جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

حين تتحول الماركسية إلى غطاء للوصاية التنظيمية*صفحة يوميات

 حين تتحول الماركسية إلى غطاء للوصاية التنظيمية*صفحة يوميات

قراءة نقدية في كتابات أبي علي بلمزيان واستهداف الرفيق محمد السفريوي
هل أصبح نقد القيادة جريمة تنظيمية، والدفاع عن الديمقراطية الداخلية انحرافاً عن الماركسية؟
ليس غريباً أن تختلف الاجتهادات داخل التنظيمات الماركسية، بل الغريب أن يتحول الاختلاف إلى مناسبة لتوزيع شهادات الثورية على الموالين، ونزعها عن كل من يجرؤ على مساءلة القيادة وممارساتها.
لقد تابعنا ما نشره الرفيق أبو علي بلمزيان حول الماركسية والمراجعة والنقد الذاتي والمركزية الديمقراطية، وما رافق هذه الكتابات من خطاب هجومي يستهدف مناضلين اختاروا مواجهة الاختلالات التنظيمية، وفي مقدمتهم الرفيق محمد السفريوي.
وإذا كنا لا ننكر حق بلمزيان في الدفاع عن قناعاته الفكرية والسياسية، فإننا نرفض تحويل هذه القناعات إلى معيار لفرز المناضلين بين ثوريين ومراجعيين، وبين أوفياء للمشروع ومشتبه في انتمائهم إليه.
أولاً: الماركسية ليست ملكية خاصة للقيادة
إن أول ما يستوقفنا في كتابات بلمزيان هو ذلك التناقض بين الدعوة إلى التحليل المادي الجدلي وبين الميل إلى تصنيف بعض المخالفين داخل خانات أيديولوجية جاهزة.
فكلما طُرح سؤال الديمقراطية الداخلية، حضرت تهمة الفردانية.
وكلما طُرحت مراجعة الممارسة التنظيمية، استُحضر خطر التفكيك.
وكلما جرى التشكيك في سلامة بعض القرارات القيادية، عادت التحذيرات من المراجعاتية وما بعد الحداثة.
لكن هل بهذه الطريقة نمارس النقد الماركسي؟
أليست المادية الجدلية تقتضي دراسة التناقضات في شروطها الملموسة، لا اختزالها في أحكام مسبقة على أصحابها؟
إن الماركسية التي لا تستطيع مساءلة ممارسات المنتسبين إليها تتحول من منهج ثوري إلى عقيدة جامدة، ومن أداة للتحرر إلى وسيلة لتبرير السلطة داخل التنظيم.
ثانياً: لماذا يخيفكم نقد محمد السفريوي؟
ليس الرفيق محمد السفريوي هو الأزمة، ولا يمكن تحميله مسؤولية الاختلالات التي سبقت كتاباته ومواقفه النقدية.
إنه يمارس حقاً سياسياً وفكرياً أصيلاً في مناقشة تجربة ساهم في الانتماء إليها والدفاع عن مشروعها.
ومن حق الجميع الاختلاف معه، بل ونقد أطروحاته بصرامة، لكن ليس من حق أحد أن يجعل مجرد نقده للقيادة دليلاً على رغبته في هدم التنظيم.
إن تحويله إلى هدف للهجوم الشخصي لا يجيب عن سؤال واحد من الأسئلة السياسية والتنظيمية المطروحة.
فلماذا لا تتم مواجهة أفكاره بأفكار، وحججه بحجج، والوقائع التي يستند إليها بوقائع مضادة؟
ولماذا يصبح الحديث عن الديمقراطية الداخلية تهديداً للحزب، بينما لا يُعتبر احتكار القرار أو تضييق مجال الاختلاف تهديداً لوحدته؟
إن التنظيم الذي يخشى قلم مناضل أكثر مما يخشى أخطاء قيادته، يحتاج إلى مراجعة عميقة لمفهومه عن الديمقراطية والمحاسبة.
ثالثاً: المؤتمر السادس هو الامتحان الحقيقي للخطاب النظري
يمكن للرفيق بلمزيان أن يكتب صفحات عن لينين والمركزية الديمقراطية والصراع الطبقي، لكن كل ذلك لا يعفيه من مواجهة الأسئلة الملموسة التي أثارتها تجربة المؤتمر السادس.
ماذا عن الاعتراضات المتعلقة بانتداب المؤتمرين؟
وماذا عن تمثيلية الفروع وشروط المشاركة في اتخاذ القرارات؟
وماذا عن تدبير النقاش حول الوثائق السياسية والتنظيمية؟
وماذا عن انتخاب الأجهزة وضمان حقوق الأقلية؟
وماذا عن الورقة التقييمية التي حظيت بتوقيع أكثر من 140 مناضلة ومناضل، بحسب ما أعلنه أصحابها؟
هل اختُزلت كل هذه الأسئلة في نزعات فردية وأطماع شخصية؟
وإذا كانت القيادة واثقة من سلامة اختياراتها، فما الذي يمنعها من مناقشة هذه الاعتراضات علناً وبالوقائع والوثائق؟
إن المركزية الديمقراطية ليست طاعة عمياء، وليست تفويضاً مفتوحاً للقيادة لتفعل ما تشاء بين مؤتمرين.
إنها وحدة بين الديمقراطية والمركزية، فإذا اختفت الديمقراطية لم يبق من المبدأ سوى المركزية، وإذا غابت المحاسبة تحولت المركزية إلى سلطة لا تقبل المراجعة.
رابعاً: أنوال علمتنا مقاومة الهيمنة، لا صناعة الأوصياء
يستحضر بلمزيان معركة أنوال، ويؤكد أن انتصار المقاومة الريفية كان ثمرة ارتباطها بالمجتمع والإرادة الجماعية.
وهذا درس تاريخي عميق.
لكن من حقنا أن نسأل: لماذا لا تُستحضر قيمة الإرادة الجماعية عندما يتعلق الأمر بحياة التنظيم؟
لماذا نحتفي بالشعب حين يرفض الوصاية الاستعمارية، ثم نتردد في الاعتراف بحق المناضلين في رفض الوصاية التنظيمية؟
إن استحضار محمد بن عبد الكريم الخطابي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تمجيد للبطولة التاريخية، بل إلى استلهام قيم التحرر والكرامة والمشاركة في تقرير المصير.
فلا يمكن الدفاع عن التحرر في المجتمع، ثم التعامل مع الديمقراطية داخل التنظيم باعتبارها مطلباً ثانوياً أو خطراً على وحدة الصف.
خامساً: من يهدد وحدة التنظيم فعلاً؟
هل الذي ينتقد الاختلالات ويطالب بتصحيحها هو من يهدد التنظيم؟
أم الذي يرفض الاعتراف بهذه الاختلالات ويجعل من الولاء للقيادة معياراً للانضباط؟
إن التاريخ السياسي للحركات الثورية يقدم دروساً قاسية حول مخاطر تحول القيادة من أداة لتنظيم الإرادة الجماعية إلى مركز يحتكر الحقيقة والقرار.
فالحزب لا يتقوى بإسكات منتقديه، بل بقدرته على استيعاب التناقضات وتصحيح أخطائه وتجديد أساليب عمله.
والوحدة التي تقوم على الخوف من الاختلاف ليست وحدة ثورية، وإنما توافق هش قد يخفي تحته أزمة أعمق.
كما أن الوفاء للتاريخ لا يعني تقديس الأشخاص، ولا إعفاء القيادات من مسؤوليتها عما راكمته التجربة من نجاحات وإخفاقات.
سادساً: التناقض بين اللغة الثورية والممارسة التنظيمية
ما قيمة الحديث عن التحرر والاشتراكية إذا لم تنعكس مبادئهما على العلاقات بين الرفاق؟
وما قيمة التذكير بالمادية التاريخية إذا كان التاريخ الملموس للتنظيم يُستبعد من النقاش كلما تعلق الأمر بمسؤولية القيادة؟
وما قيمة الدفاع عن النقد الذاتي إذا تحول كل نقد جدي إلى شبهة مراجعاتية؟
الأخطر من ذلك أن بعض الخطابات المصاحبة لهذه السجالات تستعمل نعوتاً تحقيرية في حق المختلفين، ثم تقدم نفسها باعتبارها دفاعاً عن الأخلاق الثورية.
إن نعت المنتقدين بالضفادع أو المراجعيين أو دعاة التفكيك لا يعوض الحجة السياسية.
بل يكشف عن تراجع مستوى النقاش من مساءلة الأفكار إلى محاولة إضعاف أصحابها معنوياً.
وهذه ليست الصرامة الثورية التي نحتاجها، بل ممارسة ينبغي إخضاعها هي الأخرى للنقد.
سابعاً: لا وصاية على تاريخ النهج الديمقراطي
إن النهج الديمقراطي لم يولد بقرار من مجموعة محدودة، ولم يصنع تاريخه شخص أو قيادة بمفردها.
لقد كان نتاج تراكمات نضالية وتضحيات جماعية ساهمت فيها أجيال من المناضلات والمناضلين.
ولا يملك أحد حق احتكار هذا التاريخ أو توظيفه لنزع الشرعية عن رفاق يختلفون مع القيادة الحالية.
والذين يرفضون بعض الممارسات التنظيمية ليسوا بالضرورة أعداء المشروع الثوري، بل قد يكون اعتراضهم نابعاً من حرصهم على ألا تضيع التضحيات التي بُذلت في سبيله.
إن النقد ليس خيانة للتاريخ، وإنما قد يكون أرقى أشكال الوفاء له.
أخيراً: إلى الرفيق أبي علي بلمزيان
إن قوة الماركسي لا تُقاس بعدد الاتهامات التي يوجهها إلى مخالفيه، ولا بمدى إتقانه لاستحضار النصوص والمفاهيم الثورية.
إنها تُقاس بقدرته على مواجهة الواقع، والاعتراف بالتناقضات، وتحمل مسؤولية الممارسة.
ولذلك فإن المطلوب ليس المزيد من المعارك الكلامية ضد محمد السفريوي أو غيره من المناضلين، بل تقديم إجابات سياسية واضحة عن الأسئلة التنظيمية التي يطرحونها.
لسنا ضد الحزب الثوري، بل ضد تحويله إلى ملكية خاصة.
ولسنا ضد المركزية الديمقراطية، بل ضد اختزالها في المركزية وحدها.
ولسنا ضد الانضباط، بل ضد استعماله لإلغاء حق المناضل في التفكير والنقد والمساءلة.
ولسنا ضد القيادة، بل ضد تحصينها من المحاسبة.
إن أخطر ما يصيب التنظيم الثوري ليس أن يختلف مناضلوه، بل أن يصبح الاختلاف فيه خطيئة، وأن يتحول الولاء للأشخاص إلى بديل عن الوفاء للمبادئ.
فالرفيق محمد السفريوي ليس فوق النقد، كما أن أبا علي بلمزيان ليس فوق النقد، والقيادة بدورها ليست فوق النقد.
وحدها الحجة والوقائع والممارسة الملموسة ينبغي أن تحسم النقاش.
أما الماركسية التي تخاف من مساءلة ممارستها، فإنها تفقد روحها النقدية، وتقترب من الدوغمائية التي قامت أصلاً لتجاوزها.
لا تجديد ثورياً دون ديمقراطية داخلية، ولا وحدة حقيقية دون احترام الاختلاف، ولا شرعية تنظيمية دائمة دون محاسبة.
صفحة يوميات — قراءة سياسية نقدية



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *