غازي الصوراني _ عن الاخلاق في بلادنا .....
غازي الصوراني _ عن الاخلاق في بلادنا .....
لا أزعم أن بالامكان الحديث عن أخلاق عربية حره وديمقراطية معاصرة نقيضه لمنطق الطاعة والامتثال والاستبداد باسم المفاهيم الشكلية التراثية القديمة ، كما لا أزعم وجود أخلاق عربية كرزمة فكرية واحدة أو متجانسة ، لانها على النقيض من ذلك مجموعة اخلاقيات موزعة ومنتشرة بصورة مختلفة في مجمل الاقطار العربية تجسد أو تعكس تطورها المحتجز وتخلفها وتبعيتها إلى جانب انقسامها إلى بنيتين فوقيتين الاولى تعكس مصالح الطغم الحاكمة في النظام العربي والثانية تعكس اخلاقيات الاطار الاوسع من الجماهير الشعبية الفقيرة والمقموعه والمضطهدة تاريخيا ، وتتعرض راهنا إلى اوضاع لا تحتمل ، ما يجعلها تندفع –في ظل غياب القوى اليسارية الديمقراطية الحاضنة- اما إلى الاحباط واليأس أو الالتحاق بالحركات الدينية أو الصمت أو الصبر على المعاناة في الدنيا والإعراض عنها وعن مغرياتها والالتزام بالتعاليم الدينية ونصوصها ضمانا للقبول في جنة النعيم في الآخرة.
إن التحدي المتزايد ، في بلدان الوطن العربي راهناً ، يفرض علينا العمل بصور جديه ومتسارعه لاكتساب " الأدوات والأسس المادية والمعرفية لدخول عصر العلم والثقافة وفي مقدمتها العقلانية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية كشرط رئيسي لانتشار وتكريس الاخلاق السياسية التحررية والاجتماعية.
ماذا يعني هذا الكلام؟
انه يعني اولًا أن ما ورثته مجتمعاتنا من انظمة الاستبداد هو فراغ اخلاقي رهيب. فلقد جاء الفقر والجدب الروحي والفساد، لتقوم بتحطيم نظام القيم.
ويعني ثانيا استلهام الفكرالعقلاني الذي يقوم بتأسيس نهضة عربية ثالثة مبنية على قيم الديمقراطية والعدالة والمساواة والحرية، وهذا لا يعني على الاطلاق استبعاد العامل الديني، بل يعني حوارا مقياسه الأول والأخير هو الانسان والعقل.
ويعني ثالثا تحرر فصائل وأحزاب اليسار العربي من عصبياتها وبناها القديمة، والفراغ الأخلاقي الذي ورثته من الأنظمة، والتخلص من هيمنة شبح تحويل المثقفين والمناضلين الى مجرد ناشطين في الجمعيات غير الحكومية، بما تحمله من امتيازات وعزلة، والانخراط في بناء مؤسسات سياسية جديدة تقطع مع ارث الآفات الاجتماعية الموروثة من زمن الاستبداد كالطائفية والعشائرية والفساد المفسِد.
ويعني رابعا اعتبار التراث الانساني بأسره ملكا للجميع، من تراث الثورة الفرنسية وفكرها الى التراث الاشتراكي بعد تحريره من كل عوامل ومكونات ومفاهيم البيروقراطية والتفرد والديكتاتورية.
ويعني خامسا واخيرا، نقل المعركة من اطارها الهوياتي الى اطارها السياسي. فالصراع مع التيارات الاصولية ليس على الهوية، لأن صراعات الهوية هي مجرد صراع على الوهم وقبول بالافتراض الاستشراقي، الصراع هو على البرنامج السياسي الاقتصادي الاجتماعي، وهنا في صلب هذا الصراع تأتي اولوية حرية المرأة وحرية الثقافة والابداع.(غازي الصوراني - التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني -الطبعة الأولى - آذار / مارس 2019).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق