جاري تحميل ... مدونة نور الدين رياضي للعمل السياسي والنقابي والحقوقي

أخبار عاجلة

إعلان في أعلي التدوينة

عن معاناة عمال البناء/ الرفيق مصطفى بنسليمان

إلى الذين يسمعون عن عمال البناء دون أن يخبروا معاناتهم ، وإلى هؤلاء العمال أنفسهم ، إلى من ماتوا بعد سقوط من الطابق العلوي ، وإلى من فقد طرف من أطراف جسمه أو من جاء بحثا عن الرغيف فأصبح معاقا مقعدا على كرسي متحرك .
بعد قضاء مدة 4 سنوات كميكانيكي متخصص في إصلاح آلات البناء والآلات الخاصة بتشييد الطرق ، وبعد طردي من طرف رب العمل ، لأنني كنت أرفض العمل المجاني خارج أوقات العمل ، وكنت أحرض العمال لرفض العمل مجانا خارج أوقات العمل ، بالإضافة إلى أنني كنت أحرضهم على رفض العمل مجانا أيام الأعياد الدينية والوطنية وكنت أحثهم على المطالبة بتعويضات الضمان الإجتماعي ، لأن رب العمل كان يزرع مخبريه والقوادين داخل العمال وكان يترصد الفرصة لطردي ، وقد أتته الفرصة مواتية عندما تغيب أحد سائقي ألة مخصصة لدك التراب " compactue " بأحدى طرق الرابطة بين الرباط والدار البيضاء ، فأصدر أمره للمسؤول عن الورش بأن أقوم أنا بسياقة تلك الالة .
رفضت سياقتها ورهنت قيامي بذلك العمل بشرطين ، الاول يتعلق بزيادة أجري لأنني سأقوم بعمل إضافي والشرط الثاني طالبت فيه بنظارات واقية وخودة وقميص يظهر بالليل وأغطية خاصة بوقاية الأذنين شبيهة بتلك التي يضعها عمال المطارات خلال توجيههم للطائرة على المدرج هدفها الحد من ضجيج الألة المؤثر سلبا على الأذن ، إنتهز صاحب الشركة رفضي القيام بتلك المهمة فقام بتوقيفي .
عندما تم طردي قادتني الظروف للعمل بشكل مؤقت كسائق سيارة إسعاف بشركة خاصة ، في أحد الأيام تلقى مداوم الإسعاف المكلف بالرد على الهاتف ، تلقى مكالمة هاتفية تخبره بضرورة إسعاف أحد الأشخاص من مستشفى بوافي بالدار البيضاء ، أسندت المهمة لسيارت الإسعاف التي أقودها وهي مزودة بأجهزة الإنعاش وهي شبيهة بغرفة إنعاش متنقلة ويخرج رفقتي طبيب عام وممرضة .
إنطلقنا صوب المستشفى بعد وصولنا وجدنا عائلة المريض يظهر على أفرادها أنهم من سكان هوامش المدينة ، تفقدنا المريض وكان في حالة غيبوبة يرتدي ملابس مطلية بغبار الإسمنت وسرواله مربوط بواسطة سلك خاص بشد قطبان حديد البناء أما  فيقدميه فإنه يردي صنادل " حلومة " كما كنا نسميها ، والدماء تنزف من أنفه وأذنيه ، إنشغلت الممرضة بوضع أجهزة التنفس وقياس ضغط الدم ونسبة السكر في الدم ، الطبيب يسأل عائلة المريض عن حيثيات الحادث وعينه على جهاز قياس التنفس .
أخبرتنا إمرأة في عقدها الرابع ، على ما أظن زوجته ، أخبرتنا أنه يعمل في أشغال وقد سقط من الطابق الرابع بورش بناء يتواجد بإقليم الجديدة ، فاتصلوا بسيارة الإسعاف التابعة لإحدى الجماعات فأخبروهم أن خزان الوقود فارغ وعلى العائلة أن تؤدي ثمن تعبئة الخزان بالوقود ، فرضيت عائلة المريض بذلك مكرهة ، تأخرت سيارة الإسعاف حوالي ساعة فلما وصلت كانت مجرد سيارة بها سرير فقط في حين أن المريض محتاج لسيارة مجهزة بلوازم الإنعاش.
نقلوا المريض على تلك الحال من إقليم الجديدة إلى الدار البيضاء واستمر المريض في الغيبوبة والنزيف على طول تلك المسافة .
فلما أحس سائق تلك السيارة بوضعية المريض الخطيرة ولما صادف السائق وضعية اختناق بالمرور بنواحي مستشفى بوافي أدخل المريض إليه ، ولكن الطامة الكبرى هي ان المستشفى مجرد إسطبل فقط يستقبل الحالات ويلفظها لعدم وجود الأجهزة والأطقم الطبية الكافية التي تغطي جميع التخصصات ، وفي الوقت الذي يحتاج فيه المريض إلى فحص بالأشعة لكافة أعضاء جسده .
هكذا كانت رواية السيدة المرافقة له تحت دموع وشهقات من الحسرة .
حملنا المريض من ذلك المستشفى بالإسم فقط واتجهنا به لإحدى المصحات الخاصة ، أدخل المريض على عطل لقاعة الفحص بالأشعة بعدها إلى غرفة العمليات ، فانصرفنا إلى حال سبيلنا عدت صدفة لنفس المصحة الخاصة سألت عن المريض أحد الممرضين فأخبرني أنه فارق الحياة .
لقد قاوم وهو حي ، وقاوم وهو مصاب ، وقاوم وهو في غيبوبة لأكثر من أربع ساعات ، وقاوم وهو ينزف الدماء من فمه ومن أنف ومن أذنيه ، وقاوم وهو في المستشفى .
إنتظر طويلا قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة .
إنتظر في وطن لا فائدة فيه لمن ينتظر .
مصطفى بن سليمان .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلان في أسفل التدوينة

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *