جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

بيان الحزب الشيوعي حول موازنة عام 2027 : للتحرك وطرح المشروع السياسي والاقتصادي البديل.

 بيان الحزب الشيوعي حول موازنة عام 2027 :

للتحرك وطرح المشروع السياسي والاقتصادي البديل. 

يأتي شهر تشرين الأول هذا العام، ولبنان يعاني أزمات متعدّدة على الصعد الوطنية والسياسية والاقتصادية. وهو الشهر الذي قامت فيه منذ سبع سنوات انتفاضة 17 تشرين الوطنية والشعبية، التي عبّرت بشكل صارخ وواضح عن إرادة راسخة لتغيير النظام السياسي القائم، وإسقاط سلطة الرأسمال التي أدّت بسياساتها إلى خسارة أكثرية اللبنانيين لمداخيلهم ومدخراتهم، وتراجع الناتج المحلي، واهتراء البنى التحتية ومؤسسات الدولة الإدارية والتعليمية والصحية والإسكانية والعسكرية.

ومع استمرار هذه الأزمات، جاء العـ.ـدوان الصهـ.ـيوني على لبنان وجنوبه ليجعل الانهيار شاملًا ويزداد انحدارًا، من دون أن تقدّم الحكومات المتعاقبة الحلول الناجعة، لا بل إنّ أمعانها بسياسات التقشف وانتظار المساعدات من الخارج أدّى إلى تفاقم الأزمة بآثارها السيئة والمدمّرة على الاقتصاد والطبقات العاملة والوسطى وصغار المودعين والموظفين والمتقاعدين في القطاعين العام والخاص.

وفق هذا المسار أقرّت الحكومة الحالية موازنة 2027 من دون أن يطرأ أيّ تغيير جوهري على السياسات السابقة، رغم تردّي واقع الحال بما ينذر بانفجار اجتماعي، بالتزامن مع استمرار العـ.ـدوان الصهـ.ـيوني واحتلاله أجزاء واسعة من الجنوب وتدمير القرى والبلدات الجنوبية الحدودية، وتهجير أكثر من مليون لبناني لا يزال الجزء الأكبر منهم يواجه مستقبلًا قاتمًا ومجهولًا، إضافة إلى معاناة النزوح والإبعاد وانقطاع سبل العيش والتعلّم والصحة وفرص العمل.

هكذا يستعيد مشروع موازنة عام 2027 التوجّهات النمطية البائسة التي حكمت إنتاج الموازنات السابقة، والتي تتلخّص في الآتي: موازنة محض تشغيلية أقرب إلى تمرين حسابي بسيط منها إلى رؤية إنمائية تتصدى لمعالجة المشكلات الأساسية التي تواجه البلاد؛ إنفاق عام لا يلبي ما يستحقه العمال والأجراء والعاملون في القطاع العام والأسلاك العسكرية والمدنية والمتقاعدون؛ إنفاق اجتماعي لا يقارب حاجات اللبنانيين الذين أصبحوا تحت خط الفقر منذ أزمة 2019، ولا حاجات النازحين والمهجّرين ومتضرري الحرب العـ.ـدوانية، ووجوب توفير ما يحتاجونه من الأيواء والغذاء والدواء وبدلات الإيجار والمساعدات؛ ارتفاع متصاعد في السمة الرجعية للإيرادات العامة، حيث تواصل الضرائب والرسوم غير المباشرة تشكيلها حوالي 75% من إجمالي قيمتها، مما يلقي بأعبائها على عاتق المواطنين سواسية، بصرف النظر عن مستوى دخلهم وثروتهم وأوضاعهم في العمل؛ هشاشة قيمة وتركيبة النفقات الاستثمارية التي شُطبت منها أو أُجّلت بشكل شبه كلّي المشاريع الاستثمارية المقرّة سابقًا والمشمولة في قوانين البرامج.

إنّ الأكثر إثارة للقلق في مشروع الموازنة الجديدة هو إسقاطها أو تجاهلها لبندين أساسيين، بل مفصليين، من النفقات العامة: البند الأول: يتعلق بالمخصّصات اللازمة للشروع في معالجة الأضرار التي ألحقها العـ.ـدوان الصهـ.ـيوني المجرم بشبكات البنى التحتية والمرافق الصحية والتربوية والسياحية وأصول المؤسسات والعقارات المبنية، بما فيها أصول الإرث الثقافي؛ والبند الثاني: يتعلق بإهمال مشروع الموازنة للمطالبات المحقّة بتصحيح دوري للأجور وتعديل سلسلة الرتب والرواتب لموظفي القطاع العام والمتقاعدين في السلكين المدني والعسكري، وقد تضمّن بعض الزيادات البسيطة التي لا تدخل في صلب الراتب ولا تحافظ على قيمة الرواتب الحقيقية بعد موجات التضخم منذ 2019، متجاهلًا الواقع المعيشي المرير الذي تعيشه هذه الشريحة الواسعة من المواطنين. فالأجراء عمومًا خسروا ما بين ثلثي وثلاثة أرباع قوتهم الشرائية منذ عام 2019، وهم لا يزالون يتحمّلون فوق ذلك تبعات استمرار ارتفاع معدلات الغلاء والتضخم بفعل دولرة أسعار الاستهلاك منذ أواسط عام 2023. وقد أدّت هذه الدولرة إلى ارتفاع مؤشر أسعار الاستهلاك بأكثر من 50% بين أواسط عام 2023 وأواسط عام 2026.

لا يرد في مشروع الموازنة أيّ كلام مسؤول وجديّ عن إصلاح فعلي في النظام الضريبي ذي الطابع الرجعي، أو عن مقاربات علاجية جريئة ومتقدّمة تطال الثروات والأرباح ومخالفات الأملاك البحرية والنهرية والكسّارات، وتصاعدية الضريبة على الدخل الإجمالي الموحّد للمكلّف، ومبرّرات تخصيص مساهمات بمبالغ كبيرة لهيئات خاصة لا تتوخى الربح، فضلًا عن فوضى الإعفاءات الضريبية التي تستفيد منها المؤسسات الدينية وعدد من المتنفّذين و"كبار المكلّفين". 

وفي غياب هذه المعالجات، يواصل المواطن تسديد الضرائب مع اضطراره مكرَهًا إلى شراء الكهرباء والمياه والتعليم والاستشفاء والنقل والأمن من ماله الخاص، فيدفع بذلك مرتين: مرة للخزينة، ومرة لشركات القطاع الخاص التي يغلب على معظمها الطابع الاحتكاري المحمي من قبل "قوى الأمر الواقع". في هذا الإطار، تأتي أيضًا زيادة بدلات النقل للموظفين ودعم السائقين العموميين لفترة مؤقتة كمعالجة جزئية، بدلًا من معالجة النظام المالي في نفقاته وضرائبه، بحيث تصبح الموازنة أداة اقتصادية واجتماعية فعالة لدعم مسيرة النهوض الاقتصادي التي يتطلع إليها اللبنانيون اليوم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تقرير وزير المالية حول مشروع الموازنة، ضمن ما سُمّي "الإطار المتوسط الأجل للمسار المالي"، يعد باستمرار التقشف حتى عام 2030، بل بتكثيفه عبر تحقيق الفوائض في الموازنات المقبلة. كما أنّ مطالبة مصرف لبنان المستمرة بتحميل الدولة وخزينتها، أي الشعب اللبناني، ديونًا يعتبرها من حقه، ستضع الموازنات المقبلة تحت ضغط هذه التحويلات إذا ما وافقت الدولة على ذلك. هذان الأمران لا يستويان مع حاجات الاقتصاد في السنوات الخمس المقبلة. فبدل أن تقوم الحكومة بإعداد خطة نهوض اقتصادي – اجتماعي، فإنها تعد اللبنانيين باستمرار نهجها على ما هو عليه.

لقد تضافرت هذه التطورات والتداعيات بعد انهيار عام 2019 فيما كان اللبنانيون يؤمّلون النفس بانتقال الاقتصاد الكلّي والمالية العامة من حالة الدوران في الحلقة المفرغة بإدارة الانهيار، إلى مرحلة التعافي واستعادة النهوض الاقتصادي على طريق إعادة بناء دولة التحرّر الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، الكفيلة بوقف العـ.ـدوان وتحقيق الانسحاب الكامل لقوات الاحتـ.ـلال الصهـ.ـيوني حتى خط الهدنة من دون قيد أو شرط، والعودة والإعمار وتحرير الأسرى، وتحسين شروط معيشة اللبنانيين، وبخاصة الأجراء والفئات المتوسطة والفقيرة.

إنّ الحزب الشيوعي اللبناني يشدّد على أهمية العمل لتوحيد الجهود والطاقات الشعبية والنقابية على أساس برنامج مشترك تلتفّ حوله كافة النقابات والروابط والاتحادات العمالية والتجمعات المهنية في القطاعين العام والخاص، بما يؤمن المزيد من الضغط في خطوات التحرك على الأرض من أجل إسقاط البنود الجائرة في الموازنة، وتحقيق المطالب المحقّة. كما يتوجه الحزب إلى النواب التقدميين والديمقراطيين والمستقلين بالدعوة إلى رفع الصوت عاليًا داخل المجلس النيابي لإسقاط مشاريع استمرار التقشف التي تقف وراءها أطراف السلطة مجتمعة، كما وقفت يومها ضد الانتفاضة مدافعةً عن نظامها السياسي – الاقتصادي الذي كان ينهار، بهدف إعادة إنتاج نظامها البائد. ومن جهته، يؤكد الحزب تمسّكه بمتابعة التواصل والتحرك بكل أشكاله الديمقراطية مع سائر القوى التقدمية واليسارية والديمقراطية، لطرح المشروع السياسي والاقتصادي البديل الذي يضع لبنان فعليًا على طريق النهوض والنمو والتقدم الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

بيروت في 12-10-2026

المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *