جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

المرشحة للرئاسيات ناتاشا بولوني تشخص الأزمة الراهنة في فرنسا وتقترح لها حلولا

المرشحة للرئاسيات ناتاشا بولوني تشخص الأزمة الراهنة في فرنسا وتقترح لها حلولا

*احمد رباص

ترى ناتاشا بولوني، المرشحة المستقلة، أن الأزمة التي تمر بها فرنسا حالياً هي "انهيار" شامل، تلخصه في أربعة مصطلحات تبدأ بحرف "I" (بالفرنسية): العجز (Impuissance)، وانعدام الوضوح/الغموض (Illisibilité)، وانعدام المسؤولية (Irresponsabilité)، والعجز عن التفكير (Incapacité à penser).

في مداخلة لها عبر إذاعة "فرانس إنتر" (France Inter) للإعلان عن ترشحها للانتخابات الرئاسية لعام 2027، تحدثت الصحفية والكاتبة - التي تتبنى نهجاً سيادياً - بتفصيل عن أبعادا متعددة لهذه الأزمة:

الأزمة الاجتماعية والتعليمية: أشارت بولوني إلى وجود تصدع عميق في المجتمع، وتزايد في أعمال العنف، وحالة من الضيق يعاني منها طلاب المدارس الثانوية والجامعات؛ وعزت ذلك إلى "كذبة مؤسسية" تتعلق بالقيمة الحقيقية لشهادة البكالوريا وآليات التوجيه الدراسي (عبر منصة "باركورسب" - Parcoursup).

الأزمة الاقتصادية وأزمة السيادة: لفتت الانتباه إلى "فقدان فرنسا لمكانتها تماماً"، وتراكم ديون عامة ضخمة، وتراجع القاعدة الإنتاجية، فضلاً عن المعاناة الشديدة التي يواجهها القطاع الزراعي الفرنسي في ظل منافسة دولية غير عادلة.

إخفاق الطبقة السياسية: ترى بولوني أن القادة الذين تعاقبوا على الحكم خلال العقود الثلاثة الماضية قد فشلوا، وأنهم باتوا يرتضون بـ "ديمقراطية الأقلية"، ويضعون المواطنين أمام خيارات اضطرارية (مثل جولة انتخابية ثانية تبدو مسدودة الأفق أو بلا مخرج).

وللخروج من هذا المأزق، دعت بولوني، زعيمة حركة "نحن فرنسا (Nous sommes la France) إلى ضرورة وجود "دولة استراتيجية"، وإعادة توطين الإنتاج والمشتريات العامة داخل فرنسا، وحشد من تصفهم بـ "يتامى السياسة"

بالنسبة لـ "ناتاشا بولوني"، فإن الاحتجاجات التي يقوم بها طلاب المدارس الثانوية وما صاحبها من تجاوزات مؤخراً ليست مجرد "نوبات غضب" عابرة مرتبطة بفصل الربيع؛ بل هي تعبير عن معاناة نفسية حقيقية، تسبب فيها نظامٌ آثرَ الوهمَ على الحقيقة.

في ظل عمليات إغلاق المدارس الثانوية والجامعات، وما يصاحب ذلك من قلقٍ بشأن منصة "باركورسب" (Parcoursup) وحالة من التخبط في صفوف المعلمين، استعرضت ناتاشا بولوني - التي أعلنت يوم الأربعاء عن ترشحها للانتخابات الرئاسية - مقترحاتها حول هذا الملف في تصريحات لإذاعة "سود راديو" (Sud Radio).

في معرض حديثها عن المخاوف التي تتركز حول منصة "باركورسب" (Parcoursup) - المخصصة لتسجيل الطلاب في التعليم العالي - نددت المعلمة السابقة بما تصفه بـ "كذبة مؤسسية شاملة"، قائلة: "ما يسبب لكم هذه المعاناة هو أنهم كذبوا عليكم لعقود طويلة؛ إذ منحوكم درجاتٍ لم تعد تعكس أي واقع، وقدموا لكم شهادة بكالوريا فقدت قيمتها تماماً، ووجهوكم نحو مساراتٍ دراسيةٍ نعلم يقيناً أنها لا تفضي إلى أي فرص عمل". 

ترى ناتاشا بولوني أن تحركات طلاب المدارس الثانوية وما صاحبها من تجاوزات مؤخراً ليست مجرد "نوبات مزاجية" عابرة مرتبطة بفصل الربيع، بل هي تعبير عن معاناة نفسية حقيقية، تسبب فيها نظامٌ فضّل الوهم على الحقيقة.

وفي معرض تحليلها لجذور الاحتجاجات - التي نشأت بشكل خاص في منطقة «سين-سان-دوني» - أشارت الكاتبة إلى التوجيه الخاطئ والمجافي للمنطق الذي يُدفع إليه الشباب نحو مسارات مهنية أو تقنية في قطاع الخدمات، وهي مسارات تعاني من تشبع تام؛ إذ تقول: «إن 50% من شهادات البكالوريا المهنية تتركز في قطاع الخدمات، بينما لا تتجاوز نسبة الحصول على وظائف في هذا المجال 30%. وهذا يعني أننا نوجه الشباب نحو مسارات نعلم يقيناً أنها لا تفضي إلى شيء. لذا، يجب إغلاقها!»

وترى الكاتبة - التي أصدرت مؤخراً كتاب «فرنسا، جسداً وروحاً» (La France, corps et âme) - أن هذا المأزق التعليمي يقترن بمأزق اقتصادي واجتماعي شامل. فبين بطالة الشباب، وأزمة السكن، وضغوط الذكاء الاصطناعي، وتراجع قيمة الشهادات العلمية، يواجه الشباب شعوراً بالعبثية؛ حيث تصف الوضع قائلة: «كل هذا منافٍ للمنطق تماماً. إنه طريق مسدود لا أفق فيه».

في صلب الأزمة التي يعاني منها النظام المدرسي، يبرز الوضع الحرج للهيئة التعليمية. وترفض ناتاشا بولوني حصر المشكلة في مجرد التغيب عن العمل، منددةً بما يتعرض له المعلمون من إهمال على المستويين المادي والمعنوي، حيث تقول: "الأمر لا يتعلق بالتغيب، بل بأزمة مأساوية في الرغبة في ممارسة مهنة التعليم... يجب العمل على ألا يظل المعلمون في وضعٍ مهمشٍ داخل مجتمعنا، وألا يظلوا عرضةً لتهديدات أولياء أمورٍ عدوانيين، بل ينبغي أن يحظوا بدعم مؤسستهم التعليمية. لن نتمكن من معالجة أزمة العزوف عن هذه المهنة ما لم نمنح أجراً عادلاً لأولئك المنوط بهم نقل المعرفة".

وإلى جانب العامل المالي، توجه ناتاشا بولوني انتقاداً مباشراً للنموذج التربوي الذي جرى ترسيخه على مدى سنوات في معاهد تكوين المعلمين. وانطلاقاً من تجربتها الشخصية كمعلمة، تنتقد بولوني شعاراتٍ تبدو منفصلة تماماً عن واقع الميدان، قائلة: "لقد مارستُ التدريس، ومررتُ عبر أحد معاهد تدريب المعلمين حيث أخبرني المكونون بأن 'اللجوء إلى العقاب يُعد فشلاً في أسلوبك التربوي'، وبأن 'لديكِ الكثير لتتعلميه من تلاميذك، أكثر مما لديهم ليتعلموه منكِ'. لذا، لا بد من تصحيح كل هذه المفاهيم".

وترى الكاتبة أن نتيجة هذا التخلي عن الدور التربوي والانضباطي هي عجز بعض الشباب عن التحكم في اندفاعاتهم. وفي معرض إشارتها إلى حالة مراهق في الخامسة عشرة من عمره اعتدى على امرأة باستخدام رذاذ وولاعة - مبرراً فعلته أمام الشرطة بأنه كان "تحت تأثير الأدرينالين" - تعرب الكاتبة عن استنكارها الشديد قائلة: "إنه أمر مروع حقاً (...) فنحن نواجه منذ عقود ظاهرة البالغين غير المسؤولين؛ إذ أصبح المربون، في كثير من الأحيان، يفتقرون إلى المسؤولية. ينبغي على الوالد أن يتقبل تحمل عبء إحباط طفله؛ أي أن عليه أن يقول له 'لا'، وهو أمرٌ ليس بالأمر الهين أو الممتع (...) ومع ذلك، فقد سمحنا - شيئاً فشيئاً - بترسيخ حالة من انعدام المسؤولية على نطاق واسع؛ حيث لم يعد أحدٌ مسؤولاً عن أي شيء".

وفي ما يتعلق برفع الرواتب بنسبة تتراوح بين 20% و30% بهدف استقطاب أفضل للكفاءات والحفاظ عليها، تقترح ناتاشا بولوني إعادة تنظيم وقت العمل من خلال احتساب كافة المهام التربوية، مع منح زيادة ملموسة في الأجور؛ حيث تقول: "علينا التوصل إلى اتفاق معهم يقضي باحتساب مهام أخرى تتجاوز مجرد الوقت الذي يقضونه أمام التلاميذ... وفي المقابل، نقوم بزيادة الرواتب بنسبة تتراوح بين 20% و30%. فهذا هو المعمول به في الدول المتقدمة عندما نرغب في ضمان نجاح النظام التعليمي".

وترى بولوني أيضاً أنه ينبغي على الدولة تقديم المزيد من الدعم المؤسسي، وتضيف قائلة: "إن أول تصريح ينبغي أن يصدر عن رئيس الجمهورية أو وزير التربية الوطنية هو التأكيد على أن المؤسسة ستدعم المعلمين مهما كانت الظروف، وأنه لا يحق لأي ولي أمر الاعتراض على قرار يتخذه المعلم".

فيما يتعلق بكيفية التعامل مع العناصر المشاغبة، تطرح ناتاشا بولوني فكرة محددة: إنشاء مراكز مغلقة للحالات التي تشهد انحرافاً خطيراً. تقول: "عندما يصل الأمر بشباب في الثانية أو الثالثة عشرة من عمرهم إلى شتم معلميهم، يكون الوقت قد فات بالفعل. لذا، بالنسبة لهؤلاء، لا بد من وجود مراكز خاصة. أنا أؤيد إنشاء مراكز تربوية مغلقة -تكون فعالة حقاً- مخصصة للشباب الذين بدأوا في الانحراف؛ إذ لا بد من إخراجهم من بيئتهم الحالية".

في ختام حديثها، تشدد الصحفية على ضرورة معاقبة أعمال الجنوح والتخريب بحزم، وفقاً لمبدأ "من يُخرب يتحمل التكلفة". وتؤكد قائلة: "يجب معاقبة من يقومون بالتخريب"، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق البالغين الذين يتولون الحكم والتربية. وتضيف: "إذا كان البالغون يتحملون مسؤوليتهم، فسيُدفع الشباب بدورهم إلى تحمل مسؤولياتهم. إن إعادة الأمل إلى شبابنا تبدأ، قبل كل شيء، بأن نوضح لهم كيف سنعمل على النهوض بالبلاد اقتصادياً".

في الختام، تجدر الإشارة إلى أن ناتاشا بولوني غالبًا ما توصف بأنها ذات توجه سيادي جمهوري قريب من اليسار، لا يسهل وضعها ضمن التصنيف التقليدي لليسار أو اليمين. وهي تؤكد على استقلال فرنسا في قراراتها، وتقوية الإنتاج والصناعة المحليين، ودور الدولة والخدمات العامة، مع انتقاد العولمة والليبرالية الاقتصادية. كما تشدد على المدرسة والعلمانية والهوية الجمهورية المشتركة.



هذا أحدث مقال.
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *