مفهوم الحزب لدى غرامشي: الأمير الحديث* د. توفيق شومر**عن الرفيقة "الجماهير" منصة الحزب الشيوعي الاردني
مفهوم الحزب لدى غرامشي: الأمير الحديث د. توفيق شومر**
كتاب "الأمير الحديث" هو نقاش تحليلي نقدي في كتابات ميكافيللي ومن هنا جاء الاسم، فهو منطلق من أسم كتاب ميكافيللي الشهير "الأمير". الأمير الحديث بالنسبة لغرامشي هو الحزب، ويفضل أن يكون الحزب الثوري*
قد يكون من المهم التوضيح أبتداءً أن اختيار غرامشي لاسم "الأمير الحديث" جاء لأن ميكافيللي في التراث الإيطالي يوازي في أهميته للإيطالي أهمية أبن خلدون للعربي. أي أن المشتغل في الفكر والسياسة لا يسعه أن يهمل دراسة وتحليل فكره في خضم تطور الفكر الإيطالي. فكما يعتبر أبن خلدون أبو علم الاجتماع فإن ميكافيللي يعتبر أبو علم السياسة. وهنا تكمن أهمية المقارنة التي عقدها غرامشي بين موقف ميكافيللي وموقف اليعاقبة، لكي يصل إلى ربط التراث الميكافيللي بالتراث الماركسي، ويقارن بين موقف ميكافيللي وموقف ماركس.
كتاب "الأمير الحديث" هو نقاش تحليلي نقدي في كتابات ميكافيللي ومن هنا جاء الاسم، فهو منطلق من أسم كتاب ميكافيللي الشهير "الأمير". الأمير الحديث بالنسبة لغرامشي هو الحزب، ويفضل أن يكون الحزب الثوري – حزب اليعاقبة الثوري – الحزب الذي يمكنه أن يعبر عن "الإرادة الجمعية" أو بمصطلحاتنا العربية القديمة "الإعالة المتبادلة" أو الإرادة الجمعية (collective will) والتي تصهر خلالها ملايين من "المصالح الفردية" للأفراد. إن هذه الإعالة المتبادلة لا يمكنها أن تبرز إلا من خلال مركب عضوي، مركب معقد من المجتمع، حيث يمكنه أن يبرز الإرادة الجمعية للمجتمع بشكل فعلي (دفاتر السجن، ص 323). بهذا التكوين العضوي يمكن تحطيم أسطورة الشخصية الكرزماتية للقائد الملهم ... وتتحول خصائصه المبسوطة في أمير ميكافيللي إلى خصائص الحزب الثوري.
لا بد للحزب الثوري أن يدرك أن البنية الفوقية ليست مجرد انعكاس مرآوي للبنية التحتية، فالحزب لا بد له أن يأخذ على عاتقه بناء البنية الفوقية المناسبة، فالإرادة هي التي تصنع التغيير. فلا تغيير ممكن بدون فعل ثوري مناسب. ولا بد من التبيان بأن هناك نوعان من الاحزاب يترافق معهما نوعين من التغيير. الأحزاب التقدمية والأحزاب الرجعية. ويكون الحزب تقدمياً بمقدار ما يستطيع رفع وعي الجماهير إلى مستوى القوانين الجديدة المنسجمة مع العصر. وتكون رجعية عندما تحاول أن تلجم قوى التقدم التاريخية لتحافظ على الشرائع المضادة والتي تم تجاوزها تاريخياً.
ولكي يتمكن الحزب من أن يكون ممثلاً لطبقته فيجب: 1) ألا يكون هناك تضحيات لا معنى لها 2) أن تكون خاضعة لقوانين” الإرادة الجمعية“و“روح الأمة“. وحتى أكثر الاحزاب دفاعاً عن الفردانية لا بد لها أن تخضع لهذه القوانين إذا ارادت أن تكون جماهيرية.
أما عن مفهوم إدراك روح الأمة فأنه ضروري للتواصل مع الماضي وإدراك الحاضر واستشراف المستقبل. وإدراك روح الأمة يمكّن الحزب من الوصول للجماهير بشكل مناسب، فتبني ماو تسي تونج لمقولات كونفوشيوس في المسير العظيم، وتبني كيم أيل سونج لفكرة زوتشه في كوريا ما هي إلا تمثلات لتحقيق روح الأمة من خلال الحزب الثوري ليتمكن الحزب من الوصول إلى الجماهير. وروح الأمة لا يمكن أن تتمثل إلا بمفهوم” الحزب“ الوطني المتعدي للفئوية والطائفية، وبالتالي وحتى لو تمكنت تلك الأحزاب الطائفية أو الفئوية من الوصول الجزئي إلى الجماهير فإنها لن تتمكن من تمثل روح الأمة. وهذا أيضا ينطبق على الاحزاب الفردانية المعادية للسياسة أو اللا سياسيّة تماماً كما ينطبق على الأحزاب الطائفية والفئوية، وهي نادراً ما يمكنها أن تدرك "روح الأمة". ولكن السؤال الأهم في إدرامك اللحظة التاريخية أي متى يمكننا القول بأن ظروف بعث وتطور إرادة جمعية وطنية ولها شعبيتها متوفرة؟
ويؤكد غرامشي على ضرورة أن تكون الاحزاب وطنية فهو يقول: ”يجب أن لا ننسى أنه في الصراع بين الأمم، فإنه من مصلحة كل منهم أن يتم إضعاف الآخر من خلال صراع داخلي، والاحزاب هم بالضبط وقود هذا الصراع“ (The Modern Prince, p 151) ولا بد للأحزاب أن تكون ممثلة لطبقتها السياسية، أذ أنه كما يقول غرامشي: "في لحظة معينة في حياتها التاريخية تنفصل الطبقات عن أحزابها التقليدية، وبعبارة أخرى، لم تعد تلك الاحزاب بشكلها التنظيمي الخاص وبرجالها الذين يكونونها ويمثلونها ويقودونها، معترف بها من قبل طبقتهم (أو جزء من هذه الطبقة) التي يفترض أنهم يعبرون عنها. وعندما تقع مثل هذه الأزمة، يصبح الوضع حرجاً، لأن المجال ينفسح أمام الحلول العنيفة، ونشاطات القوى المجهولة التي يمثلها ”رجال القدر“ (The Modern Prince, p 165).
ويحذر غرامشي من انسياق الأحزاب الثورية إلى أسطرة الماضي وتبني أيديولوجية "تبرز روح الأمة" فالأيديولوجية هنا بالنسبة له هي نوع من الأسطورة. فلا يجب أن يتبنى الحزب الثوري أيديولوجية بل فكراً ثورياً واقعياً. وهنا لا بد أن نؤكد بأن الخلافات الأساسية على المستوى الايديولوجي هي ليست خلافات نفسية أو اخلاقية بل هي خلافات بنيوية ومعرفية. وهو بذلك يعطي الثقافة والمعرفة مكانا محوريا في الصراع. فعلى الرغم من الاعتراف بكون الصراع هو صراع طبقي، إلى أن البعد الثقافي والمعرفي يلعب دورا بارزا في هذا الصراع. فالثقافة تنفصل بنيويا إلى ثقافة القوة السائدة وثقافة المحكوم، وتستخدم القوة السائدة العديد من الأساليب الأيديولوجية لتأبيد سيطرتها فهي تستخدم الدين، من خلال المؤسسات الدينية الرسمية، في ذلك، وتحاول أن توهم الجماهير بأن أي أفكار تحاول أن تقدم تأويل آخر للدين لا يتناسب مع ثقافة القوة السائدة على أنه محاولة لفرض أفكار "الشيطان". أي إما أن تتبنى التأويل الذي يدعم القوة السائدة أو أن يكون تأويلك شيطانياً.
وهذا ما يدفعنا للحديث عن التفسير المدرسي للماركسية والذي يعتبر أن البنية الفوقية (والتي تضم البنى المعرفية والثقافية للمجتمع) ما هي إلا انعكاس للبنية التحتية (نمط الإنتاج السائد)، ويعتقد غرامشي أن هذا القول تسطيح للعلاقات الاجتماعية وللصراع الطبقي الذي يتجاوز حدود الصراع الاقتصادي. فهو يعتقد أنه لا يوجد بنية فوقية واحدة بل جملة من البنى الفوقية التي يمكن تتبعها وعلى مستويات عدة. وبالتالي فلا بد لكي نتقن الصراع الطبقي ونتقن فن الثورة أن ندرس البعد التاريخي والثقافي بالإضافة للبعد الاقتصادي. وأي موقف يختزل الصراع إلى صراع طبقي اقتصادي، هو موقف إقتصادوي.
وفي هذا يمكن القول إن موقف غرامشي لا يبتعد عن موقف ماركس وإنجلز فنرى أن إنجلز يرد على الموقف الاقتصادوي بقوله: "يخطئ من يعتقد أنه يستطيع أن يضع التاريخ كله والسياسة كلها وحكمة الفلاسفة في جيبه، وبسعر زهيد ودون عناء، بمجرد وضع مجموعة من المعادلات ..... " التاريخ أكثر تعقيداً من اختصاره بالاقتصاد على الرغم من القناعة التامة بأن الاقتصاد هو المحرك. أذن فالصراع ليس صراع طبقي فقط، بل هو أيضاً صراع ثقافي- حضاري- اجتماعي. البقاء في بوتقة الصراع الطبقي فقط يؤدي بالضرورة إلى نوع من الاقتصادوية السياسية التي تغفل العوامل المؤثرة في التاريخ وتركز فقط على عامل واحد. أو كما يقول غرامشي: ”يخطئ البعض عندما يدافع عن الاقتصادية التاريخية لأنه يعتقد أنها الأساس للمادية التاريخية“ (كراسات السجن، ص 375).
وعليه، لا بد من تحديد العلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية بشكل دقيق لكي نتمكن من تحديد القوى المؤثرة خلال حقبة معينة. لا يمكن لأي مجتمع أن ينظم لنفسه اهدافه ما لم تكن الظروف الضرورية والكافية ناجزة أو في طريقها للتشكل على الأقل. وعليه لا بد للحزب الثوري أن يسعى لتهيئة الظروف المناسبة للتحول الثوري، وينطلق في ذلك من الإرادة الحرة للحزب الثوري. وبالتالي يمكن للحزب الثوري أن يشكل تنبؤاته ويمكن لمشاريعه أن تتحول لتكون جزءا من الواقع من خلال:
1) القناعة بأن الإنسان، وحده، إذا أراد شيء يستطيع أن يحدد العناصر التي تجعل ما يريده واقعياً.
2) والقناعة بأن الواقع هو نتاج تطبيقات مشيئة الإنسان لمجتمع الأشياء.
3) ولذلك، ومن خلال الرغبة الشديدة والمهمة يمكن للحزب الثوري أن يصقل قدرة المثقفين ويعمق القدرة على الاختراق.
وهذا يجعل من الحزب السياسي جسم عضوي يتطور وينمو باستمرار. فكما يقول غرامشي: ”أن الحزب الذي نستطيع أن نصفه بأنه متشكل بالكامل هو ذاك الحزب الذي لم يعد موجوداً“ (The Modern Prince, pp141 -142)، وعليه: فإن الحزب الذي ينادي باضمحلال الطبقات وانتهاء استغلال الانسان للإنسان لا يمكن اعتباره متشكلاً بشكل كامل إلا بتحقق اهدافه. ويناقش غرامشي الاختلاف بين الحزب التقدمي والحزب الرجعي، فهو يعتبر أن الأحزاب الرجعية تفتقد في بنيتها القدرة على دمج قدرات منتسبيه لتحقيق أهدافهم المنسجمة مع متطلبات وأهداف الحزب، بل هم يتحولون لأن يكونوا أداة مطواعة لتحقيق أهداف الحزب. في الحزب الثوري الموضوع مختلف فلا بد أن تنسجم إرادة الأفراد مع إرادة المجموع ومن خلال هذا الانسجام يتم العمل الثوري القادر على انجاز التغيير. فكيلا يتم التلاعب بالأمة وروحها لا بد للأحزاب ألا تكون لعبة للغير، بل يجب عليها أن تلعب لعبتها الخاصة وبنجاح.
وفي توصيفه للحزب الثوري يعتبر غرامشي أنه في البنية الحزبية من المهم التفريق بين المركزية الديمقراطية والمركزية البيروقراطية. فعند بناء حزب "حديدي" لا بد من أن تكون القيادة لهذا الحزب معبر عن إرادة الحزب وإرادة أفراده، وبالتالي فلا يمكن للقيادة أن تفرض موقفها على الرفاق في الحزب ما لم تقم بأقناعهم بتلك الأفكار، أو كما يقول غرامشي: ”يجب على القيادة أن تقوم بعملية اقناع للكوادر إذا كانت بالفعل تريد أن تكسب طاعتهم“.
ويحدد غرامشي شروط عملية لنجاح الحزب الثوري:
أن يكون ممثلاً لطبقته بالفعل.
أن تكون قيادته قادرة على تقديم رؤية قابلة للتحقيق: نظرية ثورية أو الفكرة الجامعة.
كوادر وسيطة تستطيع أن تنقل رؤية القيادة إلى نشاط فعال على الأرض.
وعليه ولكي يتمكن الحزب بالفعل أن يكون ممثلا لطبقته فعليه:
· ألا يكون هناك تضحيات لا معنى لها
· أن تكون خاضعة لقوانين ”الإرادة الجمعية“ و“روح الأمة“
ولا يقتصر هذه الشروط العملية على الأحزاب الثورية التي تريد الوصول إلى الجماهير، بل هو يقول أنه: "حتى أكثر الاحزاب دفاعاً عن الفردانية لا بد لها أن تخضع لهذه القوانين إذا ارادت أن تكون جماهيرية".
وبالتالي يطرح غرامشي تساؤل مهم مفاده: هل يكفي للحزب أن تكون قواعد الحزب متفقة مع قيادته وتابعة أمينة لمبادئه؟ ويجيب بالنفي، فلا يكفي الانسجام بين القيادة والكوادر ولكن الأهم هو الانسجام والوقوف مع موقف المجموعة الاجتماعية (الطبقة) التي يمثلها الحزب.
وأختم بالاستنتاج الذي يقدمه غرامشي عن الحزب بقوله:” أن تاريخ أي حزب ينطلق من علاقة معقدة تعبر عن تاريخ المجتمع والدولة والأمة".
** أستاذ الفلسفة الغربية المعاصرة – قسم الفلسفة - الجامعة الأردنية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق