الاحتجاجات بين غضب الشارع و أفق التحرّر ...!عمران حاضري
الاحتجاجات بين غضب الشارع و أفق التحرّر ...!عمران حاضري
لست في وارد تقييم تحرك احتجاجي بعينه بالرغم أن المقال تزامن تقريباً مع التحرك الاحتجاجي ليوم السبت ، السابع عشر من أكتوبر و الذي اعتبره إيجابيا من حيث العدد و التنظيم و التوقيت و وضوح الشعارات التي ربطت بين الاجتماعي و السياسي،،، لكن حاولت التوقف عند الظاهرة الإحتجاجية ككل و محاور تقييمها و أساساً ربطها بآفاق التغيير و التحرر... اعتقد ان قيمة الاحتجاجات بصفة عامة ليست في كثافة الحشود وحدها على أهميتها طبعا، ولا في استعراض "براءتها السلمية" حيث يختزل تقييم كل تحرك احتجاجي تقريباً في الطابع السلمي و عدد المحتجين ، بل الأهم برأيي المتواضع، إلى جانب ضرورة و جماهيرية التحركات يتحتم التأكيد على نوعية القوى المدنية و السياسية التي تحملها، وراديكالية شعاراتها حيث تجسيد الربط السليم بين النضال الاقتصادي والاجتماعي و السياسي ، ومدى ملامستها للتناقضات الطبقية التي تُنتج البؤس والاستغلال والتهميش و الاستبداد...!فالعدد يمنح الشارع صوته و عنفوانه و لا أحد يستطيع أن ينكر قيمته و رمزيته ، لكن الوعي يمنحه اتجاهه؛ كما أن الغضب يفتح الشقوق في جدار الواقع وهذا مطلوب من حيث المبدأ و مراكمة الوعي ، لكنه لا يهدم الجدار ما لم يتحوّل إلى قوة تغيير منظّمة و فاعلة ...!
و "السلمية" ليست صكّ براءة يُقدَّم للسلطة، ولا الاحتجاج رقصة أنيقة على إيقاع رضاها...!
فالشارع فضاء للصراع والمساءلة وانتزاع الحق، والعفوية لا تسير على مسطرة كما يتوهمها البعض ، فيما يظلّ القمع و التضييق أحد أبرز العوامل التي "تخلع ثوب السلمية" قسراً و تدفع المواجهة نحو التصعيد...! بالتالي ليست المسألة في طمأنة السلطة بطابع الاحتجاج ، بل في تملك الوعي الذي يمنعها من احتواء معناه أو مصادرة أهدافه و مآلاته...!
لكن يبقى السؤال الكبير و الحارق الذي يتوارى خلف ضجيج الأعداد هو : كيف نعبر من عفوية الغضب على أهميته إلى استراتيجية التغيير ؟ وكيف يتحوّل الشارع من مرآة للأزمة إلى قوة لتجاوزها ؟ فالعفوية شرارة ، لكنها ليست النار كلها ؛ والاحتجاج لحظة انكشاف للتناقضات ، لكنه لا يصبح أفقاً للتحرّر إلا حين يتصل بالوعي الطبقي، والاستقلال السياسي عن منظومة الحكم و الدوائر الإمبريالية ، والتنظيم الشعبي، ومشروع وطني ديمقراطي شعبي، يقطع مع خيارات التبعية وأجنحة المنظومة القائمة والثورة المضادة...!
إن معركة التحرّر الوطني لا تكتمل إلا بفك الارتباط مع التبعية ولو تدريجيا، كما أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بتغيير الوجوه داخل البنية ذاتها...! فالانعتاق يبدأ حين تُطرح الأسئلة الكبرى عن علاقات الإنتاج، واحتكار الثروة، وإعادة إنتاج التفاوت والاستغلال؛ وحين تتجاوز مطالب الشغل والحرية والكرامة الوطنية ، حدود التفاوض على فتات الأزمة و سقوفها المنخفضة و حلولها الترقيعية،،، لتفتح أفق تغيير شروط إنتاجها...!
فليس المطلوب أن يتوقّف الشارع عن الغليان، بل أن يجد لغليانه أفقاً ؛ لا أن تُصادَر عفويته ، بل أن تتسلّح العفوية بالوعي، ويغدو الوعي قوةً مادية للتغيير...!
ذلك هو الفارق بين احتجاجٍ يستهلك غضبه على أهميته في مراكمة التجربة و الوعي ، وحركةٍ تصنع تاريخها ،،، حيث يتحوّل العدد إلى قوة، والصوت إلى مشروع، والرفض إلى بديل...!
فالتاريخ لا يفتح ذراعيه لكثرة الأقدام في الشوارع وحدها على ضروريتها و قيمتها الحيوية، بل بوعي الخطى إلى أين تمضي !؟ وحين يلتقي الغضب بالوعي، والحرية بالعدالة الاجتماعية، والتحرّر الوطني بالانعتاق الاجتماعي، لا يعود الشارع مجرّد مساحة فقط للاعتراض على السياسات الرسمية التبعية ، بل يصبح مختبراً لإمكانٍ تاريخي جديد و ناهض ...!
عمران حاضري
18/10/2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق