في الفعل السياسي نلاحظ هذا التحول في العمل السياسي من رافعة لتحقيق التغيير الديمقراطي والتنمية المجتمعية إلى أداة لتدبير المصالح الضيقة، مما أدى إلى تآكل الثقة في مؤسسات الدولة والفاعلين على حد سواء. ويمكن تفكيك هذا التراجع عبر عدة محاور أساسية:

1- أزمة الثقة المؤسساتية وانحسار منسوبها ليس فقط في الأحزاب السياسية، بل في جدوى العملية السياسية برمتها، نتيجة الهوة السحيقة بين الوعود الانتخابية والسياسات العمومية المطبقة على أرض الواقع.

2- هندسة المشهد الانتخابي، حيث استمرار شعور المواطنين بأن الخارطة الانتخابية ومخرجات الاقتراع يتم التحكم في ملامحها الكبرى مسبقاً، مما يبطل أي رهان حقيقي على صناديق الإقتراع لإحداث التغيير المنشود.

3- عزلة الشرفاء في المؤسسات، فرغم وجود طاقات نزيهة ومناضلين أثبتوا استقامتهم وقربهم من نبض الشارع (بمن فيهم تلامذة لي وفعاليات شبابية وحقوقية تتصدر اليوم لوائح مختلفة موزعة على التقدم والاشتراكية وفيدرالية اليسار والاتحاد الاشتراكي وحتى الاصالة والمعاصرة...الخ)، إلا أنهم يظلون أصواتاً معزولة داخل مشهد مهيكل لخدمة منطق التوافقات الفوقية وما تحت الطاولة من تواطؤات، ومعرضون للاستقطاب والتدجين من طرف لوبيات الفساد.

4- موسمية الاستفادة والريع، حيث تحولت الاستحقاقات الانتخابية في الوعي الجماعي إلى مناسبة تقتضيها شبكات الفساد والريع لتبييض مواقعها، واغتنام المواسم السياسية لتحقيق مكاسب شخصية بعيدة كل البعد عن انشغالات الطبقات الشعبية.

5- الإحباط التاريخي التراكمي الذي عمق هذا الفتور عبر محطات مؤلمة من الارتداد الديمقراطي، تبدأ من الالتفاف على الزخم الشعبي لحراك 20 فبراير، وانتهي عند حدود النتائج المخيبة للاستحقاقات الكبرى التي أفرزت مشهداً عاجزاً عن التغيير.

وهنا نجد أنفسنا أمام معضلة إقناع المواطنين والمواطنات ولا سيما الشباب. ففي ظل هذا الانسداد، يصبح من العبث محاولة تقديم مسوغات تقليدية لإقناع الناس بالمشاركة في محطات انتخابية ثبت بالملموس أن نتائجها لا تختلف جذرياً عن خيار المقاطعة. هذا الواقع يضع المناضل النزيه في محك حقيقي؛ فهو إما أن يستهلك رصيده الأخلاقي والسياسي في تزكية لعبة محسومة مسبقاً، وإما أن يختار الوقوف على مسافة واحدة من الجميع مفضلاً الصمت كما يفعل الكثيرون، أو النقد الموضوعي كما لا زلنا نمارسه بصبر.

وأمام عجز الدوائر التقليدية عن إنتاج الحلول، باتت الضرورة التاريخية تفرض الانتقال من منطق "الاندماج في اللعبة" إلى منطق "بناء البدائل المجتمعية". ويستوجب هذا التحول التفكير في أفق نضالي جديد، حتى لا نركن إلى العدمية والعبثية، ويقوم هذا الأفق على:

1- التشبيك الميداني المستدام بالعودة إلى العمل القاعدي، التجميعي، والثقافي القريب من هموم المواطنين اليومية، بمعزل عن الإيقاع الموسمي المحموم للانتخابات.

2- جبهة وطنية لمناهضة الاستبداد والفساد بتوحيد القوى الحية، النقابية، والحقوقية والمدنية والثقافية، في إطار جبهة واسعة ومستقلة تشكل حائط صد ضد التغول وتدافع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

3- تجميع صفوف التغيير بتجاوز الخلافات الأيديولوجية الضيقة والتعصب الحزبي، وخلق أرضية مشتركة لكل المؤمنين بالديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية، باعتبارها السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار للفعل السياسي النبيل.

4- التنسيق الميداني بين المناضلين الشباب المنتمين لمختلف أطياف اليسار والصف الديمقراطي بما يتطلب أولاً التحرر من الوصاية الحزبية البيروقراطية، والانطلاق من المشتركات اليومية التي تكتوي بنارها الفئات الشعبية. والخروج من أسر التنافس الانتخابي الضيق يقتضي الانتقال من منطق "التنظيمات الفوقية" إلى منطق "الشبكات القاعدية المرنة".

ويمكن أجرأة هذا التنسيق الميداني عبر الآليات العملية التالية كمقترح مفتوح للنقاش :

1- التركيز على القضايا الاجتماعية المباشرة بتوحيد الجهود حول المعارك الاقتصادية والاجتماعية التي لا تحتمل التنافس الحزبي، مثل الدفاع عن التعليم العمومي، الحق في الصحة، مجابهة غلاء المعيشة، والوقوف إلى جانب العمال والفئات الهشة في نضالاتهم المطلبية. والتصدي للاستبداد وقمع الحريات والاعتداء على حقوق الانسان في شموليتها وكونيتها.

2- إحياء الإطارات الجبهوية المستقلة بتفعيل وتأسيس تنسيقيات محلية ومجالية عابرة للأحزاب، تتيح للشباب التقاطعيين الالتقاء والاشتغال على برامج ثقافية، حقوقية، وتضامنية بعيدة عن الصراعات الانتخابية الموسمية.

3- خلق فضاءات للنقاش الفكري المشترك بتنظيم ندوات، موائد مستديرة، وصالونات ثقافية لفحص مأزق العمل السياسي الراهن، وتأصيل وعي نقدي بديل يعيد الاعتبار للسياسة بمعناها النبيل كأداة للتحرر لا للتدبير التقنوي.

4- التأسيس للرقمنة البديلة والتشبيك باستثمار منصات التواصل الاجتماعي لبناء شبكات تضامن ونشر الوعي الحقوقي والاجتماعي، وفضح مظاهر الريع والفساد بصوت واحد وموحد.

إن نجاح هذا التنسيق مرهون بقناعة راسخة لدى هؤلاء الشباب بأن قوتهم تكمن في تلاحمهم الميداني خارج أسوار المقرات الحزبية، وبأن التغيير الحقيقي يبدأ من تشييد جبهة اجتماعية قوية قادرة على فرض نفسها كرقم صعب في معادلة النضال الوطني الديمقراطي. 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *