حين تنتصر استقلالية القرار على الحسابات الانتخابية.. فلا خوف على سيادة البلاد!كاعودي أحمد
حين تنتصر استقلالية القرار على الحسابات الانتخابية.. فلا خوف على سيادة البلاد!
قنبلة من العيار الثقيل زلزلت وزارة الداخلية الفرنسية، فجرتها الصحيفة الاستقصائية "ميديابارت" (Mediapart)؛ فبحسب مدير الصحيفة، إيدي بلانيل، تلقت الأجهزة الأمنية تعليمات من أعلى هرم السلطة —كشف عنها ضابط أمني رفيع المستوى للصحيفة دون الكشف عن هويته— تقضي بإلصاق تهم أعمال النهب والتخريب والعنف التي شهدتها بعض شوارع المحافظات الفرنسية بحزب "فرنسا الأبية" (La France insoumise). تهمة أدرك الرئيس الفرنسي خطورتها فعجل بنفيها في خطابه القصير مساء الأحد.
إن تداعيات نجاح المسيرة المليونية، وما رافقها في المسيرة المقابلة من تخريب ونهب بسبب تقصير وزارة الداخلية في ضبط الأمن والتقدير الخاطئ لحجم المشاركين، دفعت وزير الداخلية إلى تقديم استقالته التي رفضها الرئيس إيمانويل ماكرون كالمعتاد.
والهدف من هذا التشويه —حسب ما هو متداول في الأوساط الإعلامية والسياسية— هو فرملة الصعود المتسارع لنسب ترشح زعيم اليسار جان لوك ميلانشون إلى الدور الثاني وفوزه المحتمل في الانتخابات الرئاسية. غير أن العملية أتت بنتيجة عكسية على الجهة التي خططت لها؛ إذ ارتفعت أسهم "جان لوك ميلانشون" في استطلاعات الرأي، وكان السعي وراء هذا الاتهام الفج يهدف إلى التأثير على الناخبين الفرنسيين قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، بغية ترجيح كفة اليمين المتطرف (التجمع الوطني RN) في مواجهة التحالف اليميني الحاكم.
لقد أتيت بهذا الحدث لأبين، أولاً، الدور الحيوي للسلطة الرابعة، وخاصة الصحافة الاستقصائية، في كشف خبايا العمل السياسي. وثانياً، لإظهار يقظة الضمير واستقلالية القرار —وإن كانت نسبية— لدى بعض المسؤولين الفرنسيين، حتى وإن كانوا يشغلون مراتب أمنية حساسة؛ فحين تتعارض المصالح الوطنية مع التعليمات الفوقية، يحتكم هؤلاء إلى روح القوانين الديمقراطية. وشتان بين ما حدث ليهز فرنسا بأسرها، وما يقع في الدول الاستبدادية!
كاعودي أحمد — القنيطرة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق