عن حوار المهدوي مع عرشان.. علي انوزلا
عن حوار المهدوي مع عرشان.. علي انوزلا
من حق الصحفي محاورة من يشاء، حتى لو كان شخصاً ارتبط اسمه بجرائم التعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. بل على العكس، تعتبر محاورة المتهمين بارتكاب أبشع الجرائم قد تكون عملاً صحفياً بالغ الأهمية، إذا كان هدفها البحث عن الحقيقة وكشف ما ظل مخفياً، وليس منح المتهم فرصة لتبييض ماضيه وإعادة كتابة التاريخ على مقاس روايته.
ولنا في التجارب الدولية أمثلة كثيرة. فقد حاور صحفيون مسؤولين عن جرائم ضد الإنسانية، بل وعن الإبادة الجماعية، لكن الفرق أن تلك الحوارات كانت نتيجة البحث والتوثيق والتحقيق، ولم تكن مجرد جلسات يُترك فيها المسؤول عن الجرائم يسرد روايته دون مساءلة أو تدقيق.
هنا يكمن اعتراضي المهني والأخلاقي على الحوار الذي أجراء الزميل والصديق المهدوي مع الكومسيرعرشان، الذي بدا لي، في جوانب أساسية منه، حواراً لم يُحضَّر له بما يكفي من البحث والتوثيق، فاختل فيه ميزان المعرفة بين الصحفي وضيفه، ووجد عرشان أمامه فرصة واسعة لبسط روايته الخاصة عن الماضي، دون أن يواجه بما يكفي من الوقائع والشهادات والوثائق التي تسمح للمشاهد باختبار صدقيتها.
لقد بدا الصحفي، في تقديري، ضعيفاً أمام ضيفه، بل وخاضعاً أحياناً لنوع من الهيمنة المعنوية التي مارسها عليه محاوره، وهذه ليست مسألة شكلية تتعلق بشخصية المهداوي أو بأسلوبه في إدارة الحوار، وإنما بموازين القوة داخل المقابلة. فالصحفي الذي يواجه مسؤولاً أمنياً سابقاً، ارتبط اسمه في شهادات حقوقية بسنوات الرصاص، يحتاج إلى معرفة دقيقة بالملفات والأحداث والأشخاص والتواريخ، حتى لا يتحول من محاور يسائل ضيفه إلى مستمع يكتفي بتلقي روايته.
والأخطر، في نظري، ما تعلق بالرسالة المتداولة والمنسوبة إلى المعتقل السياسي السابق جمال بنعمر، والتي تضمنت اتهامات لعرشان بوجوده في أحد مراكز التعذيب خلال سنوات الرصاص. فقد اعتمد المهدوي على هذه الرسالة في مواجهة ضيفه، رغم أنها رسالة غير صحيحة البتة، وقد نفى بنعمر أية صلة بها، بحسب ما علمت. وهذا خطأ مهني، لأن أبسط قواعد الصحافة تفرض التحقق من الوثائق وصحة نسبتها إلى أصحابها قبل استخدامها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باتهامات خطيرة تمس أشخاصاً ووقائع تاريخية حساسة.
وما زاد من ضعف الحوار، في تقديري، أن جزءاً مهماً منه انصرف إلى سؤال عرشان عن آرائه في أحداث وأشخاص ومواقفه من قضايا سياسية وشخصية، بينما كان السؤال الجوهري الذي يبرر استضافته، في هذا السياق تحديداً، هو ماضيه الأمني وما نُسب إليه من انتهاكات. فما القيمة الصحفية المضافة في معرفة رأي عرشان في هذا السياسي أو ذاك، إذا لم نعرف أولاً حقيقة دوره في مرحلة ما زالت جراحها مفتوحة في ذاكرة ضحاياها؟
كان بإمكان المهدوي أن يجعل من الحوار وثيقة تاريخية مهمة، لو استعد له بملفات الضحايا وشهاداتهم، وما ورد في تقارير الهيئات الحقوقية، وما نُشر من شهادات مسؤولين أمنيين سابقين، وما هو متاح من وثائق هيئة الإنصاف والمصالحة.. وكان بإمكانه أن يواجه ضيفه بالتناقضات، وأن يطلب منه توضيحات دقيقة، وأن يمنحه في الوقت نفسه كامل الحق في الدفاع عن نفسه ونفي الاتهامات الموجهة إليه.
وهنا لا بد من التأكيد أن الاتهام ليس إدانة، وأن الصحفي ليس قاضياً، ولا يُطلب منه إصدار الأحكام. لكن من واجبه التحقق من الوقائع، والتمييز بين الشهادة والادعاء والحقيقة المثبتة، وعدم السماح لأي طرف، سواء كان ضحية أو مسؤولاً سابقاً عن أجهزة القمع، بأن يفرض روايته دون تمحيص.
لذلك، فإن دفاع المهدوي عن حقه في إجراء الحوار، باسم حرية الصحافة والتعبير، دفاع مشروع من حيث المبدأ، لكنه لا يجيب عن الأسئلة المهنية والأخلاقية التي يثيرها مضمون المقابلة وطريقة إدارتها. فحرية الصحافة لا تعفي الصحفي من مسؤولية التحضير والتحقق والتدقيق والمساءلة، ولا تمنحه حصانة من النقد. كما أن انتقاد الحوار ليس دعوة إلى الرقابة أو الوصاية، بل ممارسة للحرية نفسها التي يستند إليها الصحفي للدفاع عن عمله.
أكتب هذا النقد دفاعاً عن الصحافة، لا انتقاصاً من حق المهدوي في ممارستها، ولا تشكيكاً في مهنيته أو نواياه. فالمشكلة ليست في أنه حاور عرشان، وإنما في أنه، في تقديري، لم يحاوره بما يكفي من المعرفة والصرامة المهنية اللتين تقتضيهما خطورة الاتهامات المنسوبة إليه.
ولأن الأمر يتعلق بذاكرة جماعية مثقلة بالتعذيب والاختفاء القسري والإفلات من العقاب، فإن المسؤولية الأخلاقية تصبح ثقيلة، لأن الضحايا أو من بقي منهم عل قيد الحياة سيجدون أنفسهم أمام رواية جديدة لماضيهم، يكتبها من تُنسب إليهم مسؤولية الانتهاكات التي ما زالوا يحملون آثارها على أجسامهم وفي نفوسهم.
الصحافة لا تحاكم الأشخاص، لكنها تحاكم الروايات بالوقائع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق