الجبهة الوطنية الشعبية الأردنية.. من الموقف إلى الفعل*بقلم: محمد قبيلات/عن الصديقة" الجماهير"منصة الحزب الشيوعي الاردني
الجبهة الوطنية الشعبية الأردنية.. من الموقف إلى الفعل*بقلم: محمد قبيلات
ينبغي أن تبدأ الجبهة في الانتقال من مرحلة تبني الخطاب الاحتجاجي فقط إلى مرحلة بناء البديل.
تأتي ولادة الجبهة الوطنية الشعبية الأردنية في لحظة سياسية واقتصادية واجتماعية شديدة التعقيد، تتداخل فيها أزمات الداخل مع التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة والعالم، وهي لحظة تفرض على القوى السياسية التقدمية والديمقراطية أن تعيد النظر في أدوات عملها، وفي قدرتها على الانتقال من مجرد التعبير عن المواقف إلى التأثير في مسار الأحداث وصياغة البدائل.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا على طاولة البحث اليوم؛ ما الذي نريد أن تكون عليه الجبهة؟ وأي دور نريد لها أن تؤديه في الحياة السياسية؟
فالجبهة لا ينبغي أن تكون مجرد إطار يجمع أحزابًا وشخصيات وقوى سياسية تتوافق على عدد من المواقف، ثم تصدر بيانات مشتركة عند الضرورة، بل إن أهمية الجبهة الحقيقية تكمن في قدرتها على التحول إلى قوة سياسية واجتماعية لها حضورها في المجتمع، وتمتلك رؤية واضحة لما تريد تغييره، وما البديل الذي تقترحه، وكيف يمكن تحويل هذا البديل إلى فعل سياسي وميداني.
ولعل التحدي الأول الذي يواجه الجبهة الوطنية الشعبية الأردنية اليوم هو تحدي البناء، علمًا أن وحدة القوى والفعاليات والهيئات السياسية والفكرية لا تعني إلغاء خصوصية مكوناتها، كما أن الحفاظ على استقلالية الأحزاب والقوى المشاركة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لاستمرار العمل المنفرد، فالمطلوب هو البحث عن صيغة تحقق ما يمكن تسميته " وحدة العمل"؛ أي أن تتحول القضايا التي تتفق عليها مكونات الجبهة من مواقف مشتركة إلى برامج عمل مشتركة، ومن البيانات إلى الحضور في المحافظات والنقابات ومواقع العمل والجامعات والفعاليات الاجتماعية.
فالعمل الميداني هو الذي يمنح أي إطار سياسي وزنه الحقيقي، ومن هنا فإن السؤال الذي يستحق نقاشًا صريحًا هو؛ هل تستطيع الجبهة أن تبني امتدادًا اجتماعيًا حقيقيًا، أم ستظل إطارًا للتنسيق بين قوى متقاربة في المواقف والأفكار؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي بناء أدوات عمل جديدة، ولجان متخصصة، وحضورًا منظمًا في المدن الرئيسية والمحافظات، وتطوير علاقة الجبهة بالنقابات والحراكات الاجتماعية والشبابية، والأهم تحديد القضايا التي يمكن أن تتحول إلى ميادين للعمل المشترك، فالجبهة التي لا تستطيع تحويل الاتفاق السياسي إلى فعل اجتماعي ستظل محدودة التأثير مهما كانت مواقفها صحيحة.
ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار بأن البناء التنظيمي وحده لا يكفي، فالجبهة تحتاج أيضًا إلى تجويد مضمون مواقفها السياسية والاقتصادية، بحيث لا تكتفي بالاعتراض على السياسات القائمة، وإنما تقدم حججًا وبدائل قادرة على إقناع المجتمع.
ولعل ملفات الضريبة والإدارة المحلية والملكية العقارية والضمان الاجتماعي تقدم نماذج واضحة على ذلك،
ففي المسألة الضريبية، لا يكفي أن نقول إننا ضد زيادة الضرائب أو ضد ضريبة المبيعات، بل يجب علينا أن نركز أكثر على من يدفع الضرائب، ومن يتحمل العبء الأكبر منها، وندفع باتجاه أن يعكس النظام الضريبي قدرة المكلف على الدفع.
إن الإصلاح الضريبي الذي تحتاجه البلاد ينبغي أن ينطلق من العدالة، ومن إعادة توزيع العبء الضريبي بصورة أكثر إنصافًا، بحيث لا يتحمل أصحاب الدخول المحدودة والطبقات الوسطى الجزء الأكبر من تمويل الخزينة من خلال الضرائب غير المباشرة، بينما تبقى مساهمة أصحاب الأرباح والثروات الكبيرة أقل مما ينبغي، وهذا يتطلب موقفًا واضحًا من ضريبة الدخل، وضريبة المبيعات، والتهرب الضريبي، والاحتكارات، والأرباح الكبيرة، والسياسات التي تجعل الاستهلاك المصدر الأسهل لرفد الخزينة.
ولا بد من الانتباه إلى أن الإصلاح الضريبي لا يمكن فصله عن موضوع أكبر ويتعلق بإصلاح النموذج الاقتصادي للدولة، فالدولة تعاني منذ سنوات من ضعف القاعدة الإنتاجية، وارتفاع المديونية، والاعتماد على المساعدات والقروض، وضعف قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل كافية، ولذلك فإن النقاش حول ريعية الدولة ينبغي ألا يبقى في حدود المفهوم النظري أو الشعاراتي، بل إن المطلوب هو تحديد مصادر الريع، وأشكاله، وعلاقته بالامتيازات والاحتكارات والأراضي والعقار والتمويل والمساعدات والقروض، ثم مواجهة التحدي الأهم: كيف ننتقل من اقتصاد يعتمد بدرجات متفاوتة على الريع والمديونية إلى اقتصاد منتج؟
وهنا ينبغي أن يكون للجبهة موقف واضح من السياسة الاقتصادية برمتها، أي اقتصاد نريد؟
هل نريد اقتصادًا يواصل الاعتماد على الخدمات والتمويل والدين والاستثمار العقاري، أم اقتصادًا يعيد الاعتبار للصناعة والزراعة والأمن الغذائي والطاقة والموارد الطبيعية والاقتصاد المعرفي؟ وهل يكفي أن نطالب بمزيد من الاستثمار ودعم القطاع الخاص، أم أن الدولة مطالبة بدور اقتصادي أكثر فاعلية في توجيه الاستثمار وحماية القطاعات الاستراتيجية ودعم الإنتاج الوطني؟
إن هذه الأسئلة تقودنا إلى جوهر المسألة: لا يمكن أن تكون للجبهة سياسة اقتصادية حقيقية إذا اقتصر خطابها فقط على نقد كل إجراء حكومي على حدة، المطلوب هو بناء رؤية اقتصادية واجتماعية متماسكة تحدد موقع الدولة والقطاع الخاص والقطاع العام، وتربط بين الإنتاج والعدالة الاجتماعية، وبين النمو وفرص العمل، وبين السياسة المالية والاستقلال الاقتصادي.
وفي هذا السياق تأتي قضية الإدارة المحلية، فالنقاش حول الإدارة المحلية لا ينبغي أن ينحصر في كفاءة الخدمات أو إعادة توزيع الصلاحيات الإدارية، فالقضية في جوهرها قضية سياسية، والسؤال هو: هل نريد إدارة محلية أكثر كفاءة، أم نريد ديمقراطية محلية حقيقية تمنح المواطنين قدرة فعلية على المشاركة في تحديد أولويات مناطقهم ومراقبة الإنفاق والتنمية واتخاذ القرار؟
إن التراجع عن الانتخاب المباشر لمجالس المحافظات يمثل تراجعًا عن جوهر المشاركة الديمقراطية المحلية، لأن الديمقراطية لا تتحقق بمجرد إنشاء مجالس تحمل صفة التمثيل، وإنما من خلال تمكين المواطنين من اختيار ممثليهم ومحاسبتهم، ومن هنا ينبغي أن تطور الجبهة موقفًا أكثر شمولًا ينتقل من نقد قانون بعينه إلى الدفاع عن نموذج أكثر تقدمًا للحكم المحلي الديمقراطي.
والأمر نفسه ينطبق على قضية الملكية العقارية، فالعقار ليس مجرد سلعة يتم تداولها في السوق، والأرض ليست مجرد أصل مالي يمكن أن تتحول قيمته إلى أرباح ومضاربات، إنها قضية تتصل بتوزيع الثروة، وبحق المواطنين في السكن وانتاج قوتهم، وباستخدام الأرض، وبالتخطيط العمراني، وبطبيعة التنمية التي نريدها، ولذلك فإن أي موقف تقدمي من التشريعات العقارية يجب أن ينطلق من سؤال العدالة الاجتماعية، لا من المصالح العقارية والاستثمارية التي تدفع بها البرجوازية العقارية وأصحاب الحيازات الكبيرة.
وهنا لا بد من التمييز بين طرائق النضال من أجل بناء دولة قوية، تحقق العدالة الاجتماعية، وبين حراكات الطبقات المخملية، التي تنتقي بعض القضايا، غير الجوهرية، وتتبناها شكليا لإرضاء" إنسانيتها"، من خلال الندوات والورش في فنادق العاصمة، والتي يحضرها " ذوو القلوب النازفة" ألمًا على الفقراء وسكان الأطراف.
أما الضمان الاجتماعي، فهو أحد الاختبارات الأساسية لأي رؤية تقدمية، فالضمان ليس مجرد صندوق مالي ينبغي الحفاظ على توازنه المالي، بل حق اجتماعي وأحد أعمدة الحماية الاجتماعية، ولذلك ينبغي أن ينصب النقاش على كيفية ضمان استدامته المالية مع الحفاظ على حقوق المشتركين، وتوسيع مظلة الحماية، ومعالجة مشكلات سوق العمل، وضمان أن تبقى أموال الضمان في خدمة مصالح المشتركين والمجتمع والاقتصاد الوطني.
غير أن كل هذه القضايا الاقتصادية والاجتماعية ترتبط في النهاية بالسؤال السياسي: من يمتلك القدرة على التأثير في القرار؟ وهو ما يوصلناإلى قانون الانتخاب وإلى أداء مجلس النواب.
لقد دخلت البلاد مرحلة جديدة في الحياة الحزبية والانتخابية، لكن ليس المهم إذا ما كانت الانتخابات قد جرت، أو كم حزبًا شارك فيها، وإنما قياس المدى الذي استطاعت الانتخابات أن تنتج فيه تمثيلًا سياسيًا قائمًا على البرامج، وإذا ما استطاعت نقل حراك الشارع إلى البرلمان، والانتقال من التنافس بين الأشخاص والعلاقات المحلية إلى النقاش الجدي بين البرامج والقوى السياسية.
فالديمقراطية لا يمكن أن تُحصر في صندوق الاقتراع، والانتخابات لا تصبح ذات معنى سياسي إلّا عندما تمكن المواطنين من الاختيار بين برامج مختلفة، وعندما يستطيع الناخب أن يعرف من يمثل مصالحه، وعندما يستطيع البرلمان أن يمارس دوره التشريعي والرقابي بصورة فعلية.
ومن هنا لا يمكن فصل قانون الانتخاب عن أزمة الممارسة البرلمانية، فما شهدناه في بعض المحطات البرلمانية من ضعف في العمل الجماعي، ومن تغليب للمواقف الفردية، ومن احتجاجات لا تتحول دائمًا إلى أدوات ضغط سياسية فعالة، يعكس أزمة أعمق في الثقافة والممارسة البرلمانية.
إن انسحاب النائب من الجلسة قد يكون موقفًا احتجاجيًا مشروعًا، لكنه لا يكفي وحده لبناء معارضة برلمانية مؤثرة، لأن المعارضة صاحبة المشروع تحتاج إلى تنظيم، وحجج، وبدائل، وقدرة على الحشد والتواصل مع المجتمع.
وهنا تبرز الحاجة إلى كتلة نيابية تقدمية، لا باعتبارها مجرد تجمع لعدد من النواب المتقاربين والمتفاهمين فقط، وإنما بما هي كتلة تمتلك برنامجًا سياسيًا واقتصاديًا واضحًا، وتعمل على أساس من التنسيق والانضباط، وتستند إلى فرق قانونية واقتصادية، وتتابع الموازنة والتشريعات والسياسات الحكومية، وتقدم نفسها للمواطنين باعتبارها قوة سياسية يمكن محاسبتها على برنامجها.
ولا يمكن الحديث عن الإصلاح السياسي أو بناء حياة حزبية ديمقراطية من دون التوقف عند قضية الحريات العامة وحرية التعبير والتجمع والتظاهر، فالدستور الأردني لم يترك هذه الحقوق بلا حماية، بل كفل حرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة، وحق الأردنيين في الاجتماع ضمن حدود القانون، كما كفل حق تأليف الجمعيات والأحزاب السياسية والانضمام إليها، وهذه الحقوق ليست امتيازًا تمنحه السلطة، وإنما ضمانات دستورية يفترض أن تشكل أساسًا للحياة العامة وللمشاركة السياسية.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في وجود النصوص الدستورية، وإنما في مدى اتساع المجال المتاح لممارسة هذه الحقوق فعليًا، وفي التشريعات والإجراءات التي تنظمها، وفي كيفية تطبيقها على أرض الواقع، فالديمقراطية لا تقاس بعدد الانتخابات والقوانين والمؤسسات وحدها، وإنما كذلك بمدى قدرة المواطن على التعبير عن رأيه، وانتقاد السياسات العامة، وتنظيم نفسه، والاحتجاج السلمي، والمشاركة في الشأن العام، من دون أن تتحول ممارسة هذه الحقوق إلى سبب للملاحقة أو التضييق أو الاعتقال، أو التمييز عند التقدم لطلب الوظيفة.
ومن هنا ينبغي للجبهة الوطنية الشعبية أن تجعل من موضوعة الدفاع عن الحريات العامة باعتبارها جزءًا أصيلًا من مشروعها الديمقراطي، وأن تتعامل معها باعتبارها قضية لجميع المواطنين، وليست قضية تخص الأحزاب والقوى السياسية وحدها، فحرية التعبير لا تعني فقط حق القوى المعارضة في الكلام، وإنما حق المجتمع كله في النقاش والاختلاف والنقد، وحرية التظاهر السلمي ليست خروجًا على النظام العام، بل لا بد من ترسيخ هذا الحق كأداة من أدوات المجتمع للتعبير عن مطالبه ومصالحه عندما تتعطل قنوات التعبير الأخرى.
والأهم أن الدفاع عن الحريات ينبغي ألا يكون انتقائيًا أو مرتبطًا بالخصومة مع حكومة بعينها، المطلوب هو ترسيخ قاعدة سياسية واضحة: كلما اتسعت مساحة الحرية والمشاركة، ازدادت قدرة المجتمع على معالجة أزماته بالوسائل السلمية والديمقراطية، وكلما ضاقت هذه المساحة، اتسعت أزمة الثقة بين الدولة والمؤسسات من جهة والمجتمع الجهة الأخرى.
ومن هنا فإن مفهوم الديمقراطية المقيدة لا ينبغي أن ينصرف إلى قانون الانتخاب والتمثيل البرلماني فقط، بل إلى مجمل البيئة السياسية التي يمارس فيها المواطن حقوقه الدستورية، فالديمقراطية التي تسمح بالانتخاب لكنها تضيق بمجالات التعبير والتنظيم والاحتجاج، تظل ديمقراطية محدودة القدرة على إنتاج المشاركة السياسية الحقيقية.
ولذلك ينبغي أن يكون للجبهة موقف واضح من حماية حرية الرأي والتعبير والصحافة، وحق الاجتماع والتجمع والتظاهر السلمي، وحق الأحزاب والقوى الاجتماعية في ممارسة نشاطها، مع التأكيد في الوقت نفسه على الالتزام بالسلمية وسيادة القانون، فالدفاع عن هذه الحقوق هو جزء من الدفاع عن الدولة الديمقراطية، وليس موقفًا هامشيًا أو ملفًا حقوقيًا منفصلًا عن المشروع السياسي للجبهة.
ولا يمكن أن تكتمل هذه الرؤية الشاملة للجبهة من دون التوقف عند التعليم، فإصلاح التعليم لا ينبغي أن يتحول إلى نقاش تقني حول المناهج والامتحانات فقط، فالتعليم قضية تتصل بكفاءة ونوع الإنسان الذي نريد بناءه، وبطبيعة المجتمع والدولة، وإذا كان التعليم يُختصر في فكرة تأهيل الشباب لسوق العمل، فإننا نغفل وظيفته في بناء المواطن القادر على التفكير النقدي والمشاركة الديمقراطية والإبداع.
فالتعليم العام الجيد، والجامعات القوية، والتعليم المهني، والبحث العلمي، وتحسين أوضاع المعلمين، وتكافؤ الفرص بين المناطق والفئات الاجتماعية، كلها قضايا تشكل الجزء المهم من المشروع الوطني لبناء دولة قادرة على الإنتاج والتقدم.
ما الذي نريده؟
ليس المطلوب أن تكون الجبهة مجرد قوة معارضة تقول ما الذي لا تريده، فالمواطن يحتاج إلى أن يعرف ما الذي تقترحه هذه القوى لمستقبله؛ أي دولة نريد؟ وأي اقتصاد؟ وأي نظام للحماية الاجتماعية؟ وأي تعليم؟ وأي علاقة بين الدولة والسوق؟ وأي نظام ديمقراطي؟ وأي شكل للحكم المحلي؟
وهنا تحديدًا ينبغي أن تبدأ الجبهة في الانتقال من مرحلة تبني الخطاب الاحتجاجي فقط إلى مرحلة بناء البديل.
فنحن نريد دولة ديمقراطية لا تقتصر الديمقراطية فيها على الانتخابات، واقتصادًا منتجًا لا يقوم على المديونية وشبه الريع، ونظامًا ضريبيًا أكثر عدالة، وقطاعًا عامًا قويًا وكفؤًا، وخدمات عامة في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وتوسيع مظلة الأمان الاجتماعي، وحقوقًا عمالية ونقابية مصانة، وتنمية متوازنة بين المحافظات، وحكمًا محليًا ديمقراطيًا، وسياسة صناعية وزراعية تعيد الاعتبار للإنتاج الوطني.
وبما أن مكونات الجبهة تُشكل أغلب التيار التقدمي واليساري، فإن عليها أيضًا أن تكون أكثر وضوحًا في الإجابة عن سؤال ما الذي تعنيه الحلول الاشتراكية في الظروف الأردنية الراهنة؟
فالمطلوب ترجمة القيم الاشتراكية إلى سياسات ملموسة؛ عدالة ضريبية، حماية اجتماعية، تعليم وصحة عامان قويان، حماية حقوق العمال، مكافحة الاحتكار، دعم القطاع العام، حماية القطاعات الاستراتيجية، دور اقتصادي فاعل للدولة، وتشجيع الإنتاج وتوزيع أكثر عدالة للثروة.
فالاشتراكية التي نحتاج إلى مناقشتها اليوم ليست مجرد شعار بلا معنى على الأرض، وإنما سؤال عن من يملك، ومن ينتج، ومن يقرر، ومن يحصل على ثمار النمو.
وهنا تصبح أمام الجبهة مهمة أكبر من مجرد تنسيق المواقف، لتنتقل إلى صياغة مشروع وطني تقدمي قابل للنقاش والدفاع عنه أمام المجتمع، وفي الحقيقة، كما أن الجبهة الوطنية الشعبية أمام فرصة سياسية حقيقية، فهي في الوقت نفسه أمام خطر حقيقي أيضًا، فالنجاح لا يتحقق بمجرد جمع عدد من القوى تحت مظلة واحدة، وإنما بقدرتها على بناء الثقة المتبادلة بين مكوناتها، وتجاوز الحسابات الضيقة، وتطوير آليات العمل المشترك، والانتقال إلى المجتمع، وتقديم خطاب سياسي يستطيع أن يخاطب الناس بلغة مصالحهم اليومية، ويلامس همومهم وتخوفاتهم، وما يقاسونه في الاقتصاد اليومي.
ولذلك فإن المطلوب في المرحلة المقبلة ليس المزيد من البيانات المشتركة فحسب، بل المزيد من العمل المشترك؛ وليس فقط الاتفاق، كما أسلفت، على ما نرفضه، بل الاتفاق على ما نقترحه؛ وليس فقط الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية، بل بناء القوة السياسية والاجتماعية التي تجعل المشاركة الانتخابية جزءًا من مشروع أوسع.
وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نضعه أمامنا جميعًا هو؛ هل نريد للجبهة أن تكون جبهة أسيرة ردّات الفعل، أم جبهة تنتقل من رد الفعل إلى الفعل، كما أنها يجب أن تكون النواة لمشروع سياسي وطني تقدمي طويل الأمد.
إن حجم القدرة على مواجهة هذا التحدي سيحدد إلى حد بعيد مستقبل الجبهة ودورها، فإذا استطعنا الانتقال من توافق المواقف إلى وحدة العمل، ومن نقد السياسات إلى تقديم البدائل، ومن الحضور النخبوي إلى الامتداد الاجتماعي، ومن رد الفعل إلى المبادرة، فإن الجبهة يمكن أن تصبح أحد العناوين المهمة لإعادة بناء الحياة السياسية التقدمية في مجتمعنا وبلدنا.
أما إذا بقينا عند حدود التنسيق والبيانات وردود الفعل، فإننا سنعيد إنتاج التجربة نفسها التي عانت منها قوى المعارضة لعقود؛ مواقف صحيحة في كثير من الأحيان، لكنها محدودة القدرة على تحويل هذه المواقف إلى فعل سياسي قادر على التأثير والتغيير.
إن التحدي الأكبر الماثل أمام الجبهة اليوم هو: أي أردن نريد، ومن هم الشركاء معنا، وكيف نحول هذا التصور من موقف سياسي إلى قوة اجتماعية قادرة على التغيير؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق