بيان 17 أكتوبر فرصة أخرى ضائعة الرفيق محمد السفريوي ...في رد على بيان المكتب السياسي لحزب النهج الديمقراطي العمالي
بيان 17 أكتوبر فرصة أخرى ضائعةالرفيق محمد السفريوي
لن نتوفر على الأداة السياسية الثورية بالشعارات العاطفية أو بالسعي المحموم لنقاء نظري متسرع و مثالي ، بل نحتاج إلى مؤسسات تضبط العلاقات الداخلية، وتحمي الحقوق التنظيمية، وتدبر النزاعات وفق قواعد مشتركة. فالتنظيم ليس كتلة صماء متجانسة ، والاختلاف ليس خللا ينبغي التخلص منه، بل واقع لا مفر منه تفرضه الممارسة السياسية نفسها. لذلك، لا تقاس قوة التنظيم بغياب النزاعات، بل بقدرته على منع تحولها إلى صراعات مدمرة.
يسعفنا الأرشيف الماركسي بتجربة جديرة بالتأمل. عالج مجلس الحزب الروسي الاشتراكي الديمقراطي، الذي ساهم لينين في صياغة تصوره التنظيمي، عدداً من القضايا بين 1903 و1904. ففي 1 نوفمبر 1903، أقرّ صحة تصرفات ممثل اللجنة المركزية في مؤتمر رابطة الاشتراكيين الديمقراطيين الروس في الخارج، وأذن له بإعادة تنظيم الرابطة عبر إدخال أعضاء جدد. وفي اجتماعه بين 15 و17 يناير 1904، ناقش سبل استعادة السلم داخل الحزب وتنظيم العلاقات بين الرفاق المختلفين، وصوّت على قرار يحدد أشكال الصراع الداخلي المقبولة وغير المقبولة. كما بحث في اجتماعات مايو ويونيو 1904 قضايا تتعلق بصلاحيات الهيئات المركزية في استدعاء ممثليها من المجلس، وضم أعضاء جدد إلى اللجان، وإجراءات تصويت المنظمات على الدعوة إلى المؤتمر الثالث، ونشر محاضر اجتماعات المجلس لتعريف الأعضاء بما يجري في أعلى هيئة حزبية. وتُظهر هذه الملفات أن المجلس لم يقتصر على المصالحة، بل تناول نزاعات حول شرعية القرارات، وتوزيع الصلاحيات، وحقوق الهيئات، وشفافية الحياة الداخلية. ومع ذلك، لم يتمكن من احتواء الانقسام المتصاعد بين البلاشفة والمناشفة.
الدرس هنا: أن المؤسسة تلك ضرورية لتدبير الخلاف، لكنها لا تعوض النقاش السياسي، ولا تنجح من دون قواعد واضحة وضمانات للحياد واحترام الحقوق.
أما في حالتنا اليوم ، فبما أن التنظيم لا يتوفر فعليا على هيئة التحكيم والرقابة الحزبية، رغم التنصيص عليها صراحة كمؤسسة ضمن المؤسسات المنبثقة عن المؤتمر و في الوثائق المصادق عليها، فقد كان بالإمكان، في حالة بيان 17 أكتوبر، تشكيل لجنة وظيفية منبثقة عن أعلى مؤسسة تقريرية بعد المؤتمر، تتولى تدبير هذه الوضعية بهدوء وحكمة، وتستمع إلى مختلف الأطراف، وتفحص الوقائع، ثم تعرض خلاصات عملها على القاعدة، بما يضمن حق المناضلين في معرفة حقيقة ما يجري وتكوين موقفهم على أساس معطيات واضحة. لكن اللجوء إلى تعميم داخلي ذي طابع تحريضي، يستنفر الانفعالات ويستثير غرائز القاعدة، لا يساعد على معالجة الأزمة بقدر ما يهدد بتعميقها. فالأداة السياسية لا تبنى بدغدغة العواطف ولا بالخطاب التحريضي العفوي والغرائزي، بل بمؤسسات رزينة وعاقلة، تحترم قواعدها، وتشرح لمناضليها الوقائع والقرارات وأسبابها، وتثق في قدرتهم على الفهم والحكم. إن المناضلين ليسوا جمهورا نسعى لاستنفاره، بل رفاقا وشركاء في بناء المشروع السياسي، ومن واجب القيادة أن تقنعهم بالحجة والشفافية، لا أن تستنفرهم ضد بعضهم البعض.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق