رقصة الجلّاد الأخيرة !جمال بودمة
رقصة الجلّاد الأخيرة !جمال بودمة
مَن شاهد مقابلة محمود عرشان مع حميد المهداوي يتأكد أن كوميسير تيفلت مازال يتمتع ب"الفانت"، رغم أنه بلغ من العمر عتيا. طريقته في الكلام ونظراته وضحكاته، تدل على أن جلاد سنوات الجمر مازال في كامل عنفوانه، وإن كان يختبئ تحت جلابة البرلماني، وقناع السنين المحفورة على وجهه.
الطريقة التي يتوجه بها إلى مُضيفِه تقول كل شيء : إذا لم يعجبه السؤال يحدجه بنظرة حادة، ويصمت قليلا، ثم يهجم عليه بنبرة واثقة، دون أن يرفع صوته، مع ابتسامة ساخرة أو قهقهة من حين لآخر.
ولا نعرف مَن كان ينتزع الاعترفات من الآخر، لكن المؤكد أن عرشان تحكّم في الجلسة، بحكم التجربة، واستطاع بثّ الرعب لدى محاوره. يبدو أن نبرته البوليسية ذكّرت المهداوي بسنوات السجن، مما أفقده الثقة في نفسه، وجعله يطلب السلة بلا عنب، وأصبح كل همه تفادي غضب الجلاد. وحين أثير إسم عبد الحميد أمين ومصطفى براهمة قال له الكوميسير: "انت ما كتعرف والو، أنت متعاطف معهم"… وتغيرت ملامح وجهه، وكاد يستعطفه كي لا يكتب ذلك في المحضر !
واضح أن خبرة عرشان البوليسية أربكت المهداوي، لدرجة جعلته يشعر أنه بين يدي الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وليس في الاستوديو الذي تعود أن يسجل فيه فيديوهاته، وقضى وقته في التبرير والتوضيح والاعتذار، بدل طرح الأسئلة.
كان ينوي عرض فيديو أحمد البخاري، عميل "الكاب1"، الذي يتهم الكوميسير بالإشراف على تعذيب المعتقلين السياسيين، بأبشع الأساليب، لكنه أحجم عن ذلك بعد أن نهَره عرشان…
من الصعب أن نسمي اللقاء مقابلة صحافية، لأنه يفتقد لأبسط مقومات الحوار الصحفي، لكنه يثبت، بما لا يدع مجالا للشك، أن عرشان كان جلادا في سنوات الجمر، إذ يكفي أن نشاهد كيف أفزع معتقلا سابقا، "زغبه" الله وحاوره، كي نتأكد أن الاتهامات الموجهة إليه صحيحة !
الحوار يحضر فيه التوجس والارتباك، وتغيب عنه الدقة والجدية، لدرجة أن المحاوِر طلب رأي الجلاد في عبد الرحمان اليوسفي وعبد الإله بنكيران وقي عدد من القضايا، كأنه محمد حسنين هيكل…
لم يحاكم الكوميسير عرشان على جرائمه في درب مولاي الشريف وبقية المعتقلات السرية والعلنية، لذلك مازال يتحدى الحقوقيين وعائلات الضحايا، وينفي عن نفسه تهمة التعذيب، كأننا سنصدقه ونكذب إبراهيم الحلاوي وأبراهام السرفاتي، وبقية ضحاياه.
عام 2002، في حديث مع "لوموند" ذكر السرفاتي اسم محمود عرشان ضمن الجلادين الذين تورطوا في تعذيبه عام 1972. الكوميسير أرسل تكذيبا لليومية الفرنسية، ينفي الاتهام، بحجة أنه ما بين 1970 و1973 كان يدرّس بمعهد الشرطة في الجديدة. "لوموند" نشرت رد عرشان وتواصلت مع السرفاتي، الذي أوضح لها أن وجود الكوميسير في معهد الجديدة لا يتنافى مع ترأسه مصلحة الشرطة القضائية في الرباط، وإشرافه على جلسات التعذيب، ثم أرسل زعيم "إلى الأمام" بيانا الى اليومية الفرنسية بتاريخ 27 أكتوبر 2002، جاء فيه:
"أستطيع أن أشهد بأنني تعرضت للتعذيب داخل مقر المصلحة الحضرية للشرطة القضائية بالرباط، في أواخر يناير 1972، حين كان محمود عرشان يشغل منصب رئيس المصلحة الجهوية للشرطة القضائية بالرباط، الموجودة في المبنى نفسه، وكان المسؤول الأول عن الفرع التابع لها، أي المصلحة الحضرية المذكورة.
كما أستطيع أن أشهد بأن شقيقتي إيفلين تعرضت بدورها للتعذيب داخل المقر نفسه، في مطلع أكتوبر 1972، حين كان محمود عرشان لا يزال يشغل المنصبين نفسيهما. وقد توفيت شقيقتي بعد ذلك بسنتين، وكان للتعذيب الذي تعرضت له دور في وفاتها"…
الوقاحة التي يتحدث بها محمود عرشان تحت قبة البرلمان وفي وسائل الإعلام، تكشف هشاشة مسلسل "الإنصاف والمصالحة"، التي قدمت خلاصاته للملك قبل أكثر من عشرين سنة. العمل الجبار الذي أنجزه إدريس بنزكري ورفاقه، بكل ما تضمنه من تحقيقات ومحاضر وجلسات استماع وتعويض للضحايا، يكشف اليوم عن حدوده وقصور مقاربته، خصوصا ما يتعلق بالصفح عن الجلادين دون الكشف عن أسمائهم، وإدانتهم ولو على المستوى الرمزي.
مقاربة الصفح دون محاكمة هي ما يجعل جلادا ورد اسمه في أكثر من قضية، يتبجح اليوم أمام المغاربة، و"يتبورد" في مجلس المستشارين، بدل أن يستر نفسه، ويتحاشى الأضواء.
الصفحة طويت دون أن تقرأ كلّها عام 2004، لذلك عاد شخص مثل محمود عرشان ليتصدر المشهد ويبصق على جثث الضحايا في 2026 !


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق