دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل العشرون) * ترجمة وتقديم أحمد رباص
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل العشرون) * ترجمة وتقديم أحمد رباص
الفصل 20
حياة ستالين وإسهاماته الثورية حتى ثورة عام 1917
في السنوات الأولى التي تلت ثورة أكتوبر، تولى لينين الإشراف المباشر على كافة شؤون الدولة والحزب. وفي غشت 1918، تعرض لمحاولة اغتيال على يد أحد أعضاء "حزب الاشتراكيين الثوريين"، أصيب خلالها برصاصتين في جسده. ورغم الضعف الذي ألمّ به جراء هذا الاعتداء، واصل لينين العمل وفق جدول زمني صارم، لم يترك له سوى ثلاث أو أربع ساعات من النوم ليلاً.
بدأ هذا الإجهاد المفرط يؤثر بشكل خطير على صحته، ولا سيما على دماغه. فمنذ أواخر عام 1921، بدأ يعاني من صداع شديد ونوبات دوار أخذت تؤثر على أدائه لعمله. وفي ماي 1922، أصيب بنوبة سببت له شللاً في ذراعه وساقه اليمنى، وأثرت على قدرته على الكلام. ومنذ تلك اللحظة وحتى وفاته، ورغم محاولاته للتعافي والعودة إلى العمل، لم يعد قادراً على القيام بدورٍ فاعلٍ ومؤثر. وقبيل إصابته بتلك النوبة، وتحديداً في أبريل 1922، انتخبت اللجنة المركزية ستالين أميناً عاماً للحزب. وهكذا، تولى ستالين قيادة الحزب خلال فترة مرض لينين، واستمر في ذلك بعد وفاته في 21 يناير 1924.
كان "ستالين" (التي تعني "الرجل الفولاذي") هو الاسم الحزبي الأكثر شيوعاً لجوزيف فيساريونوفيتش دجوغاشفيلي، الذي وُلد في 21 ديسمبر 1879 في مدينة "غوري" الصغيرة بجورجيا؛ وهي منطقة كانت آنذاك تمثل قومية مضطهدة داخل الإمبراطورية الروسية (أما اليوم، فتُعد جورجيا دولة مستقلة). وكان والداه من سلالة أقنان (فلاحين تابعين للإقطاعيين)، وكانا فقيرين وأميين.
بعد بضع سنوات من تحرره من عبودية أحد ملاك الأراضي، غادر والد ستالين قريته - الواقعة بالقرب من تفليس، عاصمة القوقاز (وهي منطقة نائية من الإمبراطورية الروسية كانت تضم جورجيا وعدة قوميات أخرى مضطهدة) - في عام 1875. وأسس متجراً صغيراً للإسكافة في مدينة غوري، التي كانت بمثابة مركز إداري إقليمي. ومع ذلك، لم يتمكن من كسب ما يكفي من المال، فترك زوجته وطفله ليذهب للعمل في مصنع للأحذية في تفليس، حيث توفي هناك عام 1890.
ونظراً لأن والد ستالين لم يكن يشارك كثيراً في الأعمال المنزلية، فقد تولت والدته، إيكاترينا، مسؤولية رعايته وتربيته. كانت تعمل لساعات طويلة في غسل الملابس، وكان دخلها يغطي كافة نفقات المنزل. وقبل إنجاب ستالين، كانت قد أنجبت ثلاثة أطفال، لكنهم جميعاً توفوا بعد ولادتهم بفترة وجيزة. ولأنه كان ابنها الوحيد الذي بقي على قيد الحياة، فقد بذلت جهوداً مضنية ليتلقى تعليما ذا جودة؛ ورغم فقرها المدقع، لم تدفعه للعمل كما كان مألوفاً في ذلك الوقت.
وفي سن التاسعة، ألحقت إيكاترينا ابنها ستالين بمدرسة كنسية محلية. كما بذلت هي نفسها جهوداً كبيرة، وتعلمت القراءة والكتابة في مرحلة متأخرة من حياتها. وهكذا، كانت إيكاترينا نموذجاً رائعاً للشجاعة والإصرار الذي تتحلى به الجماهير الكادحة.
عاش ستالين تجربة الفقر منذ طفولته. كان منزله يتألف من غرفتين صغيرتين للغاية، استُخدمتا كمخزن وورشة ومسكن في آنٍ واحد. ورغم أن ستالين كان قوي البنية ومتين الجسم، إلا أنه أصيب بمرض الجدري في سن السادسة أو السابعة، مما ترك ندوباً على وجهه لازمته طوال حياته. كما عانى من عدوى في الدم كادت تودي بحياته، وتسببت في إصابة ذراعه اليسرى بعجز دائم.
وخلال السنوات الخمس التي قضاها في مدرسة "غوري"، لفت الأنظار بذكائه وذاكرته الاستثنائية. وفي تلك الفترة، تعرّف ستالين لأول مرة على الأفكار العقلانية، وبدأ في اتخاذ موقف معارض للدين. كما بدأ بكتابة الشعر، متأثراً بالأدب والشعر الجورجي الذي كان يحمل نزعات قومية قوية. وفي غضون تلك السنوات، تملّك ستالين شعورٌ قوي بضرورة النضال ضد الظلم الاجتماعي واضطهاد شعبه.
ونظراً لفقره المدقع، كان من المستحيل عليه مواصلة تعليمه العالي؛ غير أن مدير المدرسة والكاهن المحلي رشّحاه لنيل منحة دراسية باعتباره "أفضل طالب". وقد أتاح له ذلك مواصلة دراسته، بدءاً من أكتوبر 1894، في أرقى مؤسسة للتعليم العالي في القوقاز، وهي "المعهد اللاهوتي" (مؤسسة تعليمية لإعداد الكهنة الأرثوذكس) في تفليس. لقد كانت السنوات الخمس التي قضاها ستالين في هذا المعهد مرحلة تكوينية حاسمة مهدت الطريق لتحوله لاحقاً إلى الماركسية.
كانت جورجيا، إبان شباب ستالين، تعيش حالة دائمة من الاضطراب. كان أحد مصادر الاضطراب هو الروح المتمردة لدى الفلاحين، حيث تأخر إلغاء نظام العبودية لديهم حتى بعد أن أُلغي في روسيا. أما المصدر الآخر فكان التدفق المستمر للأفكار الثورية القادمة من روسيا؛ إذ كانت الحكومة القيصرية تتبع نهجاً طويل الأمد يتمثل في نفي أعداد كبيرة من المتمردين والثوريين - بمن فيهم أولئك المنحدرون من أوساط برجوازية - إلى منطقة القوقاز. وفي وقت لاحق، شملت قائمة المنفيين هؤلاء عمالاً ماركسيين ثوريين، أمثال كالينين - الذي أصبح فيما بعد رئيساً للاتحاد السوفيتي - وأليلوييف، وهو أحد المنظمين البلشفيين ووالد زوجة ستالين.
في عامه الأول، انكبّ ستالين على قراءة شتى أنواع الأدبيات الراديكالية. وكان عليه القيام بذلك سرّاً، نظراً لأن معظم الكتب غير الدينية ذات الطابع السياسي كانت محظورة تماماً داخل المعهد اللاهوتي. وفي تلك الفترة، نُشرت قصائده - التي اتسمت بطابع سياسي وراديكالي - لأول مرة في مجلة جورجية بارزة، وذلك تحت اسم مستعار. كما تواصل ستالين، وهو في الخامسة عشرة من عمره، مع حلقات دراسية ماركسية سرية.
وسرعان ما وُضع ستالين تحت المراقبة من قِبل إدارة المعهد، بل ووُضع في زنزانة عقابا له بسبب قراءته لمؤلفات محظورة. وفي تلك الآونة تقريباً، انضم إلى حلقة نقاش سرية داخل المعهد؛ مما أدى إلى تكثيف أنشطته، وبالتالي تكرار صداماته مع إدارة المعهد.
وفي غشت عام 1898، وهو في الثامنة عشرة من عمره، انضم ستالين إلى "ميسامي داسي" (المجموعة الثالثة) - وهي أول جماعة اشتراكية في جورجيا - والتي أصبح قادتها فيما بعد من أبرز شخصيات تيار "المناشفة". وقد نُقل عن ستالين قوله لاحقاً: "لقد أصبحت ماركسياً بحكم وضعي الاجتماعي (فقد كان والدي عاملاً في مصنع للأحذية، وكانت أمي عاملة أيضاً)، وكذلك... لأن التعصب القاسي والانضباط الصارم - على الطريقة اليسوعية - قد سحقاني بلا رحمة داخل المعهد اللاهوتي... لقد كان الجو الذي عشت فيه مشحوناً بالكراهية ضد الاضطهاد القيصري".
خارج أسوار المعهد، في مدينة تفليس، كانت صفوف العمال تشهد حالة من الغليان؛ إذ شهدت تلك السنوات اندلاع أولى الإضرابات العمالية في منطقة القوقاز. فور انضمامه إلى "ميسامي داسي" (Mesame Dasi)، كُلِّف ستالين بتأسيس حلقات دراسية للعمال. وقد نفذ ذلك من خلال عقد اجتماعات سرية في معاقل العمال، مستغلاً أوقات فراغه القليلة التي كان يحصل عليها بعيداً عن المعهد اللاهوتي. وفي تلك الأثناء، كانت إدارة المعهد تترقب الفرصة المناسبة للتخلص منه؛ وبالفعل، تم طرده من المعهد في ماي 1899، بذريعة تغيبه عن الامتحانات. غير أن هذا الطرد لم يؤثر كثيراً على أنشطة ستالين الثورية.
فبعد فترة وجيزة قضاها مع والدته في مدينة غوري، عاد إلى تفليس ليواصل عمله في تنظيم العمال وتوعيتهم من خلال التواجد بينهم. وفي ديسمبر 1899، التحق بوظيفة موظف في المرصد الجيوفيزيائي في تفليس. ورغم أن هذا العمل كان زهيد الأجر، إلا أنه لم يكن يتطلب وقتاً طويلاً، ووفر في الوقت ذاته غطاءً مثالياً للإفلات من قبضة الشرطة السرية القيصرية.
تحت هذا الغطاء، واصل ستالين توسيع أنشطته. وفي العام التالي، 1900، نظّم أول احتفال بعيد الأول من ماي في القوقاز وألقى كلمةً فيه. ونظراً للقمع القيصري، اضطر المشاركون في هذا التجمع - الذي بلغ عددهم 500 شخص - إلى عقده في الجبال المطلة على تفليس، بدلاً من المدينة. وقد كان هذا اللقاء حدثاً مفعماً بالحماس، أدى بدوره إلى اندلاع إضرابات في المصانع وعلى خطوط السكك الحديدية خلال الأشهر اللاحقة، وكان ستالين أحد المنظمين الرئيسيين لها.
في العام الموالي، تقرر تنظيم مظاهرة بمناسبة قاتح ماي بشكل علني في قلب تفليس، لكن أُلقي القبض على القادة الرئيسيين في مارس 1901. كما خضعت غرفة ستالين للتفتيش، غير أنه كان قد تمكن من الفرار. ومنذ ذلك اليوم وحتى نجاح الثورة عام 1917، عاش ستالين حياة ثوريٍّ محترفٍ يعمل في السر. تمثلت مهمته الأولى في استعادة زمام قيادة التنظيم، وتولي تنظيم وإدارة فعاليات الأول من ماي رغم فقدان القادة الرئيسيين. وقد نجح في ذلك؛ إذ نُظمت مظاهرة تاريخية شارك فيها 2000 شخص، وذلك على الرغم من الاعتقالات والهجمات العنيفة التي شنتها الشرطة.
شهدت سنوات ستالين الأولى في التنظيم الاشتراكي نقاشاتٍ محتدمة حول "الاقتصادوية" (التركيز الحصري على المطالب الاقتصادية) وقضايا أخرى. وداخل التنظيم الجورجي، وقف ستالين دائماً ضد الانتهازيين، مصطفاً إلى جانب الجناح اليساري. منذ بدايات صحيفة "إيسكرا" (Iskra)، أصبحت مجموعة ستالين من أشد المؤيدين لها، وكانت أول من تولى توزيعها في تفليس. وسرعان ما أطلقوا، في سبتمبر 1901، صحيفةً سريةً باللغة الجورجية حملت اسم "بردزولا" (Brdzola) - أي "النضال". وكان ستالين أحد محرريها الرئيسيين، حيث كتب فيها مقالات عديدة تدعم نهج "إيسكرا". ومن بين هذه المقالات، اكتسب مقالٌ بعنوان "الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي ومهامه العاجلة" - الذي نُشر في ديسمبر 1901 - أهميةً خاصةً.
وفي نوفمبر 1901، انتُخب ستالين لعضوية اللجنة الاشتراكية الديمقراطية في تفليس، التي كانت آنذاك الهيئة القيادية الفعلية لمنطقة القوقاز بأكملها. وفور انتخابه، أُرسل إلى باتومي، وهي مدينة صغيرة يبلغ عدد سكانها 25 ألف نسمة، وكانت تمثل مركزاً ناشئاً للصناعة النفطية، وترتبط عبر خط أنابيب بمدينة باكو النفطية الأكبر والأقدم. وبسرعة، تمكّن ستالين من تشكيل لجنة للمدينة مستغلاً مناسبة الاحتفال برأس السنة كغطاءٍ لذلك. كما أنشأ مطبعةً سريةً داخل الغرفة الوحيدة التي كان يقيم فيها. وقد نُشرت العديد من الكراسات السياسية، مما أدى سريعاً إلى اندلاع نضالات عمالية. وفي إحدى هذه المواجهات، أطلقت الشرطة النار على تجمّعٍ للعمال، مما أسفر عن مقتل خمسة عشر عاملاً. وقد جرت كل هذه الأنشطة رغم معارضة الاشتراكيين المحليين الذين تحولوا لاحقاً إلى "مناشفة".
في نهاية المطاف، وبعد أربعة أشهر ونصف فقط قضاها في باتومي، أُلقي القبض على ستالين في أبريل 1902 أثناء اجتماع سري للجنة باتومي؛ ومع ذلك، لم تُكتشف المطبعة السرية. وخلال فترة وجوده في باتومي، اتخذ ستالين واحداً من أسماء حركية عديدة عُرف بها طوال السنوات الكثيرة التي قضاها في العمل بمنطقة القوقاز. فقد أطلق على نفسه اسم "كوبا" — وهي كلمة تعني باللغة التركية "الذي لا يُقهر" أو "المنيع" — وكان هذا الاسم يعود لبطل شعبي ورد ذكره في إحدى قصائد كاتبٍ كان من المفضلين لدى ستالين في شبابه.
قضى ستالين عاماً ونصف العام في سجون مختلفة. وقد حافظ فيها على انضباط صارم؛ فكان يستيقظ مبكراً، ويعمل بجد، ويقرأ كثيراً، كما كان أحد أبرز المشاركين في النقاشات داخل "كومونة" السجناء. وعُرف أيضاً بين رفاقه بكونه صبوراً ومرهف الحس ومتعاوناً. وبعد انتهاء فترة سجنه، وفي ظل غياب أي تهمة يمكن إثباتها ضده، أُبعد مجدداً في نوفمبر 1903 إلى شرق سيبيريا. وخلال وجوده في السجن، وتحديداً في مارس 1903، انتُخب عضواً في الهيئة التنفيذية لـ "الاتحاد القوقازي العام للمجموعات الاشتراكية الديمقراطية" الذي كان قد تشكّل حديثاً. ونظراً لكون انتخاب سجينٍ في إحدى اللجان أمراً نادراً للغاية، فإن هذه الواقعة تعكس مدى الأهمية التي كان يحظى بها ستالين داخل التنظيم القوقازي. وقد تزامن نفي ستالين إلى سيبيريا مع اندلاع الحرب الروسية اليابانية؛ فاستغل ستالين ورفاقه حالة الارتباك السائدة ليتمكنوا من الهرب فور وصولهم تقريباً إلى سيبيريا. وبحلول نهاية يناير 1904، كان قد عاد بالفعل إلى تفليس.
وفور عودته، طُلب من ستالين اتخاذ موقف بشأن القضايا التي أدت إلى الانقسام بين البلاشفة والمناشفة. كان غالبية الاشتراكيين في القوقاز من المناشفة، بينما كان العديد من البلاشفة يميلون إلى التوصل لتسوية. ورغم هذه الأغلبية الكبيرة للمناشفة، اتخذ ستالين موقفاً حاسماً وسريعاً إلى جانب لينين والبلاشفة.
بدأ الكتابة في صحافة الحزب الجورجي لدعم الخط البلشفي بقوة. وفي مقاله الأول، كتب أن الحزب هو «مجموعة مناضلة من القادة»، وأنه «يجب أن يكون منظمة متماسكة ومركزية». قادته مواقفه السياسية القوية إلى التواصل مع لينين، الذي طلب - وهو في الخارج - الحصول على نسخ من مقالاته. وإلى جانب المعركة الأيديولوجية ضد المناشفة، كان ستالين منخرطاً بعمق في النضالات الثورية التي كانت تتصاعد في جميع أنحاء البلاد في سياق ثورة عام 1905، حيث كانت منطقة القوقاز هي ساحة نشاطه الرئيسية.
وبالإضافة إلى مشاركته في تنظيم إضرابات العمال، شرع ستالين على الفور في التنفيذ العملي لدعوة البلاشفة للتحضير لانتفاضة مسلحة؛ فأصبح المنظم الرئيسي والمُلهم والموجه للتنظيم العسكري في القوقاز. كما أُنشئ مختبر سري وفعال للمتفجرات.
من خلال هذه النضالات، تشكلت عدة مفارز قتالية شاركت في العديد من الانتفاضات، حيث هاجمت العصابات المسلحة التابعة للطبقة الحاكمة، وحافظت على صلات مع مجموعات الفلاحين المسلحة (حرب العصابات). وفي المرحلة اللاحقة، التي شهدت تراجع الثورة، وحين واجه الحزب نقصاً حاداً في الأموال، استُخدمت بعض أفضل هذه المفارز القتالية لتنفيذ عمليات كبرى وجريئة بهدف جمع الأموال. كما لعب ستالين دوراً جوهرياً في بناء وتوجيه هذا الفرع التقني شديد السرية التابع للحزب.
كتب ستالين عدة مقالات خلال تلك الفترة يشرح فيها المقاربة الماركسية للانتفاضة.
وفي ديسمبر 1905، شارك في أول مؤتمر للبلاشفة على مستوى روسيا، حيث تقرر بناء الوحدة مع المناشفة. وهنا التقى بلينين لأول مرة. كما شارك في "مؤتمر الوحدة" في أبريل 1906، حيث كان البلشفي الوحيد من بين المندوبين الأحد عشر القادمين من القوقاز، بينما كان الباقون جميعاً من المناشفة. وبالمثل، كان هو البلشفي الوحيد من القوقاز الذي شارك في مؤتمر عام 1907.
وفي كلا المؤتمرين، كانت إحدى نقاط النقاش تتمحور حول القرارات التي طرحها المناشفة وتروتسكي، والتي دعت إلى حظر العمليات المسلحة وعمليات الاستيلاء على الأموال.
ومع ذلك، ظل القوقاز المركز الرئيسي لمثل هذه العمليات؛ إذ يُقدر أنها بلغت نحو 1150 عملية من هذا النوع بين عامي 1905 و1908. وفي أواخر عام 1907، انتُخب ستالين عضواً في لجنة باكو.
كانت هذه المدينة النفطية، التي تضم 50 ألف عامل من جنسيات وأديان مختلفة، تشهد استغلالاً قاسياً للعمال. نجح ستالين في توحيد العمال بسرعة، مؤسساً بذلك مركز النضال الوحيد خلال الفترة القاتمة التي اتسمت بسياسات "ستوليبين" الرجعية. واتخذ ستالين هوية جديدة، وأقام في الحي المسلم من المدينة،
حيث أنشأ أيضاً مطبعة سرية. وفي تلك الفترة، بدأ ستالين الكتابة باللغة الروسية لأول مرة.
في عام 1908، أُلقي القبض على ستالين، لكنه واصل كتابة المقالات وتوجيه أنشطة الحزب من داخل السجن. وفي عام 1909، نُفي مجدداً، لكنه تمكن من الهرب في أقل من أربعة أشهر. عاد ستالين ماراً عبر سانت بطرسبرغ، حيث وقف على حالة التخبط وانعدام التنظيم في قيادة الحزب بالعاصمة. وأثناء عودته إلى باكو، كتب باستفاضة عن الأوضاع الراهنة، ودعا إلى إصدار صحيفة على مستوى روسيا بأكملها من داخل البلاد. كما دعا لاحقاً إلى نقل المركز القيادي العملي للحزب إلى داخل روسيا. وبعد أشهر من العمل المكثف في باكو وكتابة المقالات للصحيفة الحزبية التي كانت تصدر في الخارج، اعتُقل ستالين مرة أخرى في مارس 1910. وبعد قضاء أشهر في السجن، نُفي مجدداً إلى سيبيريا، حيث بقي حتى يونيو 1911. وفي هذه المرة، ونظراً لمنعه من العودة إلى القوقاز أو أي مدينة كبرى، استقر في بلدة تقع بالقرب من سانت بطرسبرغ وموسكو. غير أنه اعتُقل مرة أخرى في غضون أقل من شهرين. وبعد بضعة أشهر قضاها في السجن، أُطلق سراحه مجدداً، لكن فُرض عليه العيش خارج المدن الكبرى.
في تلك الفترة، قام أول "لجنة مركزية" للبلاشفة - التي انتُخبت في يناير 1912 خلال مؤتمر البلاشفة - بضم ستالين إلى عضويتها في أول اجتماع لها. وكان من بين المهام الأولى التي تولاها ستالين، بعد أن أصبح عضواً في اللجنة المركزية، إصدار العدد الأول من الصحيفة اليومية البلشفية "برافدا". غير أنه اعتُقل مجدداً على الفور تقريباً. وبعد قضاء ثلاثة أشهر في السجن وشهرين في المنفى بسيبيريا، تمكن من الهرب مرة أخرى. وصل إلى سانت بطرسبرغ في الوقت المناسب تماماً لقيادة الحملة الانتخابية لعضوية "الدوما". ورغم أن البلاشفة لم يفوزوا سوى بستة مقاعد، إلا أن ذلك كان يمثل 89٪ من العمال الصناعيين.
في أواخر عام 1912 ومطلع عام 1913، قضى ستالين بضعة أسابيع في الخارج، حيث التقى بلينين ورفاق آخرين وأجرى معهم نقاشاتٍ مفصلة. وخلال تلك الفترة، ألّف كتابه النظري الشهير "الماركسية والمسألة القومية". عاد ستالين إلى سانت بطرسبرغ في فبراير 1913، لكنه تعرض للخيانة في غضون أقل من أسبوع على يد عضو آخر في اللجنة المركزية يُدعى مالينوفسكي، والذي كان عميلاً للشرطة السرية القيصرية. وكان هذا العميل قد خان أيضاً عضواً آخر في اللجنة المركزية، وهو سفيردلوف. نُفي كل من ستالين وسفيردلوف إلى أكثر مناطق سيبيريا عزلة، حيث كان الهروب أمراً بالغ الصعوبة. وضع لينين خطة محكمة لتنظيم هروبهما، لكن هذه الخطة وُضعت عبر العميل السري ذاته؛ وبدلاً من تنفيذها، قام هذا العميل بتشديد الرقابة على أعضاء اللجنة المركزية. وهكذا، اضطر ستالين للبقاء في المنفى لأربع سنوات طويلة، حتى اندلاع الثورة البرجوازية في فبراير 1917، التي أدت إلى الإطاحة بالنظام القيصري. وفي تلك اللحظة، سُمح له بالعودة إلى سانت بطرسبرغ، حيث وصل في 12 مارس 1917. ومنذ ذلك الحين، وحتى وصول لينين في شهر أبريل، تولى ستالين قيادة مركز الحزب.
إذا ما نظرنا إلى الحياة السياسية لستالين في العشرين عاماً التي سبقت الثورة، تبدو نموذجاً للشجاعة، ونكران الذات، والتفاني، والتمسك بقضية الثورة. فإلى جانب سنوات السجن والنفي الطويلة، عاش ستالين - في أغلب الأوقات - حياة سرية، مع بقائه على تواصل وثيق ومباشر مع الجماهير. ونظراً لهذه الحياة الشاقة والمكرسة بالكامل للقضية، لم يكن لديه متسع من الوقت ليعيش "حياة خاصة". كان زواجه الأول في شبابه من إيكاترينا سفانيدزه، شقيقة أحد رفاقه الاشتراكيين في معهد "تيفليس" الديني. وقد أنجبا ابناً تولى والدا إيكاترينا تربيته بعد وفاتها خلال ثورة عام 1905. أما زواج ستالين الثاني فكان من ناديجدا أليلويفا، ابنة أحد رفاقه العمال المقربين. كانت تربطه علاقات وثيقة بعائلتها، التي دأبت على إرسال طرود تحتوي على الطعام والملابس والكتب إليه خلال فترات نفيه. ومع ذلك، لم يتم هذا الزواج الثاني إلا بعد أن أُرسل كلاهما إلى مدينة "تساريتسين" (التي أُعيد تسميتها لاحقاً بـ "ستالينغراد") خلال الحرب الأهلية، التي تلت ثورة أكتوبر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق