الحلقة الرابعة والأخيرة من أربع حلقات صمت الفروع لا يعني نهاية الأزمة
الحلقة الرابعة والأخيرة من أربع حلقات
صمت الفروع لا يعني نهاية الأزمة
من سلسلة: حين تتحول معالجة الأزمة إلى مشروع لتصفية الاختلاف
بعد ثلاث حلقات تناولنا فيها إشكالية تدبير الاختلاف، وحدود المركزية الديمقراطية، والعلاقة بين النقد والمحاسبة، نصل إلى السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يشغل كل مناضل حريص على مستقبل المشروع السياسي والتنظيمي:
هل يمكن تجاوز أزمة سياسية وتنظيمية عميقة بمجرد إسكات مظاهرها، دون معالجة أسبابها؟
إن أخطر ما قد يصيب تنظيماً سياسياً ليس ارتفاع أصوات الاعتراض داخله، بل أن تتحول تلك الأصوات إلى مصدر قلق لدى من يفترض فيهم الإنصات إليها.
فحين تتراجع حيوية الفروع، وتضيق مساحات النقاش، وينسحب بعض المناضلين من الحياة التنظيمية، قد يبدو المشهد أكثر هدوءاً وانسجاماً.
لكن هل يعني ذلك أن الأزمة انتهت؟
أم أن ما نعتبره استقراراً ليس سوى انتقال الأزمة من فضاء النقاش العلني إلى فضاء الصمت والاحتقان؟
فالصمت ليس دائماً تعبيراً عن الاقتناع، كما أن غياب الاعتراض لا يعني بالضرورة وجود الإجماع.
لقد علمتنا التجارب السياسية أن التنظيمات لا تضعف فقط بفعل الضغوط الخارجية، بل قد تضعف أيضاً عندما تعجز عن تدبير تناقضاتها الداخلية، وتستبدل الحوار بالإجراءات، والإقناع بالانضباط الشكلي، والمحاسبة الجماعية بحماية التوازنات القائمة.
وهنا تستحضر الذاكرة التنظيمية تجارب سابقة، من بينها ما عرفته بعض فروع أوروبا من خلافات وإعادة ترتيب للعلاقات والمسؤوليات.
ولا يتعلق الأمر بإعادة فتح كل الملفات دفعة واحدة، وإنما بالتأكيد على أن التجربة التنظيمية لا تُقاس بما يصدر عنها من بلاغات وقرارات فحسب، بل كذلك بما تتركه من آثار على وحدة المناضلين وثقتهم في مشروعهم المشترك.
فليس كل من غادر اجتماعاً قد غادر قناعاته، وليس كل من ابتعد عن جهاز تنظيمي قد تخلى عن النضال.
وقد يكون بعض الذين اختاروا الابتعاد أكثر تمسكاً بالمشروع السياسي من أولئك الذين اختزلوا الوفاء له في المحافظة على المواقع والمسؤوليات.
إن الانتماء إلى المشروع الثوري لا ينبغي أن يتحول إلى امتحان دائم للولاء للأشخاص، كما أن التاريخ النضالي، مهما بلغت تضحيات أصحابه، لا يمنح أحداً حق احتكار التنظيم أو مصادرة حق الآخرين في الاختلاف.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل هي أن بعض من يتحدثون باستمرار عن بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة قد لا يمنحون السؤال المتعلق بطبيعة العلاقات الديمقراطية داخل الحزب ما يستحقه من اهتمام.
فكيف يمكن بناء حزب مستقل للطبقة العاملة إذا لم يكن مستقلاً، في ممارسته الداخلية، عن منطق الوصاية والولاءات الشخصية؟
وكيف يمكن الحديث عن قيادة جماعية إذا أصبح الرأي المختلف يُنظر إليه باعتباره تهديداً لوحدة التنظيم؟
إن وحدة الإرادة لا تعني وحدة التفكير، والمركزية الديمقراطية لا تعني إلغاء التعدد، والانضباط الواعي لا يعني التخلي عن الحق في النقد.
بل إن التنظيم الذي يطمح إلى تغيير المجتمع مطالب بأن يقدم، في علاقاته الداخلية، نموذجاً ديمقراطياً ينسجم مع المشروع الذي يدافع عنه أمام الجماهير.
فلا معنى للدفاع عن التحرر في المجتمع، إذا تحول الاختلاف داخل التنظيم إلى عبء ينبغي التخلص منه.
لسنا أمام معركة بين أشخاص، ولا أمام تنافس على المواقع، كما قد يحاول البعض تصوير الأمر.
إننا أمام اختلاف حول تصور العمل السياسي والتنظيمي، وحول العلاقة بين القيادة والقواعد، وحول معنى الديمقراطية الداخلية، وحول حق المناضلين في تقييم الحصيلة ومساءلة المسؤولين.
ولذلك فإن اختزال الأزمة في بضعة أسماء أو أصوات منتقدة لن يساعد على فهمها، فضلاً عن تجاوزها.
فالأزمة التي أنتجت اعتراضات واسعة لا يمكن اختزالها في الأشخاص الذين عبّروا عنها.
وإذا كان النقد قد كشف التناقضات، فإن محاصرة النقد لن تلغي تلك التناقضات.
إن إعادة الاعتبار للعمل السياسي الجاد تقتضي فتح نقاش جماعي مسؤول، والاعتراف بالاختلالات حيثما وجدت، وإخضاع الحصيلة والاختيارات والممارسات للمساءلة دون انتقائية.
كما تقتضي تجاوز تلك النظرة التي تجعل من المسؤولية التنظيمية امتيازاً دائماً، ومن الاختلاف السياسي شبهة، ومن النقد تهديداً للاستقرار.
فالتنظيمات الحية لا تخشى مراجعة مسارها، لأنها تدرك أن النقد ليس نقيض الوحدة، بل قد يكون أحد شروط إعادة بنائها على أسس أكثر صلابة.
أما التنظيم الذي لا يسمع إلا صدى صوته، فقد يعتقد أنه تجاوز أزمته، بينما يكون قد فقد القدرة على سماعها.
وفي ختام هذه الحلقات الأربع، نعيد طرح السؤال الذي انطلقنا منه:
هل نحن بصدد مراجعة سياسية وتنظيمية تعيد الاعتبار للنقد والمحاسبة والديمقراطية الداخلية، أم أمام تصور يعتبر أن الطريق إلى الوحدة يمر عبر تقليص مساحة الاختلاف؟
إن الإجابة لن تقدمها الشعارات ولا البلاغات وحدها، بل ستقدمها الممارسة، وطبيعة العلاقات بين المناضلين، ومدى استعداد المسؤولين لتحمل مسؤولياتهم السياسية والتنظيمية.
أما التاريخ، فله ذاكرة أطول من عمر القرارات التنظيمية، ولا يحتاج إلى تعميم داخلي كي يحتفظ بأسماء من طرحوا الأسئلة، ومن حاولوا تجنب الإجابة عنها.
ولنتذكر أن التنظيم ليس ملكية خاصة لأحد، وأن المشروع السياسي لا تختزله قيادة، وأن الشرعية النضالية لا تُورَّث، بل تتجدد بالممارسة والمحاسبة والالتزام.
فالمناضلون قد يغادرون الاجتماعات، وقد يختلفون مع القيادة، وقد يختارون مواصلة نضالهم من مواقع أخرى، لكن الأسئلة السياسية التي طرحوها لا تغادر معهم، ولا تنتهي بانتهاء عضويتهم.
وإذا كان البعض يعتقد أن هدوء الفروع دليل على تجاوز الأزمة، فإننا نعتقد أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ارتفعت الأصوات المنتقدة؟
بل: لماذا أصبح من الصعب على التنظيم أن يستمع إليها؟
ختام السلسلة
لم نكتب هذه الحلقات لإغلاق النقاش، بل للمساهمة في فتحه، لأن الدفاع عن المشروع السياسي لا ينفصل عن الجرأة في نقد الممارسات التي قد تعيق تطوره.
وسنعود إلى الموضوع… لأن ما لم يُناقش اليوم بوضوح سيظل مطروحاً غداً بإلحاح أكبر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق