حين يظن صاحب البرج أنه أصبح مالك الأجنحة!نجمة سطاتي
حين يظن صاحب البرج أنه أصبح مالك الأجنحة!
حين تتحول المسؤولية التنظيمية إلى سلطة للتفتيش والترصدهل وصلت بك الوقاحة إلى حد التفتيش في مواقف الرفيقات والرفاق، والتربص بخطواتهم، وإحصاء أنفاسهم، وكأنك حارس على أبواب قلعة، تمنح صكوك الرضا لمن يدخلها، وتوزع صكوك الاتهام على من يرفض الانحناء عند عتبتها؟
أم أن سنوات الجدران العالية تركت في مخيلتك مفاتيح وأقفالًا، حتى صرت ترى في كل رفيق ملفًا، وفي كل اختلاف تهمة، وفي كل موقف مستقل عصيانًا يستوجب التأديب؟
ولعل أغرب ما في الحكاية أن بعض من يتقنون اليوم عدّ خطوات الآخرين، سبق لهم أن وجدوا أنفسهم خلف جدران لا تُفتح أبوابها بإرادتهم، بعيدًا عن دفء الرفاق وضجيج الاختلاف. وهناك، حين ضاقت بهم الأرض واتسعت السماء، وجدوا في هديل الحمام ما يعوض صخب النقاش، وفي رعاية الأجنحة ما يملأ فراغ الأيام.
لكن يبدو أن صاحبنا، بعدما ألف الطيور والأقفاص، خرج وهو يعتقد أن تدبير شؤون الرفاق لا يختلف كثيرًا عن تدبير شؤون الحمام: من يطير، ومن يبقى، ومن يعود إلى البرج، ومن يستحق أن يُغلق عليه الباب!
غير أن ما نسيه صاحب البرج أن المناضلين ليسوا حمامًا يُربّى، ولا أجنحة تُقصّ، ولا أسرابًا تنتظر حبات القمح لتعود إلى القفص.
أم أن ظلال الراحلين ما زالت تطارد ذاكرتك، وتوقظ فيك أسئلة ظننت أن الزمن كفيل بدفنها؟ وهل أصبحت بعض الأسماء، حتى بعد رحيل أصحابها، أثقل عليك من حضورهم؟
يبدو أنك لم تعد تميز بين كرسي تجلس عليه وعرش تتوهم أنك ورثته. أصبحت الآمر والناهي، تمنح شهادات الوفاء، وتوزع أوسمة الانضباط، وكأن تاريخ النضال يبدأ بتوقيعك وينتهي برضاك!
من منحك حق تحويل المسؤولية التنظيمية إلى سلطة للمراقبة والمحاسبة الانتقائية؟ ومن أوهمك أن المفاتيح التي تحملها تمنحك ملكية البيت ومن فيه؟
كان الأجدر بك أن تنشغل بالشقوق التي ظهرت في جدران البيت، وبالأبواب التي أُغلقت في وجوه أصحابها، وبالمصابيح التي انطفأت في قاعته الكبرى، بدل التجول بين الغرف لإحصاء الكراسي الفارغة، وكأن الجلوس عليها شهادة في النضال، والابتعاد عنها خطيئة تستوجب طلب الغفران!
والأغرب أن من لم يجد جوابًا عن سبب تصدع الجدران، أصبح يبحث عمن لم يحضر حفل تدشين البناء، وكأن المشكلة ليست في الأساسات، بل في الذين رفضوا التصفيق للمهندسين!
إن كنت تعتقد أن المنصب يمنحك حق الوصاية على الرفاق، فأنت تخلط بين المسؤولية والسلطة، وبين التنظيم والملكية الخاصة، وبين الانضباط الواعي والطاعة العمياء.
وتذكر أن الرفيقات والرفاق الذين تحاول اليوم وضعهم تحت مجهر التفتيش ليسوا موظفين في ضيعتك، ولا تلاميذ في مدرستك، وأن تاريخهم النضالي لم يبدأ يوم جلست على كرسيك، ولن ينتهي يوم تغادره.
أما الذاكرة النضالية، فلها رجال ونساء لا تمحو أسماءهم قرارات المكاتب، ولا تطوي صفحاتهم محاضر الاجتماعات. وبعض الغائبين يظلون أكثر حضورًا من أحياء يتصدرون الصفوف الأولى.
فلا توقظ من الذاكرة ما قد يعجز كرسيك عن احتماله.
واعلم أن الحارس، مهما طال وقوفه عند الباب، لا يصبح مالك البيت، وأن المفاتيح التي يحملها ليست دليلًا على ملكيته.
فالمسؤولية التنظيمية ليست رخصة للتسلط، والصمت عن التجاوزات ليس اعترافًا بشرعيتها.
وأخيرًا، ليس كل من جلس في الصفوف الأولى شاهدًا على الحقيقة، ولا كل من ترك كرسيه غائبًا عن التاريخ.
فبعض الكراسي تصنع أصحاب المناصب، لكن المواقف وحدها تصنع المناضلين.
وتذكر يا صاحب البرج: قد تستطيع إغلاق الأبواب، لكنك لن تستطيع أن تأمر الأجنحة بالتوقف عن الطيران.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق