جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثالث عشر) * ترجمة وتقديم أحمد رباص الفصل الثالث عشر

 دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثالث عشر) * ترجمة وتقديم أحمد رباص 

الفصل الثالث عشر

لينين وحزب البروليتاريا من طراز جديد

كانت المهمة الأكثر إلحاحاً واستعجالاً عند عودة لينين من المنفى هي بناء الحزب البروليتاري الثوري. لقد تأسس "حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي" (POSDR) رسمياً في مؤتمر عُقد عام 1898 بمشاركة تسعة وفود؛ غير أن اللجنة المركزية التي انتُخبت في ذلك المؤتمر سرعان ما تعرضت للاعتقال على يد الشرطة.

ورغم الإعلان عن التوحيد، فإن ذلك المؤتمر لم ينجح فعلياً في توحيد كافة المجموعات أو إرساء هيكل تنظيمي موحد للحزب؛ ولذا، ظلت هذه المهمة قائمة بانتظار الإنجاز في عام 1900.

لقد أُعدت خطة بناء الحزب بتفصيل دقيق أثناء فترة المنفى. وبالنسبة للينين، كان مفتاح التوحيد يكمن في إصدار صحيفة سياسية مشتركة لجميع المنظمات الروسية؛ إذ اقترح أن السبيل الوحيد لتوحيد حلقات الدراسة الماركسية والمجموعات والمنظمات المبعثرة - سياسياً وتنظيمياً - (يجترح) عبر جريدة مشتركة. كان من شأن هذه الصحيفة أن تربط سياسياً بين جميع الخلايا في روسيا من خلال طرح الخط السياسي السليم ومحاربة كافة الانحرافات الانتهازية بشكل فوري. وفي الوقت نفسه، فإن السرية التي يفرضها واجب توزيع جريدة غير قانونية ستؤدي بحد ذاتها إلى نشوء منظمة سرية متمرسة على مواجهة قمع الشرطة السرية الروسية. وقد أراد لينين تنفيذ هذه الخطة قبل الدعوة لعقد مؤتمر للحزب، نظراً لضرورة دحر الاتجاهات الانتهازية والتحريفية التي كانت قد برزت مجدداً خلال السنوات السابقة. 

ناقش "اتحاد النضال" خطة لينين وأقرّها في مدن روسية مختلفة، وكذلك خلال مؤتمر للاشتراكيين الديمقراطيين عُقد خصيصاً لمناقشة هذه الخطة. وكان أبرز معاونيه مارتوف وبوتريسوف - وهما عضوان في المجموعة المركزية في سانت بطرسبرغ - اللذان كانا قد اعتُقلا ونُفيا إلى سيبيريا في الوقت نفسه معه. تمثلت الخطة في إصدار الجريدة من الخارج، نظراً لخطورة القيام بذلك داخل روسيا؛ كما خطط لينين للتحالف مع مجموعة "تحرير العمل" التابعة لبليخانوف، والتي كانت قائمة بالفعل في الخارج. وكان من المقرر أن تتألف هيئة التحرير من ستة أعضاء: ثلاثة من مجموعة "تحرير العمل" في الخارج، وثلاثة من داخل روسيا (وهم لينين ومارتوف وبوتريسوف). وبعد إتمام كافة الترتيبات، صدر العدد الأول في ديسمبر 1900.

كانت الجريدة تحمل اسم "إيسكرا" (Iskra)، وهو ما يعني حرفياً "الشرارة". وقد حمل عنوانها كلمات الثوريين الروس البرجوازيين الأوائل عام 1825: "الشرارة ستشعل لهيباً". طُبعت "إيسكرا" في بلدان مختلفة، شملت ألمانيا وإنجلترا وسويسرا. لم تكن تُرسل مباشرة إلى روسيا، بل كانت تسلك طرقاً ملتوية لتصل في النهاية إلى لجان "إيسكرا" السرية داخل البلاد. واجه الموزعون مهمة بالغة الصعوبة تتمثل في تجنب الشرطة السرية؛ وإذا ما قُبض على القائمين على نقل الصحيفة، كانوا يُنفون فوراً إلى سيبيريا.

شكلت "إيسكرا" أداة رئيسية لتوعية الطبقة العاملة، إذ كانت اللقاءات في الحلقات الدراسية تعتمد غالباً على قراءة مواد الجريدة. وكان عملاء "إيسكرا" يغتنمون كل الفرص المتاحة لتوزيع الصحيفة، إلى جانب الكتيبات السرية.

لم يقتصر توزيع الصحف على المصانع فحسب، بل شمل الشوارع والمسارح وثكنات الجيش، كما تم توزيعها عبر البريد. ففي المدن الكبرى، كانت تُترك في الشوارع أو على شرفات المسارح، بينما كانت تُوزع في الأحياء العمالية في وقت متأخر من الليل أو في الصباح الباكر، حيث تُترك في أماكن ظاهرة داخل الساحات العامة وبالقرب من مضخات المياه. وعقب كل عملية من هذا النوع - التي كانت تُعرف بـ "البذر" - كانت توضع علامة مميزة على جدار قريب، ليتسنى تلقي تقرير شامل في صباح اليوم نفسه حول أثر العمل الذي أُنجز ليلاً.

أما في البلدات والقرى الصغيرة، فكانت كتيبات "إيسكرا" تُنقل عبر عربات الفلاحين في أيام السوق، وتُلصق على الجدران. كان كل ذلك عملاً محفوفاً بالمخاطر؛ إذ إن ضبط المرء وهو يحمل منشوراً كان يعني الاعتقال الفوري واحتمال النفي إلى سيبيريا. وقد بدأ الرفاق المنخرطون في هذا العمل يشكّلون تدريجياً فريقاً من الثوريين المحترفين، وهي النواة التي خطط لينين لبناء الحزب البروليتاري على أساسها.

في ما يتعلق بهيكل الحزب وتكوينه، رأى لينين أنه يجب أن يتألف من شقين: أ) دائرة ضيقة من الكوادر والقادة البروليتاريين، وهم في الغالب ثوريون محترفون - أي متفرغون تماماً لعمل الحزب دون أي مهنة أخرى - ويتمتعون بحد أدنى من المعرفة النظرية والخبرة السياسية في التنظيم العملي وفنون التعامل مع الشرطة القيصرية؛ وب) شبكة واسعة من المنظمات الحزبية المحلية وقاعدة عريضة من الأعضاء تحظى بتعاطف ودعم مئات الآلاف من العمال. 

وبينما كانت عملية بناء هذا الحزب تمضي قدماً بمساعدة صحيفة "الإيسكرا" (الشرارة)، كان لينين يوجه مسار هذه العملية من خلال مقالاته وكتبه؛ إذ اكتسبت مؤلفاته -مثل "من أين نبدأ؟" و"ما العمل؟" و"رسالة إلى رفيق حول مهامنا التنظيمية" - أهمية بالغة، حيث وضع فيها الأسس الأيديولوجية والتنظيمية للحزب البروليتاري.

وإلى جانب المسائل التنظيمية، خاض لينين صراعاً رئيسياً ضد "الاقتصاديين" الذين أرادوا حصر نشاط الحزب الاشتراكي الديمقراطي في النضال الاقتصادي للعمال فقط. لقد تزايد نفوذ هؤلاء في روسيا خلال فترة نفي لينين، الذي أدرك ضرورة دحر "الاقتصادوية" إيديولوجياً قبل انعقاد مؤتمر الحزب؛ ومن ثم شن هجوماً مباشراً على هذا التيار في كتابه "ما العمل؟"، موضحاً كيف كان الاقتصاديون يميلون إلى الخضوع للعفوية في الحركة العمالية وإهمال دور الوعي والدور القيادي للحزب.  بيّن لينين كيف أن ذلك سيؤدي إلى إخضاع الطبقة العاملة للرأسمالية. ففي حين كان "الاقتصاديون" يعلنون انتماءهم للماركسية، كانوا يسعون إلى تحويل الحزب الثوري إلى حزب للإصلاح الاجتماعي. وهكذا أوضح لينين أن هؤلاء "الاقتصاديين" كانوا في الواقع الممثلين الروس للتيار الانتهازي المتمثل في "التحريفية" التي نادى بها برنشتاين. وقد نجح كتاب لينين -الذي وُزِّع على نطاق واسع في روسيا- في القضاء على "الاقتصادوية" قضاءً مبرماً، واضعاً بذلك المبادئ التي أصبحت فيما بعد الأساس الأيديولوجي للحزب البلشفي.

نشأ التيار البلشفي فعلياً داخل "حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي" خلال المؤتمر الثاني للحزب، الذي عُقد في شهري يوليوز وغشت من عام 1903. تمحور النقاش الرئيسي في المؤتمر حول طبيعة الحزب، وبالتالي حول المعايير التي تحدد من يحق لهم نيل عضويته. فقد كان لينين يصبو إلى تأسيس حزب متماسك وفعال ومهني وثوري، واقترح أن يعمل جميع الأعضاء في واحدة على الأقل من منظمات الحزب. 

في المقابل، استند مارتوف في رؤيته إلى نموذج الأحزاب القانونية القائمة في أوروبا، والتي كانت قد أصبحت شائعة في أوساط "الأممية الثانية" آنذاك؛ لذا اقترح معايير مرنة للعضوية تتيح لأي شخص يقبل برنامج الحزب ويدعمه مالياً الانضمام إليه كعضو، مبدياً استعداده لمنح العضوية لأي متعاطف مع الحزب. وعند التصويت على هذه المسألة، كانت الأغلبية لصالح مارتوف. غير أنه في وقت لاحق، وبعد انسحاب بعض الفصائل الانتهازية ومغادرتها للمؤتمر، انتقلت الأغلبية إلى جانب لينين. وقد انعكس ذلك في انتخابات اللجنة المركزية وهيئة تحرير صحيفة "الإيسكرا" (الشرارة)، التي جاءت نتائجها متوافقة مع مقترحات لينين. ومع ذلك، ظلت الخلافات بين المجموعتين عميقة واستمرت حتى بعد انتهاء المؤتمر. 

منذ ذلك الحين، أُطلق على أنصار لينين - الذين حازوا على أغلبية الأصوات في انتخابات المؤتمر - اسم "البلاشفة" (وهي كلمة تعني "أصحاب الأغلبية" باللغة الروسية).  أُطلق على خصوم لينين، الذين حصلوا على أقلية الأصوات، اسم "المناشفة" (أي أصحاب الأقلية باللغة الروسية).

وفور انتهاء المؤتمر، شرع المناشفة في التلاعب بالأنشطة والعمل على شق الصفوف، مما أثار حالة كبيرة من الارتباك. ولتصحيح هذا الوضع، أصدر لينين في ماي 1904 كتابه الشهير "خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء"؛ حيث قدم تحليلاً مفصلاً للصراع داخل الحزب - سواء أثناء المؤتمر أو بعده - وشرح المبادئ التنظيمية الرئيسية للحزب البروليتاري، وهي المبادئ التي شكلت لاحقاً الأسس التنظيمية للحزب البلشفي. وقد أدى انتشار هذا الكتاب إلى انحياز غالبية المنظمات الحزبية المحلية إلى جانب البلاشفة. ومع ذلك، آلت الهيئات المركزية - أي لسان حال الحزب واللجنة المركزية - إلى أيدي المناشفة الذين كانوا عازمين على مناهضة قرارات المؤتمر. ونتيجة لذلك، اضطر البلاشفة إلى تشكيل لجنتهم الخاصة وإنشاء لسان حال خاص بهم. كما بدأ الفريقان الاستعداد بشكل منفصل لعقد ندواتهما ومؤتمراتهما الحزبية الخاصة، وهو ما تم بالفعل في عام 1905. وهكذا، أصبح الانقسام داخل الحزب تاماً؛ غير أن الأسس كانت قد وُضعت لبناء الحزب الثوري الحقيقي: الحزب البروليتاري من طراز جديد.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *