مجرد سؤال حقوقي: هل يحق للمتهم توضيح موقفه إذا شعر بأنه تعرض للاستفزاز داخل قاعة المحكمة؟الرفيق محمد علاي
مجرد سؤال حقوقي: هل يحق للمتهم توضيح موقفه إذا شعر بأنه تعرض للاستفزاز داخل قاعة المحكمة؟الرفيق محمد علاي
خلال حضوري إحدى الجلسات العمومية بالمحكمة الابتدائية، وبصفتي مهتماً بالشأن الحقوقي، استرعى انتباهي موقف داخل قاعة المحكمة أثار لدي تساؤلاً حول حدود حق المتهم في التعبير عن موقفه، وسلطة رئيس الجلسة في ضبط المناقشات والحفاظ على النظام.
فخلال سير الجلسة، لاحظت تفاعلاً كلامياً مع أحد المتهمين بشأن تصرف صدر عنه، قبل أن يُوجَّه إليه تنبيه بضرورة مخاطبة رئاسة الجلسة وعدم الدخول في رد مباشر.
وبعيداً عن الأشخاص والملابسات الخاصة بالملف، ودون إصدار أي حكم على نيات الأطراف أو تقييم تصرفاتهم، فإن الواقعة تفتح باباً للنقاش القانوني والحقوقي حول سؤال جوهري:
هل يظل المتهم مجرد متلقٍّ لما يدور حوله داخل قاعة المحكمة، أم يحق له طلب الكلمة لتوضيح موقفه عندما يشعر بأن تصرفه أو ردة فعله قد أُسيء فهمها؟
إن المحاكمة العادلة، كما يكرسها الدستور المغربي، لا تقتصر على ضمان حقوق الدفاع في معناها الشكلي، بل تستلزم أيضاً احترام كرامة الأشخاص وضمان سير المناقشات في إطار من الحياد والانضباط.
وفي هذا السياق، يضمن الفصل 22 من الدستور حماية السلامة الجسدية والمعنوية للأشخاص، ويكرس الفصل 119 قرينة البراءة، فيما ينص الفصل 120 على الحق في محاكمة عادلة وضمان حقوق الدفاع.
كما أن تدبير الجلسات القضائية يقتضي احترام القواعد الإجرائية التي تخول لرئيس الجلسة سلطة تنظيم المناقشات وضبط النظام، مع مراعاة حقوق الأطراف وضمان السير السليم للمحاكمة.
ومن هذا المنطلق، فإن حق المتهم في توضيح موقفه لا يعني منحه حرية مقاطعة المناقشات أو الدخول في جدال مباشر مع أي طرف، كما أن المحافظة على النظام داخل المحكمة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لحرمانه من حقوقه الإجرائية.
فالآلية السليمة تقتضي أن يلتمس المتهم الإذن بالكلام من رئاسة الجلسة، وأن يُنظر في طلبه وفق طبيعة النقاش والقواعد المسطرية المطبقة.
ومن المهم كذلك التمييز بين مجرد التنبيه إلى ضرورة احترام نظام الجلسة، وبين أي سلوك قد يمس بكرامة أحد أطراف الدعوى؛ إذ لا يمكن استخلاص وجود مخالفة قانونية بمجرد ارتفاع نبرة الصوت أو اختلاف أسلوب التخاطب، بل ينبغي النظر إلى العبارات المستعملة وسياقها والظروف المحيطة بها.
إن ما يستحق النقاش هنا ليس الأشخاص، ولا الملفات المعروضة على القضاء، وإنما المبدأ الحقوقي الذي ينبغي أن يظل حاضراً في كل محاكمة: كيف يمكن التوفيق بين سلطة رئيس الجلسة في ضبط النظام، وحق المتهم في أن يُسمع صوته وفق القانون؟
فالمحاكمة العادلة لا تعني أن يتحدث الجميع في الوقت نفسه، كما لا تعني أن يظل المتهم صامتاً في كل الأحوال؛ بل تعني أن تُدار الجلسة بحزم وحياد، وأن تُحترم كرامة جميع الأطراف، وأن يمارس كل طرف حقوقه في إطار القانون.
وبصفتي مهتماً بالشأن الحقوقي، أطرح هذه المسألة للنقاش العام، بعيداً عن أي موقف شخصي أو حكم مسبق على واقعة بعينها.
فهيبة القضاء لا تتعارض مع احترام المتقاضين، وحرية الدفاع لا تنفصل عن قواعد الاحترام المهني، وضبط الجلسة لا ينبغي أن يكون على حساب الضمانات القانونية.
فهل يكفي ضبط النظام داخل قاعة المحكمة لتحقيق المحاكمة العادلة، أم أن هذه الأخيرة تقتضي أيضاً تمكين المتهم من توضيح موقفه كلما سمحت القواعد المسطرية بذلك؟
سؤال حقوقي للنقاش، لا اتهام فيه لأحد ولا مساس باستقلال القضاء، وإنما دعوة إلى التفكير في الضمانات التي تجعل العدالة ممارسةً يومية، لا مجرد مبدأ مكتوب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق