جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

بحر البلطيق ومضيق هرمز: موقع الجغرافيا البحرية في الصراع الدولي! د. طنوس شلهوب

 بحر البلطيق ومضيق هرمز: موقع الجغرافيا البحرية في الصراع الدولي!

د. طنوس شلهوب
عندما قال فلاديمير بوتين إن روسيا لا ترغب في أن يشهد بحر البلطيق وضعاً مشابهاً لما يحدث في مضيق هرمز، لم يكن يقارن بين منطقتين بحريتين مختلفتين جغرافياً فحسب. كان يوجه رسالة سياسية إلى أوروبا وحلف شمال الأطلسي، مفادها أن تحويل الممرات البحرية إلى أدوات للضغط والحصار قد يفتح الباب أمام مواجهة تتجاوز بكثير حدودها الجغرافية المباشرة.
لفهم خلفية هذا التصريح، لا بد من العودة إلى الاتصال الهاتفي الذي جرى في 27 أكتوبر بين بوتين من جهة، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب ورئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره من جهة أخرى.
جاء الاتصال بمبادرة من الزعيمين الفنلندي والنرويجي، في إطار التشاور مع أوكرانيا ونقل رسائل مباشرة إلى موسكو بشأن الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب واستئناف المفاوضات. وكان الزعيمان قد التقيا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أوسلو يوم 20 أكتوبر، كما جاء الاتصال في سياق التحضيرات لاستئناف المحادثات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في أبو ظبي.
ومن الأمور اللافتة أن ستوب وستوره حرصا على توضيح أنهما يتحدثان باسم بلديهما، لا باسم الاتحاد الأوروبي أو أوروبا مجتمعة. وأكدا استمرار دعمهما لأوكرانيا، مع التشديد على ضرورة إنهاء الحرب والعودة إلى المفاوضات. ووصف ستوب الحديث بأنه صريح وجوهري، فيما ركز ستوره على أهمية خفض التصعيد.
قد يبدو الاتصال، للوهلة الأولى، مجرد مبادرة دبلوماسية في سياق الحرب الأوكرانية، لكنه يحمل دلالة أوسع. فنحن أمام دولتين تجاوران روسيا، وتنتميان في الوقت نفسه إلى حلف الناتو، تختاران فتح قناة اتصال مباشرة مع بوتين، بعد سنوات من التراجع الحاد في التواصل بين موسكو ومعظم العواصم الأوروبية. وهذا بحد ذاته يعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار المواجهة لا يلغي الحاجة إلى الحوار، وأن أمن أوروبا لا يمكن التعامل معه بمعزل عن علاقاتها مع روسيا.
بوتين، من جانبه، تلقف المبادرة بإيجابية، وأشاد بخطوة الزعيمين، معتبراً أن من حق الدول الأوروبية استعادة علاقاتها مع موسكو، سواء على المستوى الثنائي أو من خلال الاتحاد الأوروبي. لكنه لم يفصل هذا الانفتاح عن لغة التحذير والردع. فقد أكد أن روسيا مستعدة للحرب إذا فُرضت عليها، لكنها لا تريدها، محذراً من أن أي مواجهة تتجاوز حدوداً معينة لن يكون فيها منتصر.
في هذا المناخ السياسي جاء حديثه عن بحر البلطيق ومضيق هرمز.
وليس اختيار هرمز اعتباطياً. فهذا المضيق يشكل أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم، وتعطيل الملاحة فيه لا يقتصر تأثيره على الدول المطلة عليه، بل يمتد إلى أسواق النفط والغاز والتجارة الدولية. وقد أظهرت التطورات المرتبطة به أن السيطرة على ممر بحري ضيق يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط توازي امتلاك ايران لقنبلة نووية.
أما بحر البلطيق، فله حسابات مختلفة، وإن كانت لا تقل أهمية. فهو منفذ حيوي للتجارة والطاقة الأوروبية والروسية، ومن خلال موانئه، ولا سيما بريمورسك وأوست لوغا، تصدر روسيا قسماً مهماً من نفطها إلى الأسواق الخارجية. لذلك، فإن أي قيود جدية على حركة السفن الروسية في هذا البحر لن تكون مجرد مسألة تنظيم للملاحة، بل قد تتحول إلى ضغط مباشر على الاقتصاد الروسي وصادراته.
وتزداد حساسية المنطقة بعد انضمام فنلندا إلى الناتو عام 2023، ثم السويد عام 2024. فقد أدى ذلك إلى تغيير ملموس في ميزان القوى، وأصبحت معظم الدول المطلة على البلطيق أعضاء في الحلف، باستثناء روسيا. وهذا يضع موسكو أمام واقع استراتيجي أكثر تعقيداً في أحد منافذها البحرية المهمة.
وهنا تبرز قضية ما يعرف بـ«أسطول الظل» الروسي، وهو مجموعة من ناقلات النفط التي تعتمد ترتيبات مختلفة في الملكية والتشغيل والتأمين، بما يسمح لروسيا بمواصلة تصدير نفطها رغم العقوبات الغربية. وقد كثفت دول أوروبية إجراءات مراقبة هذه السفن، وطرحت أفكاراً لتشديد التفتيش والقيود على عبورها.
من وجهة النظر الروسية، لا تتعلق المسألة هنا بالعقوبات وحدها، بل بما يمكن أن تؤول إليه هذه الإجراءات إذا تجاوزت حدود الرقابة القانونية وأصبحت وسيلة لتعطيل الصادرات أو منع السفن من الوصول إلى وجهاتها. عندها لن تعود المسألة مجرد تطبيق للعقوبات، بل ستقترب من فرض حصار اقتصادي باستخدام الجغرافيا البحرية.
ولا يمكن فصل ذلك عن التوتر المتزايد حول أمن الكابلات البحرية ومنشآت الطاقة والاتصالات في البلطيق، ولا عن تعزيز الوجود العسكري للناتو في المنطقة. فالمواجهة لم تعد محصورة في حرية الملاحة التجارية، بل امتدت إلى البنية التحتية الاستراتيجية، واحتمالات التخريب، والردع العسكري، وما قد ينتج من ذلك من تصعيد متبادل.
من هنا يمكن فهم استحضار بوتين لمضيق هرمز. فهو لا يقول بالضرورة إن بحر البلطيق مقبل على السيناريو نفسه، وإنما ينبه إلى أن الممرات البحرية، مهما اختلفت مواقعها وظروفها، يمكن أن تتحول من طرق للتجارة إلى نقاط اختناق وأدوات ضغط في الصراع بين الدول.
وإذا كان تعطيل الملاحة في هرمز يهدد إمدادات الطاقة العالمية، فإن تحويل البلطيق إلى ساحة للمواجهة أو التضييق على حركة السفن فيه لن يقتصر ضرره على روسيا. فالتجارة والطاقة الأوروبية والروسية متداخلتان، وأي تصعيد واسع في المنطقة ستكون له انعكاساته على الطرفين، وإن اختلفت طبيعة المصالح وحجم الخسائر.
لذلك يمكن قراءة الرسالة الروسية في اتجاهين متلازمين: تحذير من تحويل الرقابة البحرية والعقوبات إلى حصار فعلي للمنافذ الروسية، وفي الوقت نفسه إبقاء الباب مفتوحاً أمام استعادة العلاقات مع أوروبا، ولكن على أساس الاعتراف بالمصالح الأمنية والاقتصادية الروسية. موسكو تلوّح بكلفة التصعيد، لكنها لا تغلق باب التفاوض.
غير أن المسألة لا تتوقف عند الحسابات الروسية والأوروبية. فما نشهده يكشف جانباً من التحولات الجارية في النظام الدولي، حيث لم تعد الجغرافيا منفصلة عن الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والقوة العسكرية. فالممرات البحرية، وخطوط إمداد الطاقة، والكابلات وشبكات الاتصال، كلها أصبحت عناصر أساسية في الصراع على النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوى.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: القوى الغربية التي بنت جانباً كبيراً من نفوذها العالمي على حرية التجارة والملاحة، تستخدم اليوم العقوبات والرقابة والتحكم في الممرات البحرية أدوات للضغط على خصومها. وفي المقابل، تحاول الدول الواقعة تحت العقوبات توظيف مواقعها الجغرافية وقدراتها العسكرية لمواجهة هذا الضغط والحد من آثاره.
لا يعني ذلك أن الطرفين يتبنيان الموقف نفسه أو أن أدواتهما متطابقة، لكنه يكشف كيف أصبحت حرية الملاحة، التي يفترض أن تكون مبدأً عاماً، جزءاً من التنافس على القوة والمصالح.
ما يجري في مضيق هرمز، وما قد يتطور في بحر البلطيق، ليسا مجرد حادثتين منفصلتين. إنهما يعكسان واقعاً دولياً تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الاقتصاد والسياسة والأمن، وتتحول فيه الجغرافيا البحرية من مجرد ممر للتبادل التجاري إلى عنصر فاعل في الصراع على النفوذ. فالمسألة لم تعد فقط من يسيطر على الأرض، بل أيضاً من يستطيع التحكم في طرق العبور، ومصادر الطاقة، وشرايين الاقتصاد العالمي.



هذا أحدث مقال.
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *