صور الملك الإسباني وزوجته وهما يقفان دقيقة صمت ترحماً على شهداء "الهروب الكبير"علي انوزلا
صور الملك الإسباني وزوجته وهما يقفان دقيقة صمت ترحماً على شهداء "الهروب الكبير"، وينحنيان إجلالاً أمام شواهد قبور مجهولة تحمل أرقاماً صماء لا تقول شيئاً عن أصحابها، هي أكبر تكريم لهؤلاء المنسيين الذين طردهم ضيق العيش من وطنهم، ثم تنكرت لهم سلطات بلدهم، فلم تكلف نفسها حتى عناء الترحم عليهم، ولو من بعيد.
موجع حد القهر أن يأتي تكريم هؤلاء الموتى مرتين من خارج وطنهم؛ مرة من سلطات مدينة محتلة احتضنت رفاتهم ووارتهم الثرى داخل قبورا تحفظ آدميتهم، ومرة من ملك الدولة المحتلة، حين انحنى احتراماً لذكراهم. أي إدانة أخلاقية أقسى من أن ينحني ملك مسيحي أمام قبور مسلمين تخلى عنهم حكام وطنهم أحياءً وأمواتاً؟ وأي وطن هذا الذي يترك أبناءه يموتون هرباً من بؤسه، ثم يُدفنون غرباء تحت أرقام مجهولة؟صورة الملك الإسباني وهو ينحني أمام شواهد قبور مجهولة لمغاربة ابتلعهم البحر وهم يحاولون الفرار من بؤس العيش في بلدهم، تختزل كل الخطب الجوفاء عن الوطن والوطنية، وتفضح زيف الشعارات التي تُرفع باسم الكرامة والإنسان والتنمية...
لكن، ولأنه لا بد من "لكن" حين تكون الغصة في الحلق أكبر من أن تُبتلع، فإن غصة اليوم مزدوجة، ومرارتها أشد من أن تُحتمل.
الغصة الأولى أن الملك الإسباني، بكل ما تحمله مملكته من إرث استعماري، جاء إلى سبتة ومليلية المحتلتين ليوقظ جرحاً تاريخياً لم يندمل، وليذكرنا بواقع استعماري قديم يُراد له، بفعل التقادم والصمت وفرض الأمر الواقع، أن يتحول إلى حقيقة نهائية لا تقبل النقاش.
أما الغصة الأشد مرارة، فهي هذا الصمت الرسمي القاتل، من رأس الدولة إلى أصغر ممثليها، وهذا الغياب المريب لأي رد فعل رسمي أو شعبي، وكأن شيئاً لم يحدث، وكأن الأمر لا يتعلق بأرض مغربية محتلة، ولا بملك دولة استعمارية جاء ليؤكد سيادته عليها بكل برود واستفزاز، أمام أنظارنا العاجزة وأنظار العالم المشدوهة.
صمت ثقيل إلى درجة أن البحث عن تفسير له بات أشد وطأة من الصمت نفسه. صمت مريب يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من أجوبة، حتى بات الخوف من السؤال عن أسبابه أكبر من الخوف نفسه.
لا أحد يفهم ما يجري اليوم في المغرب. ملك إسبانيا، بكل الإرث الاستعماري لمملكته، يقضي ليلته فوق أرض مغربية محتلة، فيما نحن منشغلون بانتخابات أقرب إلى عرض هزلي داخل أكبر سيرك سياسي في المملكة. سيرك يعدنا لاعبوه بالكرامة والحرية والعدالة، بينما لا يجرؤ كثير منهم حتى على تحريك ألسنتهم داخل أفواههم للاحتجاج على ما جرى في سبتة المحتلة.
وفي هذه الليلة، بينما ينام ملك إسبانيا على أرض سبتة المحتلة، يرقد شهداء "الهروب الكبير" في مقبرتها، تحت شواهد قبورهم المجهولة، وكأنهم ينظرون إلينا من علياء صمتهم الأبدي، دون ندم على أنهم اختاروا الرحيل عن وطن لم يصن كرامتهم أحياءً، ولم يحفظ ذكراهم أمواتاً.
وحدهم هؤلاء الموتى، الذين رحلوا بحثاً عن حياة تليق بالبشر، يبدون اليوم أكثر كرامة من أحياء يتاجرون باسم الوطن والوطنية. فالوطن ليس أرضاً ندافع عنها في الخطب والبرامج والشعارات، بل كرامة نصونها في الإنسان. وحين يُترك أبناؤه ليموتوا غرباء ويُدفنوا مجهولين، يصبح السؤال الأكثر إيلاما؛ من تخلى عن الوطن حقاً؟ الذين فرّوا من بؤسه طلباً للكرامة، أم الذين استأثروا بثرواته وتحكموا في مصائر أبنائه، حتى صار الموت بكرامة في الغربة أرحم من العيش بذلّ في الوطن؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق