جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل التاسع عشر) * ترجمة أحمد رباص

 دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل التاسع عشر) * ترجمة أحمد رباص 

الفصل 19

المسألة الوطنية والاستعمارية

ظهرت الحركات القومية الأولى في أوروبا الغربية، بقيادة البرجوازية في المقام الأول، وذلك في إطار صراعها ضد الفيودالية. كان الهدف الرئيسي لهذه الحركات القومية هو توحيد مساحة شاسعة من الأراضي - كانت خاضعة لحكم العديد من السادة الفيوداليين - في أمة واحدة ودولة واحدة. وقد كان هذا أمراً ضرورياً للبرجوازية من أجل خلق سوق واحدة كبيرة، وتجنب المضايقات والهيمنة التي يفرضها تعدد السادة الفيوداليين. 

وهكذا، غالباً ما اندمجت الثورة البرجوازية ضد الفيودالية مع الحركة الوطنية الرامية إلى تأسيس دولة-أمة واحدة، ليصبحا بمثابة شيء واحد. وعليه، لم تكن الحركة القومية مجرد نضال من أجل الاستقلال والتحرر من اضطهاد أمة أخرى. 

في سائر أوروبا الغربية، كانت الحالة الوحيدة التي شهدت حركة وطنية حقيقية من أجل الاستقلال هي نضال أيرلندا للتحرر من بريطانيا العظمى.

عاش ماركس وإنجلز في فترة لم تكن قد اندلعت فيها بعدُ نضالات التحرر الوطني على نطاق واسع؛ ولذا، لم يوليا اهتماماً كبيراً لتطوير النظرية الماركسية حول المسألة القومية. ومع ذلك، فقد صاغ ماركس الموقف الأساسي في ما يتعلق بـ "المسألة الأيرلندية"، داعياً البروليتاريا الإنجليزية إلى دعم النضال الوطني للشعب الأيرلندي ومعارضة اضطهاده وطنياً. 

أما المرحلة التالية من الحركات القومية فقد جاءت من أوروبا الشرقية، تزامناً مع انتشار الرأسمالية وضعف كل من الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية النمساوية المجرية.  بدأت المنظمات والحركات القومية في التوسع في جميع أنحاء أوروبا الشرقية، بما في ذلك روسيا. وكان من الضروري للحركة البروليتارية الدولية ولحزب العمال الديمقراطي الاشتراكي الروسي (POSDR) تكوين فهمٍ سليم واتخاذ موقفٍ صحيح بشأن هذه المسألة. 

في هذه الفترة، وتحديداً في عام 1913، قدّم ستالين أول طرحٍ ماركسيٍّ منهجيٍّ للمسألة القومية. وكان ستالين نفسه جورجياً، أي ينتمي إلى قوميةٍ مضطهدةٍ داخل روسيا، حيث كانت الحركة القومية تشهد نمواً سريعاً. وعليه، فقد كانت الحاجة في جورجيا مضاعفةً لتقديم الفهم الماركسي السليم وتبني الموقف السياسي الصحيح؛ وهو ما سعى ستالين للقيام به في مؤلفه الرائد: "الماركسية والمسألة القومية".

في هذا العمل، بدأ ستالين بتعريف "الأمة"، واصفاً إياها بأنها: "مجتمعٌ مستقرٌ، تشكّل تاريخياً، ويتميز بوحدة اللغة، والإقليم، والحياة الاقتصادية، والتكوين النفسي، وهو ما يتجلى في وحدة الثقافة". وقد رفض ستالين مفهوم الأمة القائم حصراً على الدين أو الثقافة - كما هو الحال بالنسبة لليهود - مؤكداً أن أي مجتمعٍ لا يُعدّ "أمةً" إلا إذا توافرت فيه جميع الخصائص المذكورة أعلاه. كما طرح ستالين مبدأ حق جميع الأمم في تقرير مصيرها؛ مشدداً على أن هذا الحق لا يمكن اختزاله في مجرد "الحكم الذاتي" أو الانضمام إلى اتحادٍ فيدرالي، كما كان يقترح بعض الأحزاب في ذلك الوقت.  

يجب أن يتضمن الحق في تقرير المصير الحق في الانفصال، أي الانفصال والوجود كدولة مستقلة. ومع ذلك، أشار ستالين إلى أن كيفية ممارسة هذا الحق تعتمد على الظروف التاريخية الملموسة في لحظة معينة. لذا، كان على الثوريين محاولة التأثير على قرار الأمة فيما يتعلق بتقرير مصيرها. وينبغي أن يستند قرار الحزب الثوري - سواء كان يتعلق بالحكم الذاتي، أو الاتحاد الفيدرالي، أو الانفصال، أو أي خيار آخر - إلى ما يحقق المصلحة الفضلى للجماهير الكادحة، ولا سيما البروليتاريا.

على الرغم من أن طرح ستالين قد أوضح الكثير من المسائل، إلا أنه ظل ناقصاً؛ إذ لم يربط المسألة القومية بالإمبريالية وبقضية المستعمرات. ولم يتحقق هذا الربط إلا بعد أن قدّم لينين تحليله للإمبريالية في عام 1916. واستناداً إلى هذا التحليل، ربط لينين مسألة "حق الأمم في تقرير مصيرها" بنضالات التحرر الوطني التي كانت تدور في البلدان المستعمرة. وبذلك، أصبحت هذه القضية تمس الغالبية العظمى من شعوب العالم، ولم تعد المسألة القومية مجرد شأن داخلي يخص دولاً بعينها تعاني من وجود قوميات مضطهدة داخل حدودها؛ بل تحولت إلى قضية عالمية، تتعلق بتحرير الشعوب المضطهدة في كافة البلدان والمستعمرات التابعة من وطأة الإمبريالية.

وهكذا، عندما طرح لينين في عام 1916 "أطروحاته حول الثورة الاشتراكية وحق الأمم في تقرير مصيرها"، شملت هذه الأطروحات جميع بلدان العالم. وقد صنّف لينين دول العالم إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

أولاً: البلدان الرأسمالية المتقدمة في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية. وهي الأمم المهيمنة التي تمارس الاضطهاد ضد أمم أخرى، سواء في المستعمرات أو داخل حدودها الوطنية. وتتمثل مهمة البروليتاريا في هذه الأمم المهيمنة في معارضة الاضطهاد القومي، ودعم النضال الوطني للشعوب التي تضطهدها طبقاتها الحاكمة الإمبريالية.  

ثانياً، أوروبا الشرقية، ولا سيما روسيا. تتمثل مهمة البروليتاريا في هذه البلدان في رفع شعار حق الأمم في تقرير مصيرها. وفي هذا السياق، تكمن المهمة الأصعب - والأكثر أهمية في الوقت ذاته - في الربط بين النضال الطبقي للعمال في الأمم المهيمنة والنضال الطبقي للعمال في الأمم المضطهدة.

ثالثاً، البلدان شبه الاستعمارية - مثل الصين وبلاد فارس وتركيا - وجميع المستعمرات، التي كان يبلغ مجموع سكانها آنذاك مليار نسمة. وفيما يتعلق بهذه البلدان، يرى لينين أنه لا ينبغي للاشتراكيين الاكتفاء بالمطالبة بالتحرير الفوري وغير المشروط للمستعمرات ودون أي تعويض، بل يجب عليهم أيضاً تقديم دعم حازم لحركات التحرر الوطني في تلك البلدان، ومساندة الثورات والحروب الثورية ضد القوى الإمبريالية التي تضطهدها.

كانت هذه هي المرة الأولى في الحركة الاشتراكية الدولية التي يُتخذ فيها موقفٌ واضحٌ للغاية بشأن المسائل الوطنية والاستعمارية. وقد أثار ذلك، بطبيعة الحال، نقاشاتٍ وحالةً من الارتباك؛ إذ طُرِحت تساؤلاتٌ حول ما إذا كان دعمُ حق تقرير المصير والتحرر الوطني يتعارض مع الأممية البروليتارية. 

قيل حينها إن الاشتراكية تهدف إلى دمج جميع الأمم. ورغم اتفاق لينين على أن هدف الاشتراكية هو القضاء على انقسام البشرية إلى دولٍ صغيرة، وتقريب الأمم من بعضها، بل ودمجها في نهاية المطاف، إلا أنه رأى أن تحقيق هذا الهدف عبر "الدمج القسري" للأمم أمرٌ مستحيل. فمثل هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مرحلةٍ انتقاليةٍ تتسم بالتحرر الكامل لجميع الأمم المضطهدة؛ أي منحها حرية الانفصال. 

وحين عرض لينين برنامج الحزب عام 1917، قال: "نحن نسعى إلى تحقيق اتحادٍ طوعي (حر)، ولهذا السبب يجب علينا الاعتراف بحق الانفصال. فبدون الحق في الانفصال، لا يمكن وصف الاتحاد بأنه حر". 

كان ذلك هو النهج الديمقراطي للبروليتاريا إزاء المسألة الوطنية، وهو نهجٌ يقف على النقيض من سياسة البرجوازية القائمة على الاضطهاد القومي والضم القسري للأراضي.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *