قضية “محمدينو” تهز الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.. تجميد عضوية كبير قاشا تعليق للأنشطة… ودعوات لمؤتمر استثنائي
قضية “محمدينو” تهز الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.. تجميد عضوية كبير قاشا تعليق للأنشطة… ودعوات لمؤتمر استثنائي
لم تعد الخلافات داخل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان محصورة في تباينات عادية حول تدبير الملفات أو اختلافات في تقدير المواقف الحقوقية، بعدما انتقلت إلى قرارات تنظيمية وتصعيد ميداني، على خلفية تجميد عضوية الناشط الحقوقي كبير قاشا لمدة ستة أشهر، وإعلان تجميد الأنشطة الإشعاعية والتنظيمية والاحتجاجية التي تحمل اسم الجمعية للفترة نفسها، بالتزامن مع دعوات إلى عقد مؤتمر استثنائي لإعادة تقييم مسار المنظمة ومراجعة أدائها.
وتضع هذه التطورات قضية الطفل الراعي محمد بوسليخن، المعروف بـ”محمدينو”، في قلب الأزمة التي تتفاعل داخل الجمعية، بعدما تحول الملف إلى نقطة خلاف أساسية بين عدد من مكوناتها والقيادة المركزية، في ظل اتهامات بوجود تراجع في الترافع الحقوقي عن قضايا حساسة، وانتقادات لطريقة تدبير المبادرات الميدانية والقرارات التنظيمية، فضلا عن أسئلة تتعلق باستقلالية المناضلين في تبني الملفات ومواصلة الدفاع عن ضحايا الانتهاكات.
وتعود فصول قضية محمد بوسليخن إلى 16 يونيو 2025، حين عُثر على جثة الطفل، البالغ من العمر 15 سنة، بمنطقة أغبالو أسردان بإقليم ميدلت، حيث كان يشتغل راعياً للأغنام. وقد عثر عليه جاثيا على ركبتيه وحبل حول عنقه، في ظروف أثارت منذ البداية تساؤلات بشأن ملابسات الوفاة، خصوصا في ظل تمسك أسرته برفض فرضية الانتحار التي جرى تداولها في المعطيات الأولية.
وأكدت الأسرة أن الطفل لم يكن يعاني من اضطرابات نفسية، وتحدثت عن تهديدات سابقة تعرض لها، مطالبة بإعادة التحقيق في ظروف الوفاة وعدم الاكتفاء بالرواية الأولية. ومع تطور الملف، شهد المسار القضائي تحولاً مهماً خلال غشت 2025، بعدما أحال الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرشيدية القضية على قاضي التحقيق، مع فتح تحقيق في شبهة جناية القتل العمد ضد مجهول، وفق الفصل 392 من القانون الجنائي.
ولاحقا، تقرر استخراج جثة الطفل وإخضاعها لتشريح طبي جديد، إلى جانب توسيع دائرة البحث والاستماع إلى شهود إضافيين، فضلاً عن الاستماع إلى الطبيب الذي عاين الجثة في بداية القضية، في مسعى للتحقق من أسباب الوفاة وظروفها. وبذلك انتقل الملف من فرضية الانتحار التي حضرت في المعطيات الأولية إلى تحقيق قضائي في شبهة القتل العمد، دون أن يعني ذلك حسم المسؤولية الجنائية أو ثبوت التهمة في حق أي شخص.
ومع استمرار المطالب بكشف الحقيقة، تشكلت لجنة الحقيقة والمساءلة في مقتل الطفل محمد بوسليخن، لتتولى مواكبة القضية والترافع من أجل تسريع التحقيق القضائي ومحاسبة كل من قد تثبت مسؤوليته. وخلال غشت 2026، نظمت اللجنة، بمشاركة أفراد من أسرة الطفل، وقفات واعتصامات أمام البرلمان بالرباط ومحكمة الاستئناف بالرشيدية، مطالبة بتوضيح مآل البحث القضائي وكشف جميع ملابسات الوفاة.
وفي خضم هذه التحركات، برز اسم كبير قاشا باعتباره من أبرز الوجوه الحقوقية التي واكبت الملف ودافعت عن مطالب الأسرة واللجنة، وهي القضية التي أصبحت، وفق المعطيات التي أثيرت في سياق الخلاف، محورا أساسيا في قرار تجميد عضويته لمدة ستة أشهر. ويربط قاشا ومساندوه القرار بموقفه من مواصلة الترافع في قضية الطفل، معتبرين أن تمسكه بهذا الملف كان من بين أسباب التصعيد التنظيمي ضده، في حين يظل من الضروري انتظار توضيح المكتب المركزي بشأن خلفيات القرار ومبرراته الرسمية.
ولم يتوقف الخلاف عند قرار تجميد العضوية، بل امتد إلى طبيعة العلاقة بين الجمعية ولجنة الحقيقة والمساءلة، خصوصا بعد بروز تباين بشأن استعمال شعار الجمعية في بيانات اللجنة وأنشطتها، والمطالبة بسحبه من بعض المواد المرتبطة بتحركاتها. كما أثار المعترضون على تدبير الملف مسألة غياب مشاركة وازنة للمكتب المركزي في عدد من المحطات الاحتجاجية التي نظمت أمام البرلمان ورئاسة النيابة العامة بالرباط، معتبرين أن مواكبة قضية الطفل كانت تستدعي حضورا حقوقيا أكثر قوة واستمرارية.
وتتجاوز الانتقادات قضية محمد بوسليخن لتشمل طريقة تعاطي المكتب المركزي مع عدد من الملفات الحقوقية الأخرى، وفي مقدمتها أحداث إطلاق الرصاص الحي في القليعة والقنيطرة، والمحاكمات المرتبطة بفضح الفساد، فضلا عن قضايا العنف والقتل والانتهاكات التي أثارت نقاشا حقوقيا واسعا. كما أعيد طرح ملف مقتل شابة ومحاولة قتل شقيقتها بإقليم خنيفرة، باعتباره من القضايا التي استدعت، وفق المنتقدين، موقفا حقوقيا أكثر وضوحا وفاعلية.
وامتد النقاش كذلك إلى طريقة التعامل مع عدد من المناضلين داخل الجمعية، من بينهم إبراهيم رزقو، الذي أثيرت بشأنه مسألة توجيه إنذار، وكنزة البيار التي أثيرت مسألة تهديدها بالطرد، إلى جانب قرار تجميد عضوية كبير قاشا. وقد أعادت هذه الملفات مجتمعة طرح سؤال تدبير الاختلاف داخل المنظمة، وحدود اللجوء إلى الإجراءات التأديبية، ومدى تأثيرها على استقلالية المبادرة الحقوقية وعلى العلاقة بين الأجهزة المركزية والمكونات المحلية.
وفي مواجهة هذا المسار، جاء إعلان تجميد جميع الأنشطة الإشعاعية والتنظيمية والاحتجاجية التي تحمل اسم الجمعية لمدة ستة أشهر، باعتباره خطوة احتجاجية على قرار تجميد عضوية قاشا، وعلى ما وصفه المعترضون بتراجع عن الأدوار التاريخية للمنظمة في الدفاع عن الضحايا ومناهضة الإفلات من العقاب.
ولم يقتصر التصعيد على تعليق الأنشطة، بل شمل إعلان مقاطعة التواصل مع المكتب المركزي، ورفض استقبال زيارات أعضائه خلال المرحلة المقبلة، مع التأكيد على مواصلة العمل الميداني في قضية الطفل محمد بوسليخن تحت إطار لجنة الحقيقة والمساءلة. ويعكس هذا الموقف انتقال الخلاف من مستوى الاعتراض على قرار تنظيمي إلى حالة من القطيعة مع القيادة المركزية، بما يطرح أسئلة جدية حول مستقبل وحدة الجمعية وقدرتها على تدبير خلافاتها الداخلية.
وبالتوازي مع هذه التطورات، اختار كبير قاشا نقل النقاش إلى مستوى أوسع، من خلال تدوينة دعا فيها إلى عقد مؤتمر استثنائي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، معبرا عن قلقه إزاء ما اعتبره تراجعا في أدوار المنظمة ومواقفها الحقوقية. ولم تكن الدعوة، في مضمونها، مجرد اعتراض على قرار تجميد عضويته، بل حملت مطالب بإعادة تقييم المسار التنظيمي والحقوقي للجمعية، وفتح نقاش داخلي حول مواقفها من قضايا العنف والرصاص الحي والقتل، ومدى قدرتها على مواصلة أداء الدور الذي راكمته عبر تاريخها.
وتعيد هذه الدعوة إلى الواجهة سؤالا أعمق يتعلق بهوية الجمعية نفسها: هل ما تزال قادرة على الحفاظ على موقعها كإطار حقوقي مستقل، يتقدم في الدفاع عن الضحايا بصرف النظر عن الكلفة التنظيمية والسياسية، أم أن الخلافات الداخلية وطريقة تدبيرها باتت تؤثر في قدرتها على اتخاذ مواقف موحدة من القضايا الحقوقية؟
فالأزمة الحالية لا تتعلق فقط بتجميد عضوية مناضل أو تعليق أنشطة تنظيمية، قد تكشف عن تباين في الرؤية بشأن أولويات العمل الحقوقي، وحدود استقلالية المبادرات الميدانية، وطبيعة العلاقة بين القيادة المركزية وباقي مكونات الجمعية. كما تطرح تساؤلات حول مدى انسجام القرارات التأديبية مع تقاليد المنظمة في احتضان الاختلاف والنقاش الداخلي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات حقوقية ما زالت مفتوحة أمام القضاء وتنتظر عائلات ضحاياها كشف الحقيقة.
وفي انتظار خروج المكتب المركزي بتوضيحات مفصلة بشأن أسباب تجميد عضوية كبير قاشا، وموقفه من الانتقادات المرتبطة بتدبير قضية محمد بوسليخن وباقي الملفات المثارة، تبدو الجمعية أمام لحظة اختبار حقيقية. فبين أسرة طفل لا تزال تطالب بمعرفة حقيقة ما جرى لابنها، ولجنة تواصل الضغط من أجل كشف ملابسات وفاته، وقيادي يدعو إلى مؤتمر استثنائي، ومكونات تنظيمية اختارت تعليق أنشطتها ومقاطعة القيادة المركزية، تتجاوز الأزمة حدود الخلاف العابر لتلامس مستقبل واحدة من أبرز المنظمات الحقوقية بالمغرب.
ويبقى السؤال الذي تفرضه هذه التطورات: هل تتحول قضية “محمدينو” إلى مدخل لمراجعة داخلية تعيد ترتيب الأولويات وتفتح نقاشا مسؤولا حول استقلالية القرار الحقوقي وطرق تدبير الاختلاف، أم أن استمرار التصعيد سيقود الجمعية إلى مرحلة أعمق من الانقسام، في وقت تحتاج فيه الساحة الحقوقية إلى مؤسسات قوية ومستقلة وقادرة على الدفاع عن الضحايا دون تردد؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق