الكاتب: كاثرين أوزبورن المصدر: مجلة "فورين بوليسي" الأميركية ولا يتحدّى موجة التأييد لترامب في أميركا اللاتينية
الكاتب: كاثرين أوزبورن
المصدر: مجلة "فورين بوليسي" الأميركية
ولا يتحدّى موجة التأييد لترامب في أميركا اللاتينية
يعزّز فوز لولا دا سيلفا الحفاظ على استقلالية أميركا اللاتينية عن القوى الخارجية، واستمرار التعاون في مجال المناخ وتعدّدية الأطراف، وإعلاء قيمة الديمقراطية على الساحة العالمية.
مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تنشر مقالاً يتناول الدلالات السياسية لفوز الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا بولاية رابعة، باعتباره تحدّياً لموجة صعود اليمين المتحالف مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أميركا اللاتينية، وانتكاسة لمساعي واشنطن لتوسيع نفوذها في المنطقة.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
فاز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بإعادة انتخابه بفارق تجاوز 3.5 نقاط مئوية في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد في الـ 25 من تشرين الأول/أكتوبر، ليواصل المسيرة السياسية لواحد من أبرز القادة في العالم الديمقراطي. ودخل لولا التاريخ بوصفه أول مرشّح رئاسي برازيلي يتمكّن من قلب تأخّره والفوز في الجولة الثانية من الانتخابات. كما أنّ انتصاره يخالف اتجاهاً سائداً في منطقة رضخ قادتها لضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقال لولا في خطاب النصر: "هذا البلد لا يقبل أن يكون حديقة خلفية لأحد. نحن نتحدّث مع الجميع في العالم على قدم المساواة".
وتغلّب لولا على السيناتور اليميني فلافيو بولسونارو، بحصوله على 51.8% من الأصوات، مقابل 48.2% لفلافيو، وفقاً للنتائج الرسمية. وقد هنّأ رئيس المحكمة الانتخابية البرازيلية لولا بفوزه، وكذلك فعل عدد كبير من قادة أميركا اللاتينية والعالم. لكنّ فلافيو، نجل الرئيس السابق المدان جايير بولسونارو، رفض الإقرار بالهزيمة، قائلاً إنّه سيسعى إلى الطعن قانونياً في النتيجة، بسبب قرار أحد قضاة المحكمة العليا تمديد التصويت ساعتين إضافيتين.
ويرى كبار قضاة الانتخابات في البرازيل أنّ هذا الطعن من غير المرجّح أن ينجح، لأنّ حملتَي فلافيو ولولا طلبتا تمديد ساعات التصويت في أجزاء من البلاد، وفقاً لما أفادت به وسائل إعلام برازيلية. فقد أكّدت حملة لولا أنّ بعض المدن سحبت حافلات النقل العام من الشوارع بصورة مفاجئة، وهو ما قد يكون أدّى إلى انخفاض نسبة المشاركة في التصويت، فيما طلبت حملة فلافيو مزيداً من الوقت في المناطق التي شهدت هطول أمطار غزيرة.
وحتى ظهر يوم الاثنين، لم يكن ترامب قد علّق على نتيجة الانتخابات، ما أثار تساؤلات عمّا إذا كان سيرفض الاعتراف بها هو الآخر. وقد دخل ترامب في خلافات مع لولا من حين إلى آخر منذ عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي. كما ردّد انتقادات عائلة بولسونارو للحكومة البرازيلية، وظهر في جلسة تصوير مع فلافيو قبيل الانتخابات، لكنّه امتنع عن إعلان تأييده له صراحةً.
وأفادت وكالة "رويترز"، خلال عطلة نهاية الأسبوع، بأنّ مسؤولَين في وزارة الخارجية الأميركية مارسا ضغوطاً متكرّرة من أجل تبنّي سياسات أميركية من شأنها إضعاف لولا ومساعدة عائلة بولسونارو سياسياً. وردّ متحدث باسم وزارة الخارجية بأنّ "الشعب البرازيلي له الحقّ في اختيار قادته من خلال انتخابات حرّة ونزيهة".
ومن بين القادة الإقليميين الذين اعترفوا بفوز لولا، شخصيات يمينية تعاونت مع ترامب، بمن فيهم رؤساء تشيلي وكولومبيا والإكوادور والبيرو المعروفون بمواقفهم المتشدّدة. وكتب عالم السياسة الأرجنتيني إستيبان أكتيس، في وسائل التواصل الاجتماعي، أنّ قرار هؤلاء القادة التعبير عن مواقفهم قبل صدور أيّ إشارة من ترامب يمثّل "بادرة كبيرة... تعبّر عن استقلالية نسبية للمنطقة في زمن عقيدة دونرو".
أما الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، فلم يكن قد علّق على النتيجة حتى ظهر الاثنين.
وجاء فوز لولا ثمرة طفرة في جهود التنظيم والحشد خلال اللحظات الأخيرة، بعدما فاز فلافيو بالجولة الأولى من التصويت في الـ 4 من تشرين الأول/أكتوبر. وقد تصرّفت حملة فلافيو بعد ذلك بثقة توحي بأنّ الفوز بات مضموناً، وبدا أنّها تعتقد أنّ تراجع التأييد للولا سيكفل وصول مرشّحها إلى الرئاسة. فعلى مدى معظم العامين الماضيين، كانت نسبة عدم الرضى عن لولا أعلى من نسبة الرضى عنه. كما أنّ أبرز المرشّحين الذين خرجوا من السباق في الجولة الأولى كانوا جميعاً من اليمين، ما أوحى بأنّ أصواتهم ستذهب على الأرجح إلى فلافيو في جولة الإعادة.
وتولّى جايير بولسونارو الرئاسة من عام 2019 إلى عام 2022، حين خسر الانتخابات الرئاسية الأخيرة أمام لولا. وهو يخضع حالياً للإقامة الجبرية بسبب التخطيط لانقلاب بهدف قلب نتيجة تلك الانتخابات. وفي إطار تلك المؤامرة الانقلابية، خطّط بعض أفراد الجيش لاغتيال لولا. وكان فلافيو قد وعد بالعفو عن والده في حال انتخابه.
لكنّ احتمال عودة أحد أفراد عائلة بولسونارو إلى الرئاسة دفع البرازيليين التقدّميين وبعض الوسطيين إلى التحرّك، عبر تنظيم شعبي واسع النطاق لم تشهد البلاد مثيلاً له خلال السنوات الأخيرة.
وقالت مصمّمة الغرافيك لينا بنز، البالغة من العمر 50 عاماً، والتي شاركت في تجمّع حاشد دعماً للولا في ريو دي جانيرو في الـ 18 من تشرين الأول/أكتوبر: "كان الناس في حالة يأس. لقد عشنا جائحة كوفيد-19 في ظلّ حكم عائلة بولسونارو. إنّهم ليسوا متطرّفين فحسب، بل عاجزون أيضاً عن إدارة الحكم".
وتُظهر نتائج انتخابات الأحد أنّ حملة لولا نجحت في زيادة نسبة المشاركة في التصويت وإقناع الناخبين المتردّدين. وإدراكاً منها أنّ اليمين كان في البداية أكثر فاعلية بكثير في وسائل التواصل الاجتماعي، منحت الحملة دوراً أكبر لمؤيّدين يتمتّعون بمهارات متقدّمة في التواصل الرقمي.
وجاء ذلك جزئياً ردّاً على اعتقاد سائد لدى اليسار وأوساط من المجتمع المدني البرازيلي بأنّ منصّات التكنولوجيا الكبرى انحازت بصورة غير عادلة إلى المحتوى اليميني خلال الانتخابات، وهي اتّهامات أدّت إلى تقديم شكوى رسمية ضدّ شركة "ميتا" إلى السلطات الانتخابية البرازيلية. وقد نفت "ميتا" ارتكاب أيّ مخالفات.
وأنشأ أحد أعضاء الكونغرس اليساريين قناة في تطبيق "واتساب" لتنظيم الحملات الانتخابية عبر الإنترنت، استقطبت 10 ملايين عضو، أي ما يعادل نحو 6% من الناخبين البرازيليين.
وانضمّت إلى هذه الجهود مجموعات متنوّعة، بدءاً من جماهير موسيقى البوب الكورية (K-pop)، وصولاً إلى روابط مشجّعي أندية كرة القدم.
وأسهمت القناة في نشر مخاوف القوى التقدّمية بشأن فلافيو، والتي لم تحظَ بتغطية كافية نسبياً في وسائل الإعلام الرئيسية، مثل تعهّداته بخفض الإنفاق الاجتماعي.
وقالت باولا كاردوسو بيريرا، الباحثة في مجال الاتصالات الرقمية في مختبر "ميديا لاب" التابع للجامعة الاتحادية في ريو دي جانيرو، إنّ القناة "كانت أساسية تماماً في تمكّن لولا من التغلّب على فلافيو في جولة الإعادة".
وفي نهاية المطاف، غيّر حتى بعض البرازيليين الذين صوّتوا لفلافيو في الجولة الأولى مواقفهم.
وقالت أنطونيا رودريغيز، العاملة في مخبز والبالغة من العمر 51 عاماً، والتي حوّلت صوتها إلى لولا يوم الأحد: "شاهدت مقابلة قال فيها فلافيو بولسونارو إنّه يريد تغيير دستور البرازيل، وهذا جعلني أفكّر". وأضافت: "لولا يقف إلى جانب الفقراء".
وسيواجه لولا عقبات كبيرة في الحكم. فقد عزّز "الحزب الليبرالي" اليميني المتطرّف، الذي ينتمي إليه فلافيو، حصّته من المقاعد في الكونغرس خلال انتخابات الـ 4 من تشرين الأول/أكتوبر.
وعلى الرغم من أنّ الحزب الليبرالي سيحتاج إلى التحالف مع الوسطيين لعزل لولا، فإنّ الأحزاب الوسطية واليمينية سبق أن شكّلت تحالفاً مماثلاً عام 2016 لعزل الرئيسة ديلما روسيف، المنتمية إلى حزب لولا.
وفي ذلك الوقت، أتاح تعثّر الاقتصاد لأحزاب المعارضة هامشاً سياسياً أوسع لعزل الرئيسة. وقد يشير ارتفاع الدين العام في البرازيل إلى متاعب على مستوى الاقتصاد الكلّي تنتظر لولا أيضاً.
وربّما دشّنت انتخابات هذا العام أيضاً مستوى جديداً من التوظيف السياسي للمحكمة العليا البرازيلية.
ففي عام 2022، انتقد برازيليون يمينيون وبعض الخبراء القانونيين القاضي ألكسندر دي مورايس، معتبرين أنّه بالغ في التشدّد في إصدار أوامر إزالة محتوى من وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما صُنّف على أنّه زائف أو مناهض للديمقراطية.
لكنّ إجراءات المحكمة في ذلك العام "سعت إلى تحقيق تكافؤ الفرص" إلى حدّ كبير، بينما شهدت الانتخابات الحالية "تحرّك بعض القضاة بصورة أكثر استباقية بكثير لمحاولة ترجيح كفّة أحد المرشّحين"، وفقاً لعالم السياسة البرازيلي ميغيل لاغو.
فعلى سبيل المثال، حاول القاضي كاسيو نونيس ماركيز إغلاق قناة "واتساب" المؤيّدة للولا، بحجّة أنّها تنشر معلومات كاذبة، لكنّه تراجع في نهاية المطاف بعد انتقادات وجّهها إليه خبراء قانونيون وزملاء له من القضاة.
وفي الوقت الراهن، يستمتع لولا بانتصاره التاريخي. وعلى صعيد السياسة الخارجية، يعزّز هذا الفوز الجهود الرامية إلى الحفاظ على استقلالية أميركا اللاتينية عن القوى الخارجية، واستمرار التعاون في مجال المناخ وتعدّدية الأطراف، وإعلاء قيمة الديمقراطية على الساحة العالمية، التي بات يهيمن عليها بصورة متزايدة منطق "القوة تصنع الحقّ".
وكانت هذه بعض الصفات التي أشاد بها قادة عالميون آخرون لدى تهنئتهم لولا بفوزه.
وحملت رسائل التهنئة هذه أيضاً معنى ضمنياً مفاده أنّه مهما بلغت الضجّة التي قد تثيرها إدارة ترامب، فإنّ المجتمع الدولي أكبر من ترامب وأكثر ديمومة منه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق