جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

القرد الذي ظن أنه يتفرج على القرود*الرفيق السفريوي محمد

 القرد الذي ظن أنه يتفرج على القرود*الرفيق السفريوي محمد

بعد ان امرني او لنقل نصحني صديقي المثير للجدل على فيسبوك، وعلى عكس الواقع، الزبير، بقراءة نص للصادق النيهوم. ونظرا لانشغالي اليوم بأمور عديدة، وخشية أن أؤجل القراءة إلى أجل غير مسمى، أو أن يصيبني الملل كما هي عادتي ، حملت الكتاب بسرعة، وقررت أن أمنحه تلاثين صفحة فقط. ثم اقرر : إذا استطاع النيهوم أن يستدرج اهتمامي خلال هذه الصفحات، فسأواصل القراءة، وإلا سانصرف ثانية إلى مشاغلي .
كما قررت لاسهل المهمة ، أن أمارس حيلة صغيرة استعملها غالبا مع الروايات: لن أقرأ النص باعتباره سردا عن مجتمع آخر أو زمنا آخر، بل سأتخيل أنه كتب عن وضع أعرفه جيدا و يعرفه صديقي الزبير " الخبيث" ، وأنني منخرط فيه حتى أذني. و سأسعى للتعامل مع كل جملة وكل فكرة أجدها في الكتاب ، كأنها تشرح أعيشه حاليا و منخرط فيه...
وهكذا وجدت نفسي داخل عالم القردة الذي يستدعيه النيهوم، ذلك العالم الذي يتخذه مرآة ساخرة لتحليل التخلف الاجتماعي والثقافي الذي تعيشه شعوب منطقتنا. غير أن المفاجأة أنني بدأت أصدق ان هاته المرآة كانت تعيد إليّ صورا أعرفها ، وتكشف لي، بقدر من السخرية السوداء، شيئا من المشهد الذي انخرط فيه بعضنا اليوم.
اعترف أن الأمر اصبح مسليا. فالقردة تتصارع على المواقع، وتستعرض قوتها، وتتنافس على الاعتراف داخل الزمرة. لم يعد الصراع على الغذاء أو البقاء، بل أصبح على من يحتل الغصن الأعلى، ومن يحق له قيادة الجماعة، ومن يملك سلطة إعتبار ان الآخرين دون أحقية.
و كلما تقدمت في القراءة، بدأت المتعة تتحول إلى شيء من القلق. فالقردة لم تكن تتصارع فقط؛ بل كانت تطلق على غرائزها البدائية أسماء جديدة، وتغلف تنافسها على الموقع بمفردات الجماعة والمصلحة العامة. وقد بدا لي أن القرد الذي تعلم الكلام لم يتخلص بالضرورة من غرائزه، بل اكتفى بتطوير قاموسه. لم يعد يحتاج إلى العض كي يقصي منافسه، تكفيه تهمة الانحراف، ولم يعد مضطرا إلى خوض معركة مباشرة على الغصن، فقد اخترع الشرعية التاريخية والتمثيل الحصري للحقيقة.
وهنا بدات ارتعب ، من قال إنني أقف خارج هذه الزمرة؟ من قال إنني مجرد قارئ يراقب المشهد من بعيد؟ أليس من المحتمل أن أكون أنا أيضا واحدا من تلك القردة، أشارك في اللعبة نفسها، وأمارس المنافسة ذاتها، لكنني أمتلك من الحيلة ما يجعلني أعتقد أن سخريتي منها دليل على أنني تجاوزتها؟
ربما نحن، بعد مسيرة طويلة من العجز عن تغيير الغابة، نحاول تعويض إخفاقاتنا بمعارك داخل الزمرة. وربما أصبحنا نبحث عن خلود رمزي لم نستطع تحقيقه بالفعل السياسي؛ هل نحن نسعى أن تبقى أسماؤنا في الذاكرة باعتبارنا أصحاب الموقف الأصح، أو آخر حراس الحقيقة، أو الذين انتصروا في معركة لم يسمع بها سكان الغابة أصلا...
ما زلت عند الصفحة الثلاتين ، لكنني اصبحت متأكدا إنني لم انتهي من قراءة النيهوم بل بدأت و ساقرأ كل ما سيسقط بين يدي من مؤلفات هذا الكاتب.
المهم صديقي الزبير و بعد كل هذه السخرية، لا أستطيع أن أجزم إن كنت أريد مغادرة الغابة، أم أنني فقط أبحث عن غصن أعلى أكتب منه عن ضرورة مغادرتها..




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *