وداعاً الرفيق محمد جدي… في القلب غُصّة وطن
وداعاً الرفيق محمد جدي… في القلب غُصّة وطن
وداعاً يا رفيق…
خبرنا الكفاح الطلابي، وخبرتنا ساحات الجامعة ومدرجاتها، ومنابر الحوار ومواقع المواجهة.
خبرتنا حركة المعطلين، وخبرتنا المسيرات والوقفات الاحتجاجية، وصفوف المناضلين الذين حملوا أحلامهم البسيطة والكبيرة، ومشوا بها في دروب شاقة، مؤمنين بأن الكرامة حق، وأن النضال من أجلها ليس ترفاً، بل قدر الذين اختاروا الانحياز إلى الإنسان.
وخبرنا الموت والمرض، وعرفنا قسوة الحياة حين تختبر صلابة الأجساد، لكنها لا تستطيع أن تنتزع من الأرواح عنادها، ولا أن تطفئ في العيون بريق الإيمان بالقضايا العادلة.
شهمٌ وعصيٌّ أنت يا رفيق…
مشاكسٌ وشرسٌ في معارك المبدأ، صلبٌ حين يتعلق الأمر بالقناعات، لا تهادن في ما تؤمن به، ولا تتراجع بسهولة أمام العواصف. كنت من أولئك الذين لا يمرّون في ساحات النضال مرور العابرين، بل يتركون في الذاكرة أثراً، وفي الوجدان بصمة، وفي مسار الحركة النضالية درساً في الصمود والإباء.
وداعاً يا محمد جدي…
أيُّ وجعٍ هذا الذي يتركه رحيلك؟ وأيُّ غصّةٍ هذه التي تسكن القلب حين نعلم أن صوتاً ألفناه في المداخلات والنقاشات، في رحاب الحركة الطلابية، وفي ميادين المسيرات والمعارك النضالية، قد خفت إلى الأبد؟
ما زالت نبرات صوتك ترنّ في أذهان رفاقك، وما زالت كلماتك ومواقفك تستعيد حضورها في الذاكرة، وربما حتى في ذاكرة من خالفوك الرأي ونازلوك في ساحات النقاش. فثمة مناضلون، يا رفيق، لا يختلف الناس بالضرورة حول أفكارهم ومواقفهم، لكنهم يعترفون بصدق حضورهم، وبشجاعة انحيازهم، وبأنهم عاشوا أوفياء لما آمنوا به.
لم تكن المعارك التي خضتها مجرد محطات عابرة في سيرة شخصية؛ كانت فصولاً من حكاية جيلٍ آمن بأن الجامعة فضاءٌ للتحرر والوعي، وأن الدفاع عن حقوق المعطلين معركةٌ من أجل الكرامة الاجتماعية، وأن الانحياز إلى المقهورين ليس شعاراً يُرفع عند الحاجة، بل موقفٌ يُختبر في الميدان، في لحظات الشدة والانكسار، حين يتراجع الكثيرون ويختار آخرون البقاء في الصفوف الأمامية.
رحلتَ يا رفيق، لكنك تركت وراءك سيرةً لا تختزلها لحظة الموت، وذاكرةً لا يمحوها الغياب. فالأجساد ترحل، أما ما يتركه أصحابها من مواقف وذكريات وأثر في حياة الآخرين، فيظل حاضراً، يستيقظ كلما استعاد الرفاق حكايات النضال، وكلما ارتفع صوتٌ مطالباً بالحق، وكلما وقف شابٌّ أو شابة في وجه الظلم، مؤمنين بأن عالماً أكثر عدلاً وكرامةً ممكن.
ستظل أيقونةً تنحت أبجديات النضال والصمود والإباء، وشاهداً على زمنٍ لم يكن فيه النضال طريقاً مفروشاً بالورود، بل اختياراً شاقاً، تتقاطع فيه الأحلام مع الخيبات، والعزيمة مع الألم، والأمل مع قسوة الواقع.
ولأننا نعرف أن الوفاء للراحلين لا يكون بالبكاء وحده، بل أيضاً بصون الذاكرة ومواصلة الدفاع عن القضايا التي عاشوا من أجلها، فإن رحيلك يضعنا أمام سؤالٍ موجع: كيف نحفظ ما تبقى من أحلام جيلٍ ناضل كثيراً، وتحمّل كثيراً، ودفع من صحته وأعصابه وأعمار أبنائه أثماناً باهظة؟
وداعاً يا رفيق محمد جدي…
وداعاً، وفي القلب غصّةُ وطنٍ لم ينصف أبناءه كما ينبغي، وغصّةُ رفاقٍ كانوا يأملون أن يجمعهم بك لقاءٌ آخر، ونقاشٌ آخر، ومعركةٌ أخرى من معارك الحياة.
وداعاً، يا من ستظل حاضراً في الذاكرة كلما استعدنا الجامعة وساحاتها، وكلما تردّد صدى الهتافات في الشوارع، وكلما تذكّرنا وجوه الذين تقاسموا معنا الخبز والأمل والتعب، واختاروا، رغم كل شيء، ألا ينحنوا.
إلى زوجتك وأبنائك وأسرتك الكريمة، إلى رفاق دربك وكل من أحبّوك وعرفوا فيك الإنسان والمناضل، أصدق عبارات العزاء والمواساة. نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته، وأن يلهم أهلك وذويك الصبر والسلوان.
نم قرير العين يا رفيق…
فقد رحلتَ عن أعيننا، لكنك لن ترحل من ذاكرتنا. وسيظل اسمك محفوراً في وجدان رفاقك، وفي سجل أولئك الذين جعلوا من أعمارهم مساحةً للدفاع عن الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.
وداعاً محمد جدي…
وداعاً أيها الرفيق الشهم، العنيد، النبيل.
سلامٌ على روحك، وسلامٌ على دربٍ مشيتَه، وسلامٌ على كل حلمٍ تركتَه أمانةً في أعناقنا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق